أحمد رجب شلتوت - حين يصير الخلاص فخًا: قراءة في «زاوية الشيخ»

أعتقد أنه من الخطأ قراءة رواية "زاوية الشيخ" للمبدع "حاتم رضوان" باعتبارها مجرد إدانة للتدين الزائف أو تعريضا بشيخ بعينه، فالرواية تتناول شرطا اجتماعيا يُنتج هذا النوع من السلطة، ويعيد إنتاجه بأقنعة متعددة، وفي نفس الوقت لا تتعامل مع التدين بوصفه إيمانًا، ولا مع التصوف بوصفه تجربة ذاتية خالصة، بل بوصفهما ممارستين اجتماعيتين قابلتين للتحول إلى أدوات لتحقيق النفوذ والهيمنة.
الرواية بهذا الفهم لا تدين شخصية الشيخ في ذاته، بقدر ما تدين الواقع الذي جعلها ممكنة، ومقبولة، وأحيانا ضرورية، لذلك فالرواية تُحيل إلى نقطة رؤية، وإلى موقع تُدار منه العلاقات.
فالزاوية، لغويًا، هي موضع انحراف عن الخط المستقيم، وهي في الوقت نفسه مساحة ضيقة، شبه مغلقة، تتسع فقط لمن يقبل بشروطها، هكذا تصبح الزاوية في الرواية استعارة لبنية اجتماعية كاملة، فهي فضاء صغير يحمل وعدا بالخلاص، لكنه يشترط الطاعة، ملاذ ظاهري للهاربين من القهر، لكنه يعيد إنتاج القهر نفسه بصيغة رمزية، والعنوان يهيئ القارئ لرواية لا تبحث في «حقيقة الشيخ»، بل في وظيفته داخل مجتمع مأزوم.



تدريب على الطاعة
يبدأ السرد بوصف الطريق المؤدي إلى الزاوية، مدق ترابي ضيق لا يسمح بمرور السيارات، وأسوار عالية، وباب حديدي مصمت بلا منافذ. هكذا يصبح الطريق تطويعا نفسيا لمن يريد الدخول، قبل أن يقابله الشيخ. فالطريق الضيق يُقصي السيارة، رمز الحركة والحداثة، ويجبر الجسد على المشي البطيء. الأسوار العالية تمنع الرؤية المتبادلة، وتخلق عزلة رمزية عن العالم. الباب المصمت يلغي إمكان التفاوض أو السؤال؛ إما أن تدخل بشروط المكان، أو تبقى خارجه، وبذلك فإن الزاوية تُمارس نوعا السلطة الصامتة، وتُخضع الجسد قبل أن تُخضع الوعي.
البحث عن خلاص
لم تكن زهرة مجرد امرأة دفعتها الخرافة إلى باب الشيخ، فهي خريجة اقتصاد وعلوم سياسية، ابنة طبقة متوسطة آمنت طويلًا بأن التعليم هو طريق الصعود الاجتماعي. حلمها بأن تصبح سفيرة كان نتيجة منطقية لمسار معرفي يفترض وجود عدالة اجتماعية وتكافؤ فرص، لكن الواقع يُخالف الوعد، فالواسطة حاسمة، والكفاءة مهمشة، والأبواب الرسمية مغلقة. هنا، يتكوّن الإحباط ليس بوصفه أزمة فردية، بل بوصفه صدمة طبقية. فزهرة لا تفشل لأنها عاجزة، بل لأن النظام لا يعترف بها، يشكل هذا الفشل الخلفية الصامتة لكل ما سيأتي لاحقًا. فحين يُهزم الوعي اجتماعيًا، يصبح هشا وأكثر عرضة للانكسار.
صناعة التبعية
تذهب زهرة إلى الزاوية، وتعود خائبة أكثر من مرة. في كل زيارة، يُقال لها إن الشيخ غير موجود. هذا التكرار يمثل آلية مقصودة للتطويع نفسي، فكلما طال الغياب، تضخّمت صورة المخلص الغائب،
هكذا تنتقل زهرة تدريجيًا من موقع الباحثة إلى موقع المنتظِرة، ومن الندية إلى التعلّق.
كذلك يتعمّد الراوي تأجيل وصف جمال زهرة حتى لحظة دخولها إلى الشيخ. هذا القرار السردي بالغ الدلالة. كأن الجسد لا يُمنح حضوره إلا حين يصبح موضوعًا لنظر السلطة. المرأة، في هذا العالم، لا تُرى إلا بوصفها جسدًا يُعاد تعريفه من داخل منظومة السيطرة. وبهذا التأجيل، يكشف السرد آلية خفية، فالاعتراف بالجسد لا يحدث إلا داخل علاقة غير متكافئة، تجعله مستباحا.
من الحبيب إلى الشيخ
قبل تجربتها مع الزاوية، كانت زهرة قد تعرّضت لصدمة أكثر قسوة، اغتصاب حبيبها خالد لها بعدما غابت عن الوعي، خالد، الذي ارتدى قناع الحب والامتياز الطبقي، مارس العنف نفسه الذي يمارسه الشيخ لكن بلغة مختلفة، هذه الصدمة هي مفتاح لفهم هشاشة زهرة النفسية، فالجرح الجسدي والنفسي هو ما يجعل خطاب الشيخ قابلًا للنفاذ. الرواية لا تبرّر سقوط زهرة، لكنها تضعه داخل سياق واضح، الضحية لا تسقط فجأة، بل قد يدفعها المجتمع إلى السقوط.
وهنا نكتشف أن خالد والشيخ ليسا نقيضين، بل صورتين لظاهرة واحدة، الأول يستغل المرأة بادعاء الحب، والثاني يستغلها بقناع التدين، القناع يتغير، لكن الجوهر واحد.
كل الطرق واحدة
تقدّم الرواية أكثر من نموذج للشيخ، صفوان، علي، كامل، هؤلاء ليسوا نسخًا متطابقة، ولا تمرّ تجاربهم عبر الطريق نفسه. طرق صعودهم تختلف، وخلفياتهم الاجتماعية متباينة، لكن آليات صناعة الطاعة عندهم واحدة، والنتيجة دائمًا، سلطة روحية زائفة، وتبعية، واستغلال.
الرواية هنا لا تستنسخ التجارب، بل تستنسخ الشرط الاجتماعي المنتج لها. الفقر، انسداد الأفق، غياب العدالة، والحاجة إلى الاعتراف، كلها شروط تُنتج الدجل بأشكال متعددة، فلا يصبح انحرافًا فرديًا، ولكن وظيفة اجتماعية بديلة.
وهنا نلاحظ أن العبارة المفتاحية «من قال لا لشيخه لا يفلح» تختصر فلسفة كاملة. السؤال هنا خطيئة، والشك خروج عن الجماعة، والطاعة شرط النجاة. وهكذا يُعاد تشكيل الوعي، فيصبح الامتثال قيمة في حد ذاته، بل سلما للفلاح.
سقوط الهيبة
وفي النهاية تنجو زهرة من كمين الشيخ لكن ربما تجد نفسها في مواجهة كمائن أخرى، وحين يتحرك الناس ضد الشيخ، لا يحدث ذلك عبر مؤسسة رسمية، بل عبر غضب شعبي، هذا الاختيار مبرر فنيًا ودلاليًا، فالدولة منذ البداية غائبة أو عاجزة أو متواطئة، والزاوية تنشأ في المواقع التي تتركها الدولة شاغرة. لذلك، لا يسقط الشيخ بالقانون، ولكن بانكسار الهيبة، وهذا التحرك الشعبي لا تقدمه الرواية بوصفه خلاصًا نهائيًا، ولكنه يمثل لحظة كشف، يعقبها إسقاط لمكانة الشيخ الذي لم تحاكمه المؤسسة الرسمية.
والخلاصة أن رواية «زاوية الشيخ» لا تقول إن المشكلة في شيخ بعينه، ولكنها تكمن في مجتمع يبحث عن الخلاص في الأماكن الخطأ. فما دامت العدالة غائبة، ستتغير أشكال الاستغلال، لكن الجوهر سيبقى، والتحرر، كما تقترح الرواية، يأتي من خلال وعي جذري يواجه البنية، وليس القناع، وبالتالي تبقى "زاوية الشيخ" سؤالًا مفتوحًا عن شروط الخلاص في واقع مأزوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...