د. كاميليا عبدالفتاح - "سطوة المكان وتحولاتُ الذات المسرودة . قراءة نقدية في رواية "جبل ناعسة" للكاتب السكندري مصطفى نصر

• جبل ناعسة منطقة سكندرية سُميت باسم امرأةٍ أعرابية أقامت كوخًا بجوار الجبل وعاشت فيه تربي أغنامها . وهو يمثل في هذه الرواية مكانًا مركزيا – وفق تعبير جاستون باشلار – مقابل عدة أماكن أخرى هامشية يحمل كل منها دلالته في مواجهة الجبل .
إذا جئنا إلى المتن الحكائي لهذه الرواية ، فهو يدورُ حول أسرةِ عبد الواحد الذي بدتْ وفاتُه جرثومة الحدث الدرامي ، حيثُ واجهت أرملتُه أنصاف قسوةَ الحصول على قوتِ ولديها – جابر وصبحي – فضلا عن إشباع حاجتها العاطفية والجسدية . وقد رفضت عرض عمِّ أبنائها بالعيش مع أسرته في شقتهم بعمارة رشدي ؛ إصرارًا على أنْ تعيش كما تهوى ، وسمحت لابنها صبحي أن يعيش معه ، بينما عاش معها ابنُها جابر . وتحَت وطأة الغريزة الجسدية والحاجة إلى المال تزوجت مسعود الذي يعمل سكرتيرا لأحد المحامين ، وحين طرده المحامي لأنه يسرقُ منه الموكلين ويعمل لحسابه الخاص ، التحق بالعمل مع الخواجة اليوناني أنطونيو في تجارة الورق " الدشت " ، لكنّ الخواجة اكتشفَ أنه يسرقه بالتلاعب في الفواتير ، فضربه حتى أفقده عينيه ، وسمّاه " فسادة " ، فتطلقت منه أنصاف وعملت خادمة في شقة أنطونيو ، ثم عشيقة له ، يعلمِّ ابنها جابر ويثقّفه حتى أصبح معيدًا بكلية الآداب . وجابر عشيق سامية شعير وهي موظفة إدارية وممثلة إذاعية – درجة ثالثة – على علاقة مريبة ببعض الشخصيات المهمة ، ممّا دفع جابر – وغيره من الشباب – إلى إقامة علاقات جسدية معها حتى تقدمه ككاتب مسرحي . واستمر في علاقته معها بعد زواجه من نبيلة ابنة عمه . أمَّا صبحي فلم يحتمل العيش مع عمّه في عمارة رشدي الفاخرة – التي يسكنُ فيها الخواجة أنطونيو أيضًا – فهرب عائدًا إلى جبل ناعسة ، يبيعُ جسده للمطلقات والأرامل مقابل أموالهن ، كما ارتبط بعلاقة جسدية بشوقية - الزوجة الثانية لعبد الراضي صاحب المقهى وتاجر المخدرات – وكأن صبحي هو النسخةُ الذكورية من شخصية أمه الشَّبقة - ثم قام بقتل الخواجة أنطونيو بعد أن رفضت أمه قطع علاقتها به ، وحُكم عليه بالسجن .
من خلال هذه الأحداث نلاحظُ التباين الشديد بين سُكَّان جبل ناعسة ، وسكَّان عمارة رشدي ، فشخصيات الفريق الأول الذي يضم أنصاف وابنيها وشوقية وفسادة وعبد الراضي وعوض الفقير – فضلا عن بقية سكّان الجبل - فيتوزعون ما بين تجارة المخدرات ، والنصب والسرقة ، وإقامة العلاقات المحرمة والقتل ، بينما تبدو شخصيات عمارة رشدي – وتضم العم عباس وابنه يسري وابنته نبيلة وأنطونيو – فهي شخصيات ناجية من هذا المصير ، بل هي شخصيات وقع القهر عليها من سكّان جبل ناعسة . وينفردُ " أنطونيو " بوضعية خاصة ؛ فهو ضحية من ضحايا سكان هذا الجبل ، وهو في الوقتِ ذاته يمثِّلُ - على الصعيد الرمزي - إحدى القوي الحتمية التي ساهمت في تشكيل مصائرهم .
• تبرزُ شخصية " صبحي " شاهدًا على سطوة المكان في هذه الرواية إذ منحه الكاتبُ فرصة النجاة من مصير سكّان الجبل من خلال عمه الذي حاول أن يعلمه في ورشته وينجو به ، إلَّا أنه هرب إلى الجبل مأخوذًا بسحره ، مفتونًا بما يتيحه الجبل من انفلاتٍ للغرائز ، ومندفعًا – في محاولة فاشلة – لإيقاف علاقة أمه بأنطونيو . يقول الراوي معقبا على هروبه من بيت عمه إلى الجبل :
" الجبل له سحر لم يستطع أن يقاومَه ، في بيت عمه الهدوءُ يُضنيه ، تكرر هروبُه من الدكان ، عمه يريدُ أن يعلمه ، أن يجعله مثل ولده يسري ، ثار الرجل ، ضربه ، ذهب صبحي ، ولم يعد ثانية لبيت عمه " . وهكذا بدا الجبلُ حتميةً قدريةً – في معنىً من معاني سطوته على الذوات الإنسانية في هذه الرواية - وبما يعدُّ من الحوافز القارة التي أشار إليها " تشوماتشفسكي " وهي تتصلُ – في الغالب – بطبائع الشخصيات والبيئة .كما بدا الجبلُ هو المكانُ الذي يُشكِّلُ حدًّا من حدود القهر الكبرى ، كما في طرح الدراسات السيكيولوجية .
• جبل ناعسة في هذه الرواية لم يكن إطارًا للأحداث ، بل كان إرادةً تُديرُ الفعل الدرامي فيها . وما هو جبلُ ناعسة ؟ هو المكان الذي أنتجَ فضاءًا اجتماعيًا شبيهًا بالجماعات البدائية للإنسان في فوضوية حراكها الغرائزي وهمجية إشباع هذه الغرائز .
ولأنَّ النص السردي له خصوصيته ، حيثُ يُبنى - كما يقول أمبرتو إيكو – في كتابه تأملات في السرد - " كعالمٍ مغلقٍ ومكتفٍ بذاته من حيثُ التحديد الدلالي الذي يُسقطه المؤلفُ " فنحنُ لا ننتظر أن يكون لجبل ناعسة وضعية فنية تخييلة مستمدة بكليتها من الواقع ؛ إذْ – كما يقول سعيد بنكراد في مقدمته لتأملات أمبرتكو إيكو " لا يمكن للعالم التخييلي أن يستقلّ بذاته إلا إذا شَيّد عوالمه استنادًا إلى قوانينه هو ، لا إلى قوانين الواقع . " وقد منحَ الكاتبُ جبلَ ناعسة دور البطولة في أحداث روايته – من خلالِ هذه الوضعية التَّخييلية – إذْ وضع في يده كل الخيوط التي تربط بين الشخصيات برباطٍ حتميٍ ؛ بحيثُ بدتْ كلُّ شخصية قدرَ الشخصيات الأخرى- المتشابكة معها في الموقف الدرامي –هكذا تشكّلَ مصيرُ " جابر " على يدِ أمه " أنصاف " وزوجها فسادة وعشيقها أنطونيو ، وعوض الفقير وسامية خضر . يسوق الراوي على لسان جابر ما يشجعنا على هذه الفرضية الدلالية ، يقول :
" سامية خضر ، ذلك الشئ الذي ما زال يلفُّني في داخله ، في أي عصرٍ من العصور قابلتُها " . و يقول :
" أُمي أنصاف تحجبُني عن الناس ، تطويني بعلاقتها بأنطونيو داخل جسدها الضامر . "
على هذا النحو ، كان جابر قدرًا - وحصارا نفسيا - لسامية ونبيلة وأنصاف أمه ، و كذلك كان أنطونيو لأنصاف ، وجابر وصبحي والعم عباس ، وكان صبحي قدرًا لنبيلة وشوقية وزوجها عبد الراضي .
• طُرحت شخصيةُ جابر نموذجًا للذات الإنسانية التي تُعاني على صعيد الوعي – واللا وعي – من سطوة المكان – وإرادته – ؛ فالمكانُ – كما يقول د. إبراهيم جنداري في كتاب الفضاء الروائي في أدب جبرا إبراهيم جبرا " لا يظهرُ إلَّا من خلال وجهة نظر شخصية تعيش فيه ( أو تخترقه ) والمنظور الذي تتخذهُ الشخصيةُ هو الذي يحدد أبعادَ الفضاء الروائي " .
يسوقُ الراوي على لسان هذه الشخصية ما يبرزُ قهرَ الأمكنة لها واقتدارها عليها ؛ ففي القاهرة يفتقد جابر الشعور بذاتيته الإنسانية : " في القاهرة أتوه وسط الطوفان ، أنوار المسارح ، البرامج التي يُلحّ أصحابُها على الانتهاء من كتابتها "
. القاهرة – في هذا الطرح - مكانٌ إقصائي إزاحي يُهدد هذه الذات بالتشيؤِ . أمَّا الإسكندرية ، فيصفها جابر بأنها عالمه ، لكنها – وعلى الرغم من ذلك – تمارسُ سطوة مختلفة ، فهي تمثّلُ ذاكرته التي تطارده بكل الذكريات الفجائعية .هكذا يبدو جابر نموذجًا للذات الإنسانية التي تصدّعت بفعل الأمكنة التي تختزنُ كثيرًا من المشاعر – والدلالات – الضدية . ولعلَ هذه التصدعُ يبدو في هذه الفقرة التي يصفه فيها الراوي بقوله : " يظل يطوفُ الشوارع ، يستعيدُ ذلك الماضي ، يداه على الدركسيون ، أبطأَ السير ، آلاتُ التنبيه تطاردهُ ، مهلا ، مهلا ، أريدُ أن أبقى هنا ، أنزرعُ داخل الأرض ".
وعلى الرغم من هذا التصدّع طُرحت شخصيةُ جابر شاهدًا على تحولات المكان السكندري – والتحولات . يسوق الكاتبُ على لسانه : " أدخلُ شارع 12 ، أتوه وسطه ، عمارات جديدة بدلا من بيوته القديمة المتهالكة . أدخل جبل ناعسة "
لم تحمل هذه العبارة رصدا لتحولات المكان فقط ، بل حملت شعور الشخصية بعملقة الأماكن مقابل هامشيتها ، فضلا عن ذلك فإن العبارة تحمل قرار اختيار جبل ناعسة مكانا من بين هذه الأمكنة .
ويدفعُ الكاتبُ شخصيته إلى مونولوج – بل عدة مونولوجات - يكشف من خلاله إشكالية المكان ومسؤوليته عن شحنة التوتر في المسار الدرامي في الرواية . يقول جابر:
" لكن الإسكندرية شئٌ آخر أبتعدُ فيها عن الضجيج ، تُطاردني شوارعها التي سار فيها أنطونيو ، وصبحي أخي والآخرون ، والدمُ يسيلُ من مدخل العمارة الشاهقة ، عمارة أنطونيو . " .
• أطلق الكاتب مسمى عمارة أنطونيو على عمارة منطقة رشدي بما يشير إلى تعامله مع شخصيات روايته بمنطق الطفو والغوص ؛ حيثُ غيَّبَ سائر الشخصيات التي تسكنُ هذه العمارة – في هذا المُسمَّى – وأبرزَ أنطونيو في صورة المستحوذ على المكان ، وفي صورة عملاقة من خلال هذا الاستحواذ ، حيثُ توصف هذه العمارة دائما بأنها شاهقة ؛ بما يتعدى دلالة وصف المكان إلى دلالة رمزية أعمق ، هي وصف الوضعية الحضارية – والثقافية – المؤثرة – لأنطونيو باعتباره شخصية يونانية لم تقف حدود تأثيره في الشخصيات السكندرية – والمكان السكندري – عند عمله بائعًا للورق ( الدشت ) ، بل تعدّت إلى حدّ التأثير في مقومات – ومكونات – الذات والمكان السكندريين – ممَّا يبرزُ في اضطلاعه بالتكوين الثقافي – والعلمي – لجابر ، هذه الوضعية المؤثرة استوجبت وصف عمارته بالشاهقة – ووصف بنيته الجسدية بالعملقة والقوة - وهي هنا عمارة العقل ، وعمارة الفكر والحضارة ، لا عمارة البناية التي يسكنُها . وقد ظلّت هذه العمارة – بهذه الدلالة الرمزية –
مثارَ انبهار جابر ، ومثار رهبته وخوفه وإعجابه وحنقه ، ولعلنا نطالع هذه الدلالة في وصف جابر على لسان الراوي :
" يقفُ حائرًا وسط الشارع . العمارةُ الشاهقةُ أمامه ، بابُها الواسعُ يُخيفُه ، سيخرجُ منه الخواجة الآن بقامته المديدة ووجهه المبتسم ، وعصاه التي يشدّ بها ساقَه "
• وهكذا طرحَ الكاتبُ عمارة أنطونيو نموذجًا لسطوة للمكان ؛ فهي مكانٌ إشكالي لانتسابه إلى شخصية حملت الضدين : المنح ، والاستلاب ، وذلك من خلال وضعيتها الحضارية التي لقَّحت عقلية جابر ، واستلبت جسدَ أمّه ؛ فهذه العمارة – المكان الإشكالي – تمنح جابر مشاعر الزهو الثقافي وتمنحه المشاعر الانهزامية في آنٍ . وقد بدتْ هذه العمارة – بما تحمل من هذه الدلالات الرمزية - في مواجهة درامية مع جبل ناعسة فقد حاولت هذه العمارة إثارة العقل ، إلَّا أن الجبل انتصر على هذا العقل من خلال الغرائز . ولعلّ الكاتبَ قد قصد إلى إبراز هذه الدلالة من خلالِ طرح مشهد قتل أنطونيو بما يتضمن من مفارقة ، حيثُ قُتلَ وهو يطالعُ شخصية " راسكولنيكوف " - في رواية الجريمة والعقاب لديستويفيسكي – هذه الشخصية التي تبدو معادلًا فنيا لشخصية جابر من حيثُ اشتمالها على كثيرٍ من الأضداد المأساوية ، وعلى رأسها : البارانويا والشعور بالضعة . وفي مونولوج مهمّ يقول جابر لحارس عمارة رشدي:
" أودّ أن أعودَ طفلا أجلسُ بجوارك أنتظرُ أنطونيو الخواجة العملاق ، أنتظر أمي التي كانت تُنظّفُ له شقته "
• هل أستطيعُ أن أفترض أنَّ مصطفى نصر قد أدار صراعًا دراميا بين الأماكن التي هي حياةٌ وشخصياتٌ ومعانٍ وحضاراتٌ وتاريخٌ ؟ أفترضُ هذا ؛ فالمكانُ – كما يقول د. شاكر النابلسي في كتابه جماليات المكان في الرواية العربية " عندما ينتقلُ من مداره الواقعي الحياتي العادي إلى مداره الفني الروائي أو الشعري يمرُّ من خلال أنفاقٍ متعددة نفسيّة وأيديولوجية وفنية لكي يصلَ أخيرًا إلى المدار الفني التشكيلي "
فالصراع بين الأمكنة – في هذا الطرح – يرمزُ إلى الصراع بين أنماط الشخصيات حيثُ هناك ما يقربُ من التطابق بين الشخصية والفضاء الذي تشغلُه ، وحيثُ المكان – كما طرحه أوستن ورينيه ويليك في نظرية الأدب - عبارة عن " تعبيراتٍ مجازية عن الشخصية . " لم تكن عمارة رشدي هي المكان الوحيد الذي واجه الذوات الإنسانية بدلالاتٍ ضدية ، بل هكذا طُرحتْ عدةُ أماكن - في هذه الرواية – فقد مثّلت البقعة الصغيرةُ التي يجلسُ فيها صبحي أمام مقهى عبد الراضي مكانًا استلابيا ؛ حيثُ كانت تذكره بما قاله سكان الجبل عن علاقة صبحي بزوجته شوقية ، في الوقت الذي اختُصرَ فيه الجبلُ – بل واختصرت الإسكندرية والكونُ كله – في هذه البقعة في عين شوقية ، حيثُ اختزنت عشقها لصبحي و ذكريات جلسته قبالة شباكها ، وهو يحدق فيها ويسقي الأرض بكوب مائه . بل إنّ الإسكندرية كلها – لا الجبل وحده – طُرحت مكانًا إشكاليا – في هذه الرواية – فهي رمز الحياة لبعض الشخصيات – مثل جابر – وهي موضع الألم والوحدة والقهر لزوجته نبيلة ، حيثُ كانت الإسكندرية تسرقهُ منها ، وتذكِّرها – في الوقت ذاته – بماضيه المخزي ، وتذكِّرها بموت أبيها وأمها ، وسَفر أخيها " يسري " اعتراضا على زواجها – و - من ثم – وحدتها الموجعة . يقول الراوي : " تعذبها الإسكندريةُ بذكريات جبل ناعسة ووجه جابر الشارد دائما وبسامية التي تحتويه داخلها . "
• وهنا أعودُ إلى عنوان الرواية ، لأرددَ – مع كونغور - إنّ كلُّ عنوانٍ يُؤسسُ غوايةَ النّصّ " ، ثم أتساءلُ : ما دلالة هذا العنوان – جبل ناعسة - وفق هذا المتن الحكائي ، ووفق هذه العلاقات الإشكالية بين المكان والشخصيات ، وبين الشخصيات بعضها ببعض ؟ هل قصد الكاتب استحضار جبل ناعسة – المعروف في الإسكندرية – بفضائه الاجتماعي الذي تمخض عنه ؟ أم أراد استحضار الدلالة الرمزية الكامنة في شخصية هذه المرأة الأعرابية من حيثُ إقامتها منفردة في كوخها في حضن هذا الجبل ، بما نتج عنه انبثاق هذا الفضاء الاجتماعي بوضعيته المأساوية العجيبة ؟
أفترضُ أنّ طرح الكاتب – ومعالجته الفنية – في هذه الرواية يحتمل الفرضيتين معا ؛ فقد تمّ استحضار جبل ناعسة باعتباريته المكانية المعروفة ، كما استُحضر كعنوان يكتنزُ دلالة إشارية إلى الجموح الذي تنضوي عليه الذواتُ النِّسوية في هذه الرواية ، وعلى رأس هذه الذوات : أنصافُ التي أراها امتدادًا لناعسة الأعرابية ؛ فقد شابهتها في التمسك بالاستقلال في الحياة ، كما تشابهت المرأتان في أنّ كلًا منهما كانت ميلاد حدث مصيري ، فقد كان قدوم ناعسة إلى الجبل بداية قيام الحياة فيه ، أما أنصاف فقد كانت ميلاد الموت من خلال تفجّرها الشهوي . كذلك أرى شوقية امتدادًا لأنصاف ؛ ففي الوقت الذي بدتْ فيه أنصافُ تنحسرُ من أحداث الرواية - حيث اكتهلت وضعف بصرها وانصرف عنها الرجال - بدت شوقية في أوج عنفوانها وتأجج أشواقها الجسدية والعاطفية ، وقد أبرز الكاتبُ هذه الوضعية حين وصف جلستها متكئة على حافة شباكها تنظرُ إلى موضع جلسة صبحي . ولا بد أنّ اشير هنا إلى أنّ صبحي بدا وكأنه حلقة الحضور والغياب للجموح الغريزي – في هذه الرواية ؛ فهو ابنُ أنصاف وعشيق شوقية ، ومن ثم هو نهايةُ أنصاف – حيثُ كسرها الحزنُ عليه ، وهو بداية جموح شوقية ، حيثُ ألهبها الشوق غيرُ المشبع إليه . ورغم أنَّ نبيلة نموذجٌ نسويٌ – وإنسانيٌ – مغايرٌ – في هذه المعالجة - والمغايرة ثراءٌ لإيقاع الرواية الداخلي - فخصائصُ الشخصيات – كما يذهب بروب - هي " من العناصر المتغيرة في الحكايات " رغم هذه المغايرة ، فقد خضعت نبيلة لسطوة الجبل ممثَّلًا في زوجها جابر ،
• وهكذا مارس الجبلُ سطوته وعنفوانه على شخصيات هذه الرواية ، من خلال هيمنته على الأحداث وإدارة هذه الأحداث وكأنه حتمية ميتافيزيقية تتحكمُ في مصائر الذوات المسرودة - عبر إخضاعها لسلسلة من التحولات المأساوية - بحيثُ نكتشف – متلقين ونقادا – أن الشخصيات تنمو ولكنها تنمو في اتجاه الصفر ؛ فقد انتهى الأمر بهذه الشخصيات إلى الوهن وافتقاد مقومات الحياة ؛ فقد اكتهلت أنصاف وضعف بصرها ، كذلك انحسر جمال نبيلة وضعفت عيناها ، وازدادت سامية شعير ازدادت دمامة ووحدة ، وحُرمت شوقية من صبحي ، وأُصيب فسادة بالعماء ، وسُجن صبحي ، وازداد جابر دمامةً ، ومات الأسطى عباس ، و هاجر يسري خارج مصر .
• أمَّا مقتل أنطونيو فهو الحدثُ الأبرزُ – والأكثرُ أهمية - على تحولات الذات المسرودة ؛ فقد كان أنطونيو الكنز المنتهب : أنصاف تتزودُ من جسده وماله ، وابنها جابر يتزود من عقله ، وابنها صبحي يقتله ، ولعلَّ هذه الدلالة هي الدلالة التي أراد الكاتب أن يبرزها ، حين جعل أنطونيو يصيحُ عند مقتله : " آه يا أبناء جبل ناعسة " وكان من المتوقع أن يقول : آه يا أبناء أنصاف ، لكنّ الكاتب أراد أن يبرز سطوة الجبل وقدرته على اغتيال العمارة الحضارية - وقد أبرز الصراع بين هذين الكيانين من خلال كسر ساق أنطونيو على يد فتوة الجبل - ولعل رمزية هذا الصراع تتمرأى في هذا المونولوج الذي ساقه الكاتب على لسان أنطونيو ، يقول ص 47 : " أين أنت يا أبي ، لماذا تركتَ اليونان وجئتَ إلى مصر ؟ أكانت ستطاردني أنصافُ في اليونان أيضا إذا لم أحضر إلى هنا ؟ "
وهكذا اكتسب الصراعُ بين أنطونيو وشخصيات جبل ناعسة دلالة رمزية للصراع بين التحضر والفوضوية ، ثم اكتسب المزيد من الثراء والعمق بدلالته الرمزية على الصراع بين الحضارات .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...