محمد بشكار - 24 ساعة من الشعر!

نشربُ الماء يومياً أو نعُبُّه كرْعاً، ولكنّا قد نتوق للمُضي أسرع من خطى المجاذيف وهبوب الأشرعة، إلى البحر، لنروي ظمأ ليس إلا في خيالاتنا؛ وقد نشتري الورد من محلاّت الزهور بمناسبة أو دونها، ولكنّا نعشق السُّرى في بستان، لتغدو الطبيعة بكل ازهرارها وتفتُّق أكمامها، ملء حواسنا التي تفوق الخمسة؛ كذلك نكتب الشّعر في كل الأيام، بالمقهى أو المكتب أو حتى غرف النوم، نهاراً، ليلا، في ميْعة الشباب أو سنديانة الكهولة أو الشيخوخة التي ترتد بالعمر في غمرة انشغالها بلعبة الاستيهام، إلى فجر الطفولة، ولكنّا نبقى أحوج إلى أن نُركّز كل هذه الأزمنة الشعرية، أو نُعَتِّق نبيذها الصوفي، في جرعة أقوى لا تطير سكرتها؛ نحتاج إلى يوم واحد فقط، لنحتفل بكل هذه الأعمار التي تتمزقّها عقارب الساعات وتنثرها أدراج اليومي..!

أعرف بالإحالة إلى الرؤيا الضجرة لهولدرلين، أن الزمان طويل، ولكنني أوقن أيضا بالاستباقية التخييلية للشاعر «أندري بروتون»، أنه ليس ثمة ما يُقصّر هذا الزمان، أبلغ من جمالية الشّعر الذي يتجاوز كل القياسات الروزنامية للأيام والأشهر والسنوات، وهي تستهلك أعمارنا في عودها البدئي، ليغدو الزمن بالشعر نفسياً يكسو الوقت بأجنحة تجعله نشوة الإحساس بالجمال، يطير في لحظة إلى أبعد من الزمن الواقعي الذي يُحصي الأنفاس؛ لذا، نورق اليوم في هذا الربيع، بديوان التأمت قصائده عفْوَ الشّعْرِ، وكانت ستُنشر تباعاً، متفرقة، ودون مناسبة، على امتداد كل خميس من هذا الملحق، لكن يبدو أن الصُّدْفة تحوّلت إلى صَدفةٍ تنطوي على لؤلؤة إشراقية اسمها: «اليوم العالمي للشعر» (21 مارس)، ولأنه جاء مُزامنا لنهار صدور ملحقنا، آثرنا أن نفتحه ديواناً يكاد يمامه يلمس السماء، من فرط شغفنا وفرحنا بهذا اليوم الذي يرسّخُ بالشعر، لأعرق القيم الجمالية في تاريخ الإنسان؛ حقا الزمان طويل، ولكن نحتاج فقط، إلى أربع وعشرين ساعة، لنقول في عشر دقائق من عمر القصيدة، إننا هنا.. نحن الشعراء؛ فهل يسمع العالم؟

العلم الثقافي
25/3/2013
محمد بشكار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...