في مدينةٍ أعادت تعريف نفسها بعد أن انقسمت بجدارٍ إسمنتي، ودفعت ثمن تاريخها في حروبٍ عالمية، وحولت ذاكرتها الجماعية إلى متحف مفتوح للضمير الأوروبي، كانت الدورة السادسة والسبعون لمهرجان برلين السينمائي الدولي على موعد مع سؤال لم يكن تقنياً ولا تنظيمياً، بل سؤالاً يمسّ جوهر ما تفعله السينما في العالم:
ماذا عن الابادة في غزة؟
على منصة المؤتمر الصحافي الافتتاحي، جلس فيم فيندرز، مخرج "ملائكة السماء فوق برلين" و"باريس، تكساس"، أحد عظماء السينما الألمانية، رئيساً للجنة التحكيم الدولية. إلى جانبه أعضاء اللجنة: المنتجة البولندية إيوا بوشتشينسكا التي أنتجت فيلم "منطقة الاهتمام"، والممثلة الألمانية ماريا شرادر، وآخرون. الصحافي المستقل تيلو يونغ وقف يسأل سؤالاً بدا وكأنه يفتح باباً كان الجميع يتمنون إبقاءه موارباً: مهرجان ممول من الحكومة الألمانية، أظهر تضامناً واضحاً مع نساء إيران وأوكرانيا، فلماذا لا يفعل الأمر نفسه مع مجازر القتل لنساء وأطفال فلسطين، خصوصاً أن الحكومة الألمانية نفسها تدعم ما يحدث من ابادة في غزة؟
فندرز تنفس بعمق. ثم قال جملة ستطارد المهرجان طوال أيامه العشرة: يجب أن ننأى بأنفسنا عن السياسة. نحن لسنا سياسيين. نحن نقيض السياسة.
الجملة بدت في ظاهرها دفاعاً عن استقلالية الفن، عن مساحة نقية للسينما بعيداً عن ضجيج العالم. لكن من يعرف تاريخ فيندرز، وسينما "الأفلام الألمانية الجديدة" التي نشأ فيها، يدرك المفارقة المذهلة. فيندرز نفسه كتب في كتابه "منطق الصور" عام 1991 أن كل فيلم هو فيلم سياسي، وأن أكثر الأفلام سياسية هي تلك التي تتظاهر بأنها غير سياسية لأنها تنفي إمكانية التغيير. الآن، بعد خمسة وثلاثين عاماً، يقف الرجل على منصة برلين ليعلن العكس تماماً. هل تغير هو؟ أم أن العالم تغير إلى درجة أن الدفاع عن "نقاء الفن" أصبح هو الموقف السياسي بامتياز؟
إيوا بوشتشينسكا تدخلت: هناك العديد من الحروب والمذابح في العالم، لماذا نخص هذه بالتحديد؟ الرد بدا للبعض منطقياً، وللبعض الآخر هروباً إلى اللامكانية الأخلاقية. لكن الأسوأ كان ما حدث بعد دقائق: البث المباشر للمؤتمر الصحافي انقطع فجأة. إدارة المهرجان قالت إنه عطل فني. الجميع فهم أنها لحظة انقطاع قصدية : حين يصبح السؤال عن فلسطين ثقيلاً، ينقطع التيار.
الكاتبة الهندية أرونداتي روي، الحائزة على جائزة البوكر، لم تكن بحاجة إلى تأويل. كانت مدعوة لحضور عرض فيلمها القديم "العمل الذي تمنحه آني لأولئك الشباب" ضمن قسم كلاسيكيات برلين. كان يمكنها أن تأتي وتغادر بصمت. لكنها قرأت تصريح فيندرز. قرأت عن الانقطاع. في الرابع عشر من فبراير نشرت بيان انسحابها: لا يمكنني المشاركة في مهرجان يطلب من الفنانين أن يكونوا صامتين بينما تُرتكب إبادة جماعية أمام أعين العالم. الادعاء بأن الفن غير سياسي هو إسكات للنقاش.
انسحاب روي لم يكن فردياً. بعد أيام، أعلن "سيماتك – مركز الفيلم البديل" في القاهرة، بالتنسيق مع ورثة المخرجة عطيات الأبنودي والمخرج حسين شريف، انسحابهم من الدورة وإلغاء عرض النسخ المرممة لفيلمي "أغنية توحة الحزينة" و"انتزاع الكهرمان". القرار جاء استجابة لدعوة "مؤسسة الفيلم الفلسطيني" لمقاطعة المهرجان. رسالة واضحة: هناك من يرى أن الصمت في لحظة تاريخية كهذه ليس خياراً أخلاقياً مقبولاً، حتى لو كان الثمن هو الغياب عن منصة دولية لا تتاح كل يوم.
ثم، في السابع عشر من فبراير، نشرت مجلة "فارايتي" رسالة مفتوحة وقعها واحد وثمانون صانع سينما من الطراز الأول: تيلدا سوينتون، خافيير بارديم، آدم مكاي، مايك لي، نان غولدن، برايان كوكس، بيتر مولان، وغيرهم. الرسالة لم تكن لطيفة. نصت بوضوح على رفض فكرة أن الفن يمكن فصله عن السياسة، واتهمت المهرجان بفرض رقابة غير معلنة على الأصوات المؤيدة لفلسطين، وأشارت إلى أن فنانين تعرضوا لتوبيخ علني من إدارة المهرجان في دورات سابقة لمجرد تضامنهم مع غزة، وطالبت بموقف واضح يؤكد حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة وحرية التعبير. الرسالة وضعت إدارة المهرجان أمام اختبار حقيقي. لم تعد المسألة رأياً فردياً لفندرز، بل أزمة ثقة بين جزء كبير من الوسط السينمائي الدولي والمؤسسة نفسها.
مديرة المهرجان تريشيا توتل، التي تولت المسؤولية قبل أشهر فقط، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه. أصدرت بياناً في الرابع عشر من فبراير، ثم تحدثت لمجلة "الشاشة الدولية" في الثامن عشر. قالت إن المهرجان يعترف بعمق الغضب والإحباط تجاه معاناة الناس في غزة، لكنه ليس منصة سياسية. ثم أضافت جملة لافتة: ربما يدرك الناس الآن أن "مبدأ أمن إسرائيل كجزء من هوية الدولة الألمانية" – المبدأ الدستوري الألماني القائم على أمن إسرائيل – قد يمنعنا من إجراء محادثات مهمة حول الحكومة الحالية في إسرائيل. اعتراف مهم بأن المشكلة ليست في المهرجان فقط، بل في البنية السياسية الألمانية نفسها. مهرجان يتلقى ثلاثين إلى أربعين في المئة من تمويله من الحكومة الاتحادية وحكومة ولاية برلين يجد نفسه مقيداً بخطوط حمراء غير مرئية لكنها حقيقية.
وزير الدولة للثقافة فولفرام فايمر دافع عن المهرجان وعن فيندرز، وقال إن فيندرز يتعرض لضغوط من نشطاء فلسطينيين، وإنه وجد الكلمات المناسبة. الانقسام إذن ليس فقط بين فنانين ومؤسسة، بل داخل المؤسسة الألمانية نفسها: وزير يدافع، ومديرة تعترف ضمنياً بالإشكال.
في فندق أدلون، على هامش المهرجان، كانت مؤسسة "سينما من أجل السلام" تمنح جائزتها السنوية. الفائزة كانت المخرجة التونسية كوثر بن هنية عن فيلمها "صوت هند رجب" الذي يوثق قصة الطفلة الفلسطينية التي قُتلت في غزة. على المنصة، وقفت بن هنية. لم تكن سعيدة. قالت كلماتها بهدوء: السلام ليس عطراً يُرش على العنف. العدالة تعني المساءلة. ما حدث في غزة ليس استثناءً، إنه نمط. لا يمكنني قبول جائزة سلام بينما السلام الحقيقي بعيد. ثم تركت الجائزة على الطاولة ومشت. المشهد كان أقوى من أي بيان. لأنها لم تصرخ، لم تتهم، لم تلوّح بشعارات. فعلت ما تفعله الكاميرا الجيدة: وضعت الحقيقة في المنتصف، ثم انسحبت تاركة المشهد للجمهور ليكتمل في أذهانهم. الصحافة الدولية التقطت المشهد ووزعته. مرة أخرى، برلين تجد نفسها بين خطابين: خطاب المؤسسة الرسمي، وخطاب الفنانين الذين يرفضون الانحناء.
وسط كل هذا الضجيج، كانت قاعات العرض تمتلئ بأفلام. بعضها استثنائي، وبعضها متوسط، وبعضها فشل بطريقة مثيرة للاهتمام. في المسابقة الرسمية، عرض فيلم "ملكة عند البحر" للمخرج المجري كورنيل موندروتسو، فيلم عن امرأة تؤديها جوليت بينوش تواجه تدهور صحة والدتها المسنة، والنظام البيروقراطي البارد الذي يتعامل مع الإنسان كرقم. النقاد أجمعوا على أنه فيلم متكامل، وأن أداء توم كورتني الذي يبلغ من العمر ثمانية وثمانين عاماً يستحق التوقف عنده طويلاً. وفيلم "روز" للمخرج الألماني ماركوس روزنمولر، حيث تؤدي ساندرا هولر دور امرأة في القرن الثامن عشر تتنكر في هيئة رجل جريح كي تنجو. الفيلم أبيض وأسود، قاسٍ، يتحدث عن الهوية كقناع للبقاء. المفارقة أن فيلماً عن قناع تفرضه الظروف للنجاة يُعرض في مهرجان يرتدي قناع الحياد. وفيلم "نينا روزا" الكندي عن أمين متحف يعود إلى بلغاريا بعد ثمانية وعشرين عاماً لاكتشاف طفلة معجزة في الرسم، و"الرسائل الصفراء" التركي الألماني عن عائلة تنهار بعد طرد الأب من الجامعة لعدم الوطنية.
بانوراما شهدت افتتاحاً قوياً بفيلم "المتمردون وحدهم ينتصرون" للمخرجة اللبنانية دانيال عربيد وبطولة هيام عباس، فيلم يتحدث عن امرأة لبنانية في المنفى، وعن العلاقات المعقدة بين الرغبة والذاكرة والهوية. وفوروم قدم "يوم الغضب: حكايات من طرابلس" للمخرجة اللبنانية رنا رافعي. وفي قسم "المنظورات"، عُرض فيلم "وقائع من تحت الحصار" لعبدالله الخطيب، وثائقي عن الحياة تحت القصف، إلى جانب ندوة "التصوير تحت الحصار" مع الخطيب ورنا عيد وطلال خوري في برنامج موازٍ. فيلم إسرائيلي وحيد حضر، "إلى أين؟"
عن سائق فلسطيني وراكب إسرائيلي مثلي الجنس يتجولان في برلين، يحاول إنسنة الطرفين في إطار برليني بعيد عن النار. وفيلم جورجي قصير "خلف الباب" فاز بجائزة أفضل فيلم قصير، عن مهاجر جورجي في برلين تواجه حياته تحولاً غير متوقع. المفارقة أن ميشيل يوه، التي حصلت على الدب الذهبي الفخري لإنجاز العمر، رفضت التعليق على أي شيء سياسي، قالت إنها ليست في موقع يسمح لها بالحديث عن الوضع السياسي، وتريد التركيز على السينما.
في دورة اهتزت فيها المنصات برسائل تضامن أوروبية، كان لا بد من سؤال مؤلم: أين كان الصوت الفلسطيني؟ الأفلام الفلسطينية حضرت كما ذكرنا. أسماء عربية في لجان التحكيم، فلسطينيون في لجنة الاتحاد الدولي لنقاد السينما ومشاريع أخرى. ثمانية مواهب عربية في برنامج مواهب برلين. لكن في لحظة الجدل الكبرى، بدا الصوت الفلسطيني داخل القاعات أكثر حذراً من الخارج. ليس لأن الجرح أقل عمقاً، بل لأن الكلفة أعلى. كثير من السينمائيين الفلسطينيين يعملون ضمن شبكات تمويل أوروبية. بعضهم لديهم أفلام في مراحل تطوير، تنتظر لجان قراءة، أو صناديق دعم، أو عقوداً لم توقع بعد. الباب الذي يفتح لفيلم فلسطيني في أوروبا ليس باباً عادياً. هو نافذة ضيقة في جدار سميك. الفنان الأوروبي يستطيع أن يوقع رسالة احتجاج ويعود إلى نظام يحميه. أما الفلسطيني، فحتى كلمته تُحسب، وموقفه قد يكلفه فيلمه القادم. هذا ليس تبريراً للصمت. هو توصيف لبنية قوة غير متكافئة. وهنا المفارقة القاسية: صاحب الجرح هو الأكثر اضطراراً للصمت المحسوب. ليس لأن الضمير صامت، بل لأن المعركة طويلة، والخيارات محدودة، والبقاء في المشروع السينمائي نفسه يحتاج ذكاءً تكتيكياً لا يقل عن شجاعة الموقف العلني.
السينما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد ترف جمالي. كانت مؤسسة ذاكرة. من صور محاكمات نورمبرغ إلى إعلان حقوق الإنسان، ساهمت الشاشة في ترسيخ وعي عالمي بأن الإبادة والعنصرية والتمييز ليست أحداثاً عابرة، بل دروساً أخلاقية ملزمة. الهولوكوست الأوروبي لم يكتسب حقيقته لأنه لا يحتاج محاكمة، بل لأنه ثبت بمحاكمات نورمبرغ، ووثائق الدولة النازية، وآلاف الدراسات، وإجماع تاريخي طويل. أما ما يحدث في غزة، فهو يحدث الآن. والتوصيف القانوني النهائي يحتاج مساراً قضائياً، حتى لو كان الضمير الإنساني يرى المشهد واضحاً. الفرق ليس في قيمة الضحية. الفرق في مرحلة الحدث. لكن الازدواجية التي يتحدث عنها العالم ليست في التوصيف القانوني فقط، بل في ردود الفعل الأخلاقية. حين كانت أوكرانيا، تحركت المنظومة الثقافية الأوروبية بسرعة. حين كانت إيران، امتلأت الشاشات بالرسائل. أما حين تكون فلسطين، تتباطأ اللغة، وتُعلّق العدالة، ويُطلب من الفنان أن ينأى بنفسه عن السياسة.
المفكرتان الأساسيتان اللتان تحكمان المشهد الألماني تحديداً: الأولى "ستاتسرايزون"، المبدأ الدستوري القائل إن أمن إسرائيل هو جزء من هوية ألمانيا ذاتها، نتاج طبيعي لمسؤولية ما بعد الهولوكوست. هذا المبدأ يجعل أي نقد لإسرائيل، خاصة في المؤسسات الممولة حكومياً، محفوفاً بمخاطر كبيرة. الثانية تعريف "معاداة السامية" المعتمد على تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، الذي يعتبر بعض أشكال نقد إسرائيل، مثل اتهامها بالفصل العنصري أو المقارنة بالنظام النازي، معاداة للسامية. هذا يخلق تأثيراً تبريدياً حقيقياً على النقاش، حيث يمارس الفنانون رقابة ذاتية قبل أن تفرضها المؤسسة. الفيلسوفة الأمريكية سوزان نيمان وصفت هذا المناخ بأنه ماكارثية موالية لإسرائيل، حيث تُستخدم ذكرى الهولوكوست كمعيار استبعادي، وأي محاولة لتوسيع الذاكرة لتشمل مآسي أخرى كالمعاناة الفلسطينية تُقابل باتهامات بتخفيف الهولوكوست. تريشيا توتل، في تصريحها لمجلة "الشاشة الدولية"، اعترفت بهذا ضمنياً. قالت إن الناس قد يبدأون في إدراك أن "ستاتسرايزون" قد يكون عائقاً أمام محادثات مهمة. هذا اعتراف خطير من مديرة مهرجان كبير بأن البنية السياسية نفسها قد تكون سقفاً لحرية التعبير.
في المدينة نفسها، وخلال أيام المهرجان، كانت هناك فعاليات موازية أكثر صراحة. مهرجان "باليناله"، المهرجان المضاد، نظم عروضاً وفعاليات ركزت على الأصوات الفلسطينية والجنوب العالمي، خارج إطار المؤسسة الرسمية. في الشوارع، كُتبت كتابات على الجدران: فلسطين حرة، أوقفوا الإبادة. المشهد الثقافي الألماني منقسم على نفسه. ليست كتلة واحدة. هناك من يدافع عن الحياد المؤسسي، وهناك من يراه قناعاً، وهناك من ينشئ مساحات بديلة للتعبير عما لا تستوعبه المنصة الرسمية.
برلين 2026 لم تكن مجرد دورة مهرجان عادية. كانت مرآة للعالم المعاصر بكل تناقضاته. تعلّمنا أن المهرجانات ليست فضاءات محايدة. هي مؤسسات داخل بنى سياسية، تمولها دول، وتخضع لضغوط، وتتحرك ضمن خطوط حمراء واضحة. الحياد الذي تعلنه ليس براءة، بل موقف في سياق معين. تعلّمنا أن الفنان الأوروبي بات أكثر استعداداً للاشتباك العلني. واحد وثمانون اسماً يوقع على رسالة اتهام صريحة لم يكن ممكناً قبل سنوات. شيء تغير في الضمير الثقافي الغربي. تعلّمنا أن الفنان الفلسطيني يعمل ضمن شروط أكثر هشاشة. ليس لأنه أقل شجاعة، بل لأن معركته متعددة الجبهات: مع الاحتلال، ومع نظام التمويل الدولي، ومع البيروقراطية الثقافية، ومع الخوف على فيلمه القادم. وهذا يتطلب ذكاءً تكتيكياً لا يقل عن الشجاعة. تعلّمنا أن الذاكرة ليست جامدة. ذكرى الهولوكوست، التي شكلت الضمير الأوروبي بعد 1945، أصبحت اليوم أداة سياسية تُستخدم لتبرير سياسات معينة وإسكات أصوات معينة. المفارقة المأساوية أن شعار "لن يتكرر أبداً" يتعثر اليوم أمام واقع يتكرر على الهواء مباشرة. تعلّمنا أن السينما لا تستطيع الهروب من السياسة. فيندرز قال إنها نقيض السياسة. لكنه نسي أن السياسة هي التي تدفع ثمن تذاكر السينما، وتموّل الإنتاجات، وتحدد من يتكلم ومن يصمت. السياسة ليست خارج الكادر. هي الإطار نفسه. وأخيراً، تعلّمنا أن الصمت ليس غياباً للصوت، بل صوتاً بحد ذاته. حين تختار مؤسسة أن تكون محايدة في لحظة إبادة، فإنها تختار طرفاً. ليس بالضرورة عن قناعة، بل بالنتيجة. والنتيجة أن الدم الفلسطيني، الذي يُراق يومياً، لا يستحق كلمة من منصة تأسست لتكون صوتاً ضد الدم.
الآن، والمهرجان يوشك على الاختتام، سيقف شخص ما على منصة المسرح في قصر برليناله ليستلم الدب الذهبي. سيشكر الممثلين، والمخرج، والممولين. وقد يشكر العائلة. أو لا يشكر أحداً. لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في قاعة الاحتفال، وفي شوارع برلين الباردة، وفي أذهان كل من تابع هذه الدورة الاستثنائية، هو: هل يمكن لمؤسسة ثقافية، وُلدت من رحم رفض الفاشية، وترعرعت على ذكرى "لن يتكرر أبداً"، أن تطلب من الفنانين أن يصمتوا وهم يرون التاريخ يعيد نفسه أمام أعينهم؟
الشعب الفلسطيني يتعرض للابادة الممنهجه والعالم يشهد ذلك
أم أن الصمت نفسه في لحظة كهذه، هو الإجابة الأوضح؟
برلين 2026 ستُغلق أبوابها غداً. لكن السؤال الذي فتحته سيبقى مفتوحاً طويلاً. ليس لأن الإجابة صعبة. بل لأن الإجابة تعني أن نعترف بأن الضمير الأوروبي، الذي بنى نفسه على أنقاض معسكرات الموت، يقف اليوم على حافة اختبار وجودي: هل هو وفاء لذاكرة الماضي، أم أنه أصبح مجرد قناع لسياسة الحاضر؟
الملائكة التي حلقت فوق برلين في فيلم فيندرز القديم كانت تستمع إلى البشر. هذا العام، كان البشر يسألون الملائكة: هل تسمعوننا؟
الجواب لم يأتِ بعد.
لكن السينما، كما نعرفها، لن تعود كما كانت.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
21 فبراير 2026
ماذا عن الابادة في غزة؟
على منصة المؤتمر الصحافي الافتتاحي، جلس فيم فيندرز، مخرج "ملائكة السماء فوق برلين" و"باريس، تكساس"، أحد عظماء السينما الألمانية، رئيساً للجنة التحكيم الدولية. إلى جانبه أعضاء اللجنة: المنتجة البولندية إيوا بوشتشينسكا التي أنتجت فيلم "منطقة الاهتمام"، والممثلة الألمانية ماريا شرادر، وآخرون. الصحافي المستقل تيلو يونغ وقف يسأل سؤالاً بدا وكأنه يفتح باباً كان الجميع يتمنون إبقاءه موارباً: مهرجان ممول من الحكومة الألمانية، أظهر تضامناً واضحاً مع نساء إيران وأوكرانيا، فلماذا لا يفعل الأمر نفسه مع مجازر القتل لنساء وأطفال فلسطين، خصوصاً أن الحكومة الألمانية نفسها تدعم ما يحدث من ابادة في غزة؟
فندرز تنفس بعمق. ثم قال جملة ستطارد المهرجان طوال أيامه العشرة: يجب أن ننأى بأنفسنا عن السياسة. نحن لسنا سياسيين. نحن نقيض السياسة.
الجملة بدت في ظاهرها دفاعاً عن استقلالية الفن، عن مساحة نقية للسينما بعيداً عن ضجيج العالم. لكن من يعرف تاريخ فيندرز، وسينما "الأفلام الألمانية الجديدة" التي نشأ فيها، يدرك المفارقة المذهلة. فيندرز نفسه كتب في كتابه "منطق الصور" عام 1991 أن كل فيلم هو فيلم سياسي، وأن أكثر الأفلام سياسية هي تلك التي تتظاهر بأنها غير سياسية لأنها تنفي إمكانية التغيير. الآن، بعد خمسة وثلاثين عاماً، يقف الرجل على منصة برلين ليعلن العكس تماماً. هل تغير هو؟ أم أن العالم تغير إلى درجة أن الدفاع عن "نقاء الفن" أصبح هو الموقف السياسي بامتياز؟
إيوا بوشتشينسكا تدخلت: هناك العديد من الحروب والمذابح في العالم، لماذا نخص هذه بالتحديد؟ الرد بدا للبعض منطقياً، وللبعض الآخر هروباً إلى اللامكانية الأخلاقية. لكن الأسوأ كان ما حدث بعد دقائق: البث المباشر للمؤتمر الصحافي انقطع فجأة. إدارة المهرجان قالت إنه عطل فني. الجميع فهم أنها لحظة انقطاع قصدية : حين يصبح السؤال عن فلسطين ثقيلاً، ينقطع التيار.
الكاتبة الهندية أرونداتي روي، الحائزة على جائزة البوكر، لم تكن بحاجة إلى تأويل. كانت مدعوة لحضور عرض فيلمها القديم "العمل الذي تمنحه آني لأولئك الشباب" ضمن قسم كلاسيكيات برلين. كان يمكنها أن تأتي وتغادر بصمت. لكنها قرأت تصريح فيندرز. قرأت عن الانقطاع. في الرابع عشر من فبراير نشرت بيان انسحابها: لا يمكنني المشاركة في مهرجان يطلب من الفنانين أن يكونوا صامتين بينما تُرتكب إبادة جماعية أمام أعين العالم. الادعاء بأن الفن غير سياسي هو إسكات للنقاش.
انسحاب روي لم يكن فردياً. بعد أيام، أعلن "سيماتك – مركز الفيلم البديل" في القاهرة، بالتنسيق مع ورثة المخرجة عطيات الأبنودي والمخرج حسين شريف، انسحابهم من الدورة وإلغاء عرض النسخ المرممة لفيلمي "أغنية توحة الحزينة" و"انتزاع الكهرمان". القرار جاء استجابة لدعوة "مؤسسة الفيلم الفلسطيني" لمقاطعة المهرجان. رسالة واضحة: هناك من يرى أن الصمت في لحظة تاريخية كهذه ليس خياراً أخلاقياً مقبولاً، حتى لو كان الثمن هو الغياب عن منصة دولية لا تتاح كل يوم.
ثم، في السابع عشر من فبراير، نشرت مجلة "فارايتي" رسالة مفتوحة وقعها واحد وثمانون صانع سينما من الطراز الأول: تيلدا سوينتون، خافيير بارديم، آدم مكاي، مايك لي، نان غولدن، برايان كوكس، بيتر مولان، وغيرهم. الرسالة لم تكن لطيفة. نصت بوضوح على رفض فكرة أن الفن يمكن فصله عن السياسة، واتهمت المهرجان بفرض رقابة غير معلنة على الأصوات المؤيدة لفلسطين، وأشارت إلى أن فنانين تعرضوا لتوبيخ علني من إدارة المهرجان في دورات سابقة لمجرد تضامنهم مع غزة، وطالبت بموقف واضح يؤكد حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة وحرية التعبير. الرسالة وضعت إدارة المهرجان أمام اختبار حقيقي. لم تعد المسألة رأياً فردياً لفندرز، بل أزمة ثقة بين جزء كبير من الوسط السينمائي الدولي والمؤسسة نفسها.
مديرة المهرجان تريشيا توتل، التي تولت المسؤولية قبل أشهر فقط، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه. أصدرت بياناً في الرابع عشر من فبراير، ثم تحدثت لمجلة "الشاشة الدولية" في الثامن عشر. قالت إن المهرجان يعترف بعمق الغضب والإحباط تجاه معاناة الناس في غزة، لكنه ليس منصة سياسية. ثم أضافت جملة لافتة: ربما يدرك الناس الآن أن "مبدأ أمن إسرائيل كجزء من هوية الدولة الألمانية" – المبدأ الدستوري الألماني القائم على أمن إسرائيل – قد يمنعنا من إجراء محادثات مهمة حول الحكومة الحالية في إسرائيل. اعتراف مهم بأن المشكلة ليست في المهرجان فقط، بل في البنية السياسية الألمانية نفسها. مهرجان يتلقى ثلاثين إلى أربعين في المئة من تمويله من الحكومة الاتحادية وحكومة ولاية برلين يجد نفسه مقيداً بخطوط حمراء غير مرئية لكنها حقيقية.
وزير الدولة للثقافة فولفرام فايمر دافع عن المهرجان وعن فيندرز، وقال إن فيندرز يتعرض لضغوط من نشطاء فلسطينيين، وإنه وجد الكلمات المناسبة. الانقسام إذن ليس فقط بين فنانين ومؤسسة، بل داخل المؤسسة الألمانية نفسها: وزير يدافع، ومديرة تعترف ضمنياً بالإشكال.
في فندق أدلون، على هامش المهرجان، كانت مؤسسة "سينما من أجل السلام" تمنح جائزتها السنوية. الفائزة كانت المخرجة التونسية كوثر بن هنية عن فيلمها "صوت هند رجب" الذي يوثق قصة الطفلة الفلسطينية التي قُتلت في غزة. على المنصة، وقفت بن هنية. لم تكن سعيدة. قالت كلماتها بهدوء: السلام ليس عطراً يُرش على العنف. العدالة تعني المساءلة. ما حدث في غزة ليس استثناءً، إنه نمط. لا يمكنني قبول جائزة سلام بينما السلام الحقيقي بعيد. ثم تركت الجائزة على الطاولة ومشت. المشهد كان أقوى من أي بيان. لأنها لم تصرخ، لم تتهم، لم تلوّح بشعارات. فعلت ما تفعله الكاميرا الجيدة: وضعت الحقيقة في المنتصف، ثم انسحبت تاركة المشهد للجمهور ليكتمل في أذهانهم. الصحافة الدولية التقطت المشهد ووزعته. مرة أخرى، برلين تجد نفسها بين خطابين: خطاب المؤسسة الرسمي، وخطاب الفنانين الذين يرفضون الانحناء.
وسط كل هذا الضجيج، كانت قاعات العرض تمتلئ بأفلام. بعضها استثنائي، وبعضها متوسط، وبعضها فشل بطريقة مثيرة للاهتمام. في المسابقة الرسمية، عرض فيلم "ملكة عند البحر" للمخرج المجري كورنيل موندروتسو، فيلم عن امرأة تؤديها جوليت بينوش تواجه تدهور صحة والدتها المسنة، والنظام البيروقراطي البارد الذي يتعامل مع الإنسان كرقم. النقاد أجمعوا على أنه فيلم متكامل، وأن أداء توم كورتني الذي يبلغ من العمر ثمانية وثمانين عاماً يستحق التوقف عنده طويلاً. وفيلم "روز" للمخرج الألماني ماركوس روزنمولر، حيث تؤدي ساندرا هولر دور امرأة في القرن الثامن عشر تتنكر في هيئة رجل جريح كي تنجو. الفيلم أبيض وأسود، قاسٍ، يتحدث عن الهوية كقناع للبقاء. المفارقة أن فيلماً عن قناع تفرضه الظروف للنجاة يُعرض في مهرجان يرتدي قناع الحياد. وفيلم "نينا روزا" الكندي عن أمين متحف يعود إلى بلغاريا بعد ثمانية وعشرين عاماً لاكتشاف طفلة معجزة في الرسم، و"الرسائل الصفراء" التركي الألماني عن عائلة تنهار بعد طرد الأب من الجامعة لعدم الوطنية.
بانوراما شهدت افتتاحاً قوياً بفيلم "المتمردون وحدهم ينتصرون" للمخرجة اللبنانية دانيال عربيد وبطولة هيام عباس، فيلم يتحدث عن امرأة لبنانية في المنفى، وعن العلاقات المعقدة بين الرغبة والذاكرة والهوية. وفوروم قدم "يوم الغضب: حكايات من طرابلس" للمخرجة اللبنانية رنا رافعي. وفي قسم "المنظورات"، عُرض فيلم "وقائع من تحت الحصار" لعبدالله الخطيب، وثائقي عن الحياة تحت القصف، إلى جانب ندوة "التصوير تحت الحصار" مع الخطيب ورنا عيد وطلال خوري في برنامج موازٍ. فيلم إسرائيلي وحيد حضر، "إلى أين؟"
عن سائق فلسطيني وراكب إسرائيلي مثلي الجنس يتجولان في برلين، يحاول إنسنة الطرفين في إطار برليني بعيد عن النار. وفيلم جورجي قصير "خلف الباب" فاز بجائزة أفضل فيلم قصير، عن مهاجر جورجي في برلين تواجه حياته تحولاً غير متوقع. المفارقة أن ميشيل يوه، التي حصلت على الدب الذهبي الفخري لإنجاز العمر، رفضت التعليق على أي شيء سياسي، قالت إنها ليست في موقع يسمح لها بالحديث عن الوضع السياسي، وتريد التركيز على السينما.
في دورة اهتزت فيها المنصات برسائل تضامن أوروبية، كان لا بد من سؤال مؤلم: أين كان الصوت الفلسطيني؟ الأفلام الفلسطينية حضرت كما ذكرنا. أسماء عربية في لجان التحكيم، فلسطينيون في لجنة الاتحاد الدولي لنقاد السينما ومشاريع أخرى. ثمانية مواهب عربية في برنامج مواهب برلين. لكن في لحظة الجدل الكبرى، بدا الصوت الفلسطيني داخل القاعات أكثر حذراً من الخارج. ليس لأن الجرح أقل عمقاً، بل لأن الكلفة أعلى. كثير من السينمائيين الفلسطينيين يعملون ضمن شبكات تمويل أوروبية. بعضهم لديهم أفلام في مراحل تطوير، تنتظر لجان قراءة، أو صناديق دعم، أو عقوداً لم توقع بعد. الباب الذي يفتح لفيلم فلسطيني في أوروبا ليس باباً عادياً. هو نافذة ضيقة في جدار سميك. الفنان الأوروبي يستطيع أن يوقع رسالة احتجاج ويعود إلى نظام يحميه. أما الفلسطيني، فحتى كلمته تُحسب، وموقفه قد يكلفه فيلمه القادم. هذا ليس تبريراً للصمت. هو توصيف لبنية قوة غير متكافئة. وهنا المفارقة القاسية: صاحب الجرح هو الأكثر اضطراراً للصمت المحسوب. ليس لأن الضمير صامت، بل لأن المعركة طويلة، والخيارات محدودة، والبقاء في المشروع السينمائي نفسه يحتاج ذكاءً تكتيكياً لا يقل عن شجاعة الموقف العلني.
السينما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد ترف جمالي. كانت مؤسسة ذاكرة. من صور محاكمات نورمبرغ إلى إعلان حقوق الإنسان، ساهمت الشاشة في ترسيخ وعي عالمي بأن الإبادة والعنصرية والتمييز ليست أحداثاً عابرة، بل دروساً أخلاقية ملزمة. الهولوكوست الأوروبي لم يكتسب حقيقته لأنه لا يحتاج محاكمة، بل لأنه ثبت بمحاكمات نورمبرغ، ووثائق الدولة النازية، وآلاف الدراسات، وإجماع تاريخي طويل. أما ما يحدث في غزة، فهو يحدث الآن. والتوصيف القانوني النهائي يحتاج مساراً قضائياً، حتى لو كان الضمير الإنساني يرى المشهد واضحاً. الفرق ليس في قيمة الضحية. الفرق في مرحلة الحدث. لكن الازدواجية التي يتحدث عنها العالم ليست في التوصيف القانوني فقط، بل في ردود الفعل الأخلاقية. حين كانت أوكرانيا، تحركت المنظومة الثقافية الأوروبية بسرعة. حين كانت إيران، امتلأت الشاشات بالرسائل. أما حين تكون فلسطين، تتباطأ اللغة، وتُعلّق العدالة، ويُطلب من الفنان أن ينأى بنفسه عن السياسة.
المفكرتان الأساسيتان اللتان تحكمان المشهد الألماني تحديداً: الأولى "ستاتسرايزون"، المبدأ الدستوري القائل إن أمن إسرائيل هو جزء من هوية ألمانيا ذاتها، نتاج طبيعي لمسؤولية ما بعد الهولوكوست. هذا المبدأ يجعل أي نقد لإسرائيل، خاصة في المؤسسات الممولة حكومياً، محفوفاً بمخاطر كبيرة. الثانية تعريف "معاداة السامية" المعتمد على تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، الذي يعتبر بعض أشكال نقد إسرائيل، مثل اتهامها بالفصل العنصري أو المقارنة بالنظام النازي، معاداة للسامية. هذا يخلق تأثيراً تبريدياً حقيقياً على النقاش، حيث يمارس الفنانون رقابة ذاتية قبل أن تفرضها المؤسسة. الفيلسوفة الأمريكية سوزان نيمان وصفت هذا المناخ بأنه ماكارثية موالية لإسرائيل، حيث تُستخدم ذكرى الهولوكوست كمعيار استبعادي، وأي محاولة لتوسيع الذاكرة لتشمل مآسي أخرى كالمعاناة الفلسطينية تُقابل باتهامات بتخفيف الهولوكوست. تريشيا توتل، في تصريحها لمجلة "الشاشة الدولية"، اعترفت بهذا ضمنياً. قالت إن الناس قد يبدأون في إدراك أن "ستاتسرايزون" قد يكون عائقاً أمام محادثات مهمة. هذا اعتراف خطير من مديرة مهرجان كبير بأن البنية السياسية نفسها قد تكون سقفاً لحرية التعبير.
في المدينة نفسها، وخلال أيام المهرجان، كانت هناك فعاليات موازية أكثر صراحة. مهرجان "باليناله"، المهرجان المضاد، نظم عروضاً وفعاليات ركزت على الأصوات الفلسطينية والجنوب العالمي، خارج إطار المؤسسة الرسمية. في الشوارع، كُتبت كتابات على الجدران: فلسطين حرة، أوقفوا الإبادة. المشهد الثقافي الألماني منقسم على نفسه. ليست كتلة واحدة. هناك من يدافع عن الحياد المؤسسي، وهناك من يراه قناعاً، وهناك من ينشئ مساحات بديلة للتعبير عما لا تستوعبه المنصة الرسمية.
برلين 2026 لم تكن مجرد دورة مهرجان عادية. كانت مرآة للعالم المعاصر بكل تناقضاته. تعلّمنا أن المهرجانات ليست فضاءات محايدة. هي مؤسسات داخل بنى سياسية، تمولها دول، وتخضع لضغوط، وتتحرك ضمن خطوط حمراء واضحة. الحياد الذي تعلنه ليس براءة، بل موقف في سياق معين. تعلّمنا أن الفنان الأوروبي بات أكثر استعداداً للاشتباك العلني. واحد وثمانون اسماً يوقع على رسالة اتهام صريحة لم يكن ممكناً قبل سنوات. شيء تغير في الضمير الثقافي الغربي. تعلّمنا أن الفنان الفلسطيني يعمل ضمن شروط أكثر هشاشة. ليس لأنه أقل شجاعة، بل لأن معركته متعددة الجبهات: مع الاحتلال، ومع نظام التمويل الدولي، ومع البيروقراطية الثقافية، ومع الخوف على فيلمه القادم. وهذا يتطلب ذكاءً تكتيكياً لا يقل عن الشجاعة. تعلّمنا أن الذاكرة ليست جامدة. ذكرى الهولوكوست، التي شكلت الضمير الأوروبي بعد 1945، أصبحت اليوم أداة سياسية تُستخدم لتبرير سياسات معينة وإسكات أصوات معينة. المفارقة المأساوية أن شعار "لن يتكرر أبداً" يتعثر اليوم أمام واقع يتكرر على الهواء مباشرة. تعلّمنا أن السينما لا تستطيع الهروب من السياسة. فيندرز قال إنها نقيض السياسة. لكنه نسي أن السياسة هي التي تدفع ثمن تذاكر السينما، وتموّل الإنتاجات، وتحدد من يتكلم ومن يصمت. السياسة ليست خارج الكادر. هي الإطار نفسه. وأخيراً، تعلّمنا أن الصمت ليس غياباً للصوت، بل صوتاً بحد ذاته. حين تختار مؤسسة أن تكون محايدة في لحظة إبادة، فإنها تختار طرفاً. ليس بالضرورة عن قناعة، بل بالنتيجة. والنتيجة أن الدم الفلسطيني، الذي يُراق يومياً، لا يستحق كلمة من منصة تأسست لتكون صوتاً ضد الدم.
الآن، والمهرجان يوشك على الاختتام، سيقف شخص ما على منصة المسرح في قصر برليناله ليستلم الدب الذهبي. سيشكر الممثلين، والمخرج، والممولين. وقد يشكر العائلة. أو لا يشكر أحداً. لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في قاعة الاحتفال، وفي شوارع برلين الباردة، وفي أذهان كل من تابع هذه الدورة الاستثنائية، هو: هل يمكن لمؤسسة ثقافية، وُلدت من رحم رفض الفاشية، وترعرعت على ذكرى "لن يتكرر أبداً"، أن تطلب من الفنانين أن يصمتوا وهم يرون التاريخ يعيد نفسه أمام أعينهم؟
الشعب الفلسطيني يتعرض للابادة الممنهجه والعالم يشهد ذلك
أم أن الصمت نفسه في لحظة كهذه، هو الإجابة الأوضح؟
برلين 2026 ستُغلق أبوابها غداً. لكن السؤال الذي فتحته سيبقى مفتوحاً طويلاً. ليس لأن الإجابة صعبة. بل لأن الإجابة تعني أن نعترف بأن الضمير الأوروبي، الذي بنى نفسه على أنقاض معسكرات الموت، يقف اليوم على حافة اختبار وجودي: هل هو وفاء لذاكرة الماضي، أم أنه أصبح مجرد قناع لسياسة الحاضر؟
الملائكة التي حلقت فوق برلين في فيلم فيندرز القديم كانت تستمع إلى البشر. هذا العام، كان البشر يسألون الملائكة: هل تسمعوننا؟
الجواب لم يأتِ بعد.
لكن السينما، كما نعرفها، لن تعود كما كانت.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
21 فبراير 2026