حين تسبقنا يدٌ من بعيد، لا نحتاج أن نعرف اسمها.
لكننا هذه المرّة سنعرف.
في مدينة لا تعرف دويّ القصف، جلست امرأة أمام نافذة.
لا يدري أحد إن كانت تطلّ على بحر أو على شارع مزدحم، لا يدري أحد إن كانت تحتسي قهوتها أو تعدّل وشاحاً قبل النوم. لا يدري أحد حتى إن كان الوقت ليلاً أم نهاراً.
لكنها جلست، وقررت.
وفي الطرف الآخر من العالم، حيث السماء لا تغطّيها أسقف، وخيمة ترتجف تحت برد لم يعتد عليه أحد، سيجلس قريباً 12 ألف إنسان.
أمامهم خبز.
هذه المرأة التي جلست هناك، في إسطنبول أو إزمير أو أي مدينة تركية كانت، اسمها يلديز تيلبه.
هذا الاسم لا يعني شيئاً لخيمة في غزة. الخيمة لا تسأل عن أسماء. لا تسأل عن جنسيات. لا تسأل عن أرقام الشهرة ولا عن مبيعات الألبومات. الخيمة تسأل فقط: هل هناك يد ستأتي؟
وجاءت يد.
لكن من تكون يلديز تيلبه؟
هي امرأة عرفت الجوع قبل أن تعرف الشهرة.
في إزمير، قبل ستة عقود، كانت الطفلة السادسة بين ستة.
في بيت لا يكفي. في حيّ لا يسأل عن أحلام الأطفال.
تركت المدرسة بعد الصف الثاني. ليس لأنها لا تحب الدراسة، بل لأن الحياة كانت تسألها أسئلة أخرى: كيف تأكل؟
كيف تدفع البرد؟
وفي الليل، حيث تضاء الأنوار الخافتة في حانات المدينة، كانت تغني.
لا أحد يعرفها. لا أحد يصفق لها. كانت تغني لأن الصوت وحده كان ما تبقى لها.
ثم جاءتها الشهرة. مثلما يأتي الضوء فجأة على وجه لم يعتد سوى الظل.
ثم جاءها المرض. سرطان الرحم،
في المستشفى، بين جدران بيضاء وصامتة، قالت لاحقاً:
"كانت لدي قصة حب كبيرة في تلك الفترة. كنت مغرمة جداً.
عندما يتألم الإنسان، قد يكون هناك خلل في جسده.
بعد أن انتهى مرضي، نسيته تماماً. الآن أعلم أن لا شيء يستحق أن نيأس من أجله".
هذا هو السر. من عرف الألم لا ينسى أن هناك من يتألم. من عرف البرد لا ينسى أن هناك من يرتجف. من عرف الجوع لا ينسى أن هناك من يبحث عن لقمة.
وفي غزة، لا تُعدّ الأيام بالتقويم.
تُعدّ بالأصوات.
صوت طائرة لا يعرف أحد متى تترك صمتها.
صوت انهيار لا يعرف أحد من تحته.
صوت أم تنادي طفلاً لا يعود.
وعلى بعد مئات الأميال، في عالم آخر، تُعدّ الأيام بمواسم الفن. مهرجانات. إطلاق ألبومات. مسلسلات رمضان.
سجاد أحمر يلمع تحت عدسات الكاميرات.
لا تناقض في ذلك. الفن له بهجته، والضوء له مكانه، والحياة تستحق أن تحتفى بها.
لكن يلديز تيلبه، في لحظة ما، نظرت من نافذتها هناك، ورأت الظل الكثيف هنا.
لم تصدر بياناً. لم توجّه خطاباً. لم تقف على مسرح لتعلن موقفاً.
مدّت يدها.
13 مليون ليرة تركية، قبل رمضان، لتنصب خياماً.
والآن، 12 ألف إنسان يفطرون كل يوم، لأن يداً امتدت من بعيد.
ليست هذه قصة تبرع.
وليست قصة فنانة قررت أن تكون محسنة.
هذه قصة امرأة سألت نفسها سؤالاً واحداً: ماذا يعني أن أكون هنا، بينما هناك من لا يجد سقفاً؟
وهي تعرف معنى السقف.
تعرف معنى الجوع.
تعرف معنى المرض.
تعرف معنى أن تقف وحدك في مواجهة العالم.
هذا هو الفرق. ليس في الموهبة.
ليس في الشهرة. ليس في الأرقام.
في الذاكرة فقط.
في أن تبقى الذاكرة حيّة، لا تخدّرها الأضواء.
لا أحد يطلب من الفنانين أن يصبحوا أبطالاً.
لا أحد يطلب منهم خطابات مشحونة، ولا بيانات غاضبة، ولا ظهوراً إعلامياً مؤثراً.
غزة لا تطلب من أحد شيئاً.
هي فقط هناك، تحت السماء المفتوحة، تنتظر.
تنتظر طفلاً يأكل.
تنتظر أسرة تنام تحت قماش يحميها.
تنتظر عجوزاً يشعر أن اسمه لم يُمحَ من ذاكرة العالم.
وهذه المرأة، يلديز تيلبه، فعلت شيئاً من هذا.
حين تتحرّك يد من بعيد، لا يكون السؤال: لماذا هي؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا يبدو هذا الفعل استثناءً؟
لدينا المال. لدينا التأثير. لدينا القدرة على أن نجعل قضية تتصدر المشهد في دقائق.
لكن غزة ما زالت تنتظر.
ليس هذا غضباً. ولا مقارنة. ولا محاكمة.
لكن حين تمتد يد من هناك، وتصل إلى هنا، يصبح السؤال مشروعاً: كم يداً تستطيع أن تمتد؟ وكم يداً تختار ألا تفعل؟
الفن، في جوهره، انحياز للإنسان.
لا نعرف إن كانت يلديز تيلبه تقرأ هذه الكلمات. لا نظن ذلك. هي لا تفعل ما تفعله لتُكتب عنها مقالات.
لكننا نحتاج أن نكتب.
لا لنشكرها وحدها، بل لنذكر أنفسنا: الفعل ممكن.
ممكن أن تتحول الشهرة إلى أثر.
ممكن أن يتحول اسم معروف إلى جسر.
ممكن أن تتحول صورة على شاشة إلى خيمة على أرض.
وفي رمضان هذا، بينما تمتد الموائد في كل مكان، هناك مائدة في غزة، يقف خلفها اسم لا يعرفه أهل غزة، لكن أيديهم تلمس أثره كل يوم.
هذا هو المعنى الوحيد الذي يبقى.
ويبقى السؤال معلقاً في الهواء:
بين مسرح مضاء، وخيمة ترتجف تحت سماء مفتوحة...
هل يمكن للفن أن يمد يده... قبل أن يصبح الصمت عادة؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
لكننا هذه المرّة سنعرف.
في مدينة لا تعرف دويّ القصف، جلست امرأة أمام نافذة.
لا يدري أحد إن كانت تطلّ على بحر أو على شارع مزدحم، لا يدري أحد إن كانت تحتسي قهوتها أو تعدّل وشاحاً قبل النوم. لا يدري أحد حتى إن كان الوقت ليلاً أم نهاراً.
لكنها جلست، وقررت.
وفي الطرف الآخر من العالم، حيث السماء لا تغطّيها أسقف، وخيمة ترتجف تحت برد لم يعتد عليه أحد، سيجلس قريباً 12 ألف إنسان.
أمامهم خبز.
هذه المرأة التي جلست هناك، في إسطنبول أو إزمير أو أي مدينة تركية كانت، اسمها يلديز تيلبه.
هذا الاسم لا يعني شيئاً لخيمة في غزة. الخيمة لا تسأل عن أسماء. لا تسأل عن جنسيات. لا تسأل عن أرقام الشهرة ولا عن مبيعات الألبومات. الخيمة تسأل فقط: هل هناك يد ستأتي؟
وجاءت يد.
لكن من تكون يلديز تيلبه؟
هي امرأة عرفت الجوع قبل أن تعرف الشهرة.
في إزمير، قبل ستة عقود، كانت الطفلة السادسة بين ستة.
في بيت لا يكفي. في حيّ لا يسأل عن أحلام الأطفال.
تركت المدرسة بعد الصف الثاني. ليس لأنها لا تحب الدراسة، بل لأن الحياة كانت تسألها أسئلة أخرى: كيف تأكل؟
كيف تدفع البرد؟
وفي الليل، حيث تضاء الأنوار الخافتة في حانات المدينة، كانت تغني.
لا أحد يعرفها. لا أحد يصفق لها. كانت تغني لأن الصوت وحده كان ما تبقى لها.
ثم جاءتها الشهرة. مثلما يأتي الضوء فجأة على وجه لم يعتد سوى الظل.
ثم جاءها المرض. سرطان الرحم،
في المستشفى، بين جدران بيضاء وصامتة، قالت لاحقاً:
"كانت لدي قصة حب كبيرة في تلك الفترة. كنت مغرمة جداً.
عندما يتألم الإنسان، قد يكون هناك خلل في جسده.
بعد أن انتهى مرضي، نسيته تماماً. الآن أعلم أن لا شيء يستحق أن نيأس من أجله".
هذا هو السر. من عرف الألم لا ينسى أن هناك من يتألم. من عرف البرد لا ينسى أن هناك من يرتجف. من عرف الجوع لا ينسى أن هناك من يبحث عن لقمة.
وفي غزة، لا تُعدّ الأيام بالتقويم.
تُعدّ بالأصوات.
صوت طائرة لا يعرف أحد متى تترك صمتها.
صوت انهيار لا يعرف أحد من تحته.
صوت أم تنادي طفلاً لا يعود.
وعلى بعد مئات الأميال، في عالم آخر، تُعدّ الأيام بمواسم الفن. مهرجانات. إطلاق ألبومات. مسلسلات رمضان.
سجاد أحمر يلمع تحت عدسات الكاميرات.
لا تناقض في ذلك. الفن له بهجته، والضوء له مكانه، والحياة تستحق أن تحتفى بها.
لكن يلديز تيلبه، في لحظة ما، نظرت من نافذتها هناك، ورأت الظل الكثيف هنا.
لم تصدر بياناً. لم توجّه خطاباً. لم تقف على مسرح لتعلن موقفاً.
مدّت يدها.
13 مليون ليرة تركية، قبل رمضان، لتنصب خياماً.
والآن، 12 ألف إنسان يفطرون كل يوم، لأن يداً امتدت من بعيد.
ليست هذه قصة تبرع.
وليست قصة فنانة قررت أن تكون محسنة.
هذه قصة امرأة سألت نفسها سؤالاً واحداً: ماذا يعني أن أكون هنا، بينما هناك من لا يجد سقفاً؟
وهي تعرف معنى السقف.
تعرف معنى الجوع.
تعرف معنى المرض.
تعرف معنى أن تقف وحدك في مواجهة العالم.
هذا هو الفرق. ليس في الموهبة.
ليس في الشهرة. ليس في الأرقام.
في الذاكرة فقط.
في أن تبقى الذاكرة حيّة، لا تخدّرها الأضواء.
لا أحد يطلب من الفنانين أن يصبحوا أبطالاً.
لا أحد يطلب منهم خطابات مشحونة، ولا بيانات غاضبة، ولا ظهوراً إعلامياً مؤثراً.
غزة لا تطلب من أحد شيئاً.
هي فقط هناك، تحت السماء المفتوحة، تنتظر.
تنتظر طفلاً يأكل.
تنتظر أسرة تنام تحت قماش يحميها.
تنتظر عجوزاً يشعر أن اسمه لم يُمحَ من ذاكرة العالم.
وهذه المرأة، يلديز تيلبه، فعلت شيئاً من هذا.
حين تتحرّك يد من بعيد، لا يكون السؤال: لماذا هي؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا يبدو هذا الفعل استثناءً؟
لدينا المال. لدينا التأثير. لدينا القدرة على أن نجعل قضية تتصدر المشهد في دقائق.
لكن غزة ما زالت تنتظر.
ليس هذا غضباً. ولا مقارنة. ولا محاكمة.
لكن حين تمتد يد من هناك، وتصل إلى هنا، يصبح السؤال مشروعاً: كم يداً تستطيع أن تمتد؟ وكم يداً تختار ألا تفعل؟
الفن، في جوهره، انحياز للإنسان.
لا نعرف إن كانت يلديز تيلبه تقرأ هذه الكلمات. لا نظن ذلك. هي لا تفعل ما تفعله لتُكتب عنها مقالات.
لكننا نحتاج أن نكتب.
لا لنشكرها وحدها، بل لنذكر أنفسنا: الفعل ممكن.
ممكن أن تتحول الشهرة إلى أثر.
ممكن أن يتحول اسم معروف إلى جسر.
ممكن أن تتحول صورة على شاشة إلى خيمة على أرض.
وفي رمضان هذا، بينما تمتد الموائد في كل مكان، هناك مائدة في غزة، يقف خلفها اسم لا يعرفه أهل غزة، لكن أيديهم تلمس أثره كل يوم.
هذا هو المعنى الوحيد الذي يبقى.
ويبقى السؤال معلقاً في الهواء:
بين مسرح مضاء، وخيمة ترتجف تحت سماء مفتوحة...
هل يمكن للفن أن يمد يده... قبل أن يصبح الصمت عادة؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي