عبدالواسع طه محمد السقاف - الشعر الإسلامي: تحوّل الرؤية والوظيفة من العصبية إلى الرسالة

لم يكن ظهور الإسلام حدثًا دينيًّا معزولًا عن البنية الثقافية للعرب، بل كان انقلابًا شاملًا في منظومة القيم والتصوّر الجمالي واللغوي. ومن هنا جاء الشعر الإسلامي بوصفه ظاهرةً فنيةً تعبّر عن هذا التحوّل؛ إذ لم ينشأ من فراغ، ولم يقطع صلته بالتراث الجاهلي قطعًا تامًّا، بل ورث أدواته الفنية، وأعاد توجيه روحه وغاياته.

فالشعر — الذي كان في الجاهلية ديوان العرب ولسان قبائلهم — وجد نفسه بعد الإسلام أمام وظيفةٍ أوسع، وهي أن يكون لسان الدعوة، ووسيلة الدفاع، وأداة بناء الوعي الجديد.

مع بزوغ الإسلام، تأثرت اللغة الشعرية تأثرًا بالغًا بالقرآن الكريم، من حيث الصورة والمعنى وصفاء العبارة، وقوة الإيقاع، وعمق الموضوع. ولم يُلغِ الإسلام الشعر كما يتوهم البعض، بل هذّبه ووجّهه، ويكفي في ذلك ما نُسب إلى النبي ﷺ من استحسانه بعض الشعر، وقوله: «إن من الشعر لحكمة».

ومن هنا برز شعراء سخّروا موهبتهم لخدمة الرسالة، في مقدمتهم شاعر الرسول الصحابي الجليل حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير، فضلًا عن عدد من الشعراء المخضرمين الذين شهد شعرهم تحوّلًا واضحًا قبل الإسلام وبعده، ومنهم الخنساء.

#الفخر — من الدم إلى المبدأ:
يُعدّ الفخر من أكثر الأغراض التي تكشف الفارق الجوهري بين المرحلتين. ففي الجاهلية، يقوم الفخر على العصبية القبلية، كما في قول عمرو بن كلثوم:
إذا بلغَ الفِطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ لهُ الجبابرُ ساجدينا

فالنبرة هنا نبرةُ سطوةٍ جماعية، تُؤسَّس على الدم والنسب، وتُغذّي منطق الهيمنة.
أما في الشعر الإسلامي، فيتحوّل الفخر إلى فخرٍ بالعقيدة، كما عند حسان بن ثابت:
لنا في كلِّ يومٍ من معدٍّ
سبابٌ أو قتالٌ أو هجاءُ
فنحكمُ بالقوافي من هجانا
ونضربُ حين تختلطُ الدماءُ
فالفخر هنا لم يعد تباهيًا فارغًا، بل اقترن بالدفاع عن الرسالة، وصار الانتماء للدين يتقدّم على الانتماء للقبيلة.

#الرثاء — من لوعة الفقد إلى سكينة الإيمان:
قبل الإسلام، كان الرثاء تفجّعًا إنسانيًّا مفتوحًا على اليأس، كما نرى عند الخنساء في رثاء أخيها:
أعينِيَّ جودا ولا تجمدا
ألا تبكيانِ لصخرِ الندى
البكاء هنا بكاء دنيويّ صرف، يائس من التعويض.

لكنّ الشاعرة نفسها، بعد أن أسلمت واستُشهد أبناؤها، قالت بروحٍ مغايرة: الحمدُ للهِ إذ شرّفني بقتلِهمُ وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة.
لقد انتقل الرثاء من الحزن المنكسر إلى الرضا المحتسب؛ فالموت لم يعد فاجعةً مطلقة، بل بوابةَ خلود.

#الحماسة — من بطولة الفرد إلى عقيدة الجهاد:
البطولة الجاهلية بطولة فردية، كما يصوّرها عنترة بن شداد:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فيمتزج القتال بالغزل، وتُستحضر الحبيبة في ساحة الحرب، في دلالةٍ على فردية الدافع.

بينما نقرأ عند عبد الله بن رواحة صوتًا آخر:
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي
هذا حمامُ الموتِ قد صُليتِ
الخطاب موجَّه للنفس، والدافع أخروي، والبطولة تضحية واعية لا استعراض شجاعة.

#الهجاء — من الإيذاء الشخصي إلى الذبّ العقدي:
في الجاهلية بلغ الهجاء حدّ القسوة، كما عند الحطيئة:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها
واقعدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي
هجاءٌ شخصيّ يهدف إلى الإذلال.

لكن الهجاء الإسلامي — كما عند حسان — اكتسب مشروعيته من الدفاع عن النبي:
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنهُ
وعندَ اللهِ في ذاك الجزاءُ
فلم يعد الهجاء غرضًا عدوانيًّا، بل أداة حماية رمزية.

سمات الشعر الإسلامي فنيًّا ودلاليًّا:
ويمكن إجمال سمات الشعر الإسلامي في صدق العاطفة لارتباطها بالعقيدة، وبالتزام أخلاقي واضح، وبحضور الوعظ والزهد، وشيوع ألفاظ قرآنية الدلالة، وتغليب المعنى على الزخرف، وتوجيه الشعر نحو الوظيفة الاجتماعية.

وكان أثره في تغيير نظرة العرب للشعر كبيرا حيث أعاد الشعر الإسلامي تعريف الشاعر ووظيفته، فلم يعد شاعر قبيلة بل شاعر أمة، ولم تعد القصيدة سجلّ مفاخر بل منبر دعوة، وتحوّل التلقي من طربٍ لغوي إلى تفاعل قيمي.
بل لقد انتقل الشعر من الاحتفاء بالحياة إلى تفسيرها، ومن تمجيد القوة إلى تمجيد المعنى بوصفه قيمةً لا زخرفًا.

الخاتمة:
نستطيع القول إن الشعر الإسلامي لم يُحدث ثورة شكلية في بنية القصيدة بقدر ما أحدث ثورةً في مرجعيتها. فقد ظلّ الوزن هو الوزن، واللغة هي اللغة، لكن الروح تبدّلت، روحٌ خرجت من خيمة القبيلة إلى أفق العقيدة، ومن ذاكرة الثأر إلى ضمير الأخلاق.

ومن هنا استحقّ الشعر الإسلامي أن يُقرأ لا بوصفه امتدادًا زمنيًّا فحسب، بل بوصفه تحوّلًا حضاريًّا أعاد تعريف وظيفة الجمال في الثقافة العربية.

#الصورة لكتاب مرجعي مفيد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...