محمد بشكار - رفقاً بلغة «عِيْشَوَيْهْ»..!

كان أحرى بالمُذَكِّرَة المدمرة التي رفعها وهي مكسورة، السيد عيوش لوزارة التربية الوطنية، حاثّاًَ من خلال ديباجتها العقيمة، على التعليم باللغة الدارجة أو العامية، أن تختصر مسافة ذهاب التلاميذ والطلاب إلى المدرسة والجامعة، وتوصي بتأثيث شوارع مدننا بالكراسي والطاولات ذات القمطرات، لممارسة التدريس في الأسواق والحَمّامات وطوابير الحافلات، حيث يكمن المرتع الخصب للغة العامية، دونما حاجة لزجِّها في قوالب مدرسية، قد تشُد سروالها الطائح، بحزام قواعد النحو اللغوية ولو كره سيبويه، فتفقد حريتها السائبة التي لا ينطقها الكثير من المتسكعين إلا خادشة للحياء..!

يبدو أن عيوش أسدل الرموش، وفقد بهذه المذكرة المُدمِّرة جادّة الصواب، وليته تساءل ما الحاجة أصلا إلى المدرسة إذا لم تشتغل على الرُّقي بذائقة أجيالنا الألسنية من درجة الإسفاف اليومي؛ ولو أصخنا السمع إلى اللغة الدّارجة التي تنشأ أو تنبثق يوميا من القعر السفلي لخابية المجتمع، لآثرنا أن نُصاب بالصمم على أن نسمع زعيقا دون معنى؛ وهو لعمري، ليس سوى مزيج من اللغو الفايسبوكي أو الفايسبوقي الذي يعتمد عَرَنْسِيَّة ركيكة، لا يستطيع نشازها الثاقب للآذان أن يَصِلَ كَلِمَةً بكَلِمَةٍ، فبالأحرى أن يُرَكِّب جملة لا تُفيدُ ولا تُبيدُ، وإذا لم تدرك من الكلمات معنى، فقد فاتك الفيلم الذي لا ينتهي للأسف، بكلمة (يُتبع)...!

تُرى أي دَارِجة إذا تصلح لغة للتعليم في المدارس والكليات، والمجتمع تتوزعه طبقات معجمية لاهجة بدَارِجات تختلف في معانيها المبتكرة حسب السياقات (...) بين التي تتحدثها الفئة المسحوقة التي تُشكل التراب الأعم الذي يملأ أفواه مجتمعنا المغربي، وتتخذ مما يستجد في هامشها المعيش من أحداث اجتماعية وسياسية أو كدحية، منبعاً لتطور معجمها من حيث الألفاظ وأسلوب تركيبها أو نطقها المشوب بالسخرية السوداء، حتى ليعسر أن يفهمها من لا ينتمي للقبيلة...!

ولأنّا فقدنا في المجتمع المغربي واسطة العِقْدِ، وأعني الطبقة المتوسطة التي ذابت واضمحلت وئيداً في المسحوقة، فالمحتوم أن تنبري لغة البورجوازية التي لا ترطن إلا بِعَرَنْسِيَّة قد يمتد منقارها الرشيق خفيفا، لينقب بعض الكلمات بالإنجليزية، لينطبق على هذا التغريد الخلاسي، مَثَلُ الغراب الذي ضيَّع بدافع التقليد، مشيته الأصلية، فصار يرقص حَجَلاً؛ فأي الدَّارجات التي يتشظى بمعانيها المعجمية الأغرب من خيال، مجتمعنا المغربي الثري بلهجاته المنذورة دائما للابتكار والإبداع، تصلح لغة عامية للتعليم؟؛ أم تُرانا لم نفهم المغزى من هذه التقليعة اللغوية لرجل المُذَكِّرة المُدَمِّرة، الذي يكاد من فرط حداثة نظريته الحسيرة النظر، يبز ويفحم سيبويه، ويصبح ولو بقطع دابر الألسنة، هو «عَيْشَوَيْهْ» زماننا؛ ربما يقصد التعليم بلغة الملحون، حينها لا نملك إلا أن نصفق له بالطَّر والبندير، مع شيء من عزف الرباب حتى لا تسقط له الماية...!

4/12/2013
محمد بشكار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...