د. أحمد الحطاب - اغتصاب العقول

الاغتصاب لغويا يعني أخذ الشيء أو الحصول عليه بالإكراه أو بالقهر والقوة. مثلاً، عندما نقول إن فلاناً "اغتصب مالَ الناس"، فهذا يعني أن هذا الفلان أخذ أو حصل على مالٍ من عند الآخرين، لكن مستعملاً الإكراهَ أو القوة أو القهر أو الحيلة أو الإغراء أو الكذب… في هذه الحالة، فإن أخذَ المال تمَّ غصباً عن إرادة الشخص المُغتصَب. حينها، نقول "الفلانُ أخذ المالَ عَنوةً"، أي مُستَعمِلا القوةَ. ثم ماذا أعني بإغتصاب العقول؟

أعني به منع هذه العقول عنوةً، أي عن سابق معرفةٍ، من الاشتغال، أو إن شئنا، منعُها من النشاط الفكري أو من االتَّفكير، وخصوصا، الجانب النَّقدي من هذا التفكير. وبصفة عامة، منعها من مواجهة الفكر بالفكر، أو الحُجة بالحُجة أو الرأي بالرأي. ثم لماذا قلتُ "اغتصاب" وليس كلمة أخرى ك"تجميد" و"إبطال"...؟

لأن الاغتصابَ يقوم به شخصٌ مُغتَصِبٌ وضحية الاغتصاب يقال إنه مُغتَصَبٌ. والاغتصاب قد يتِخلَّله نوعٌ من التَّعنيف المادي أو اللفظي، وفي جميع الحالات، يكون إرادياًً، أي أن الشخصَ المُغتصِبَ يعرف، حقَّ المعرفة، أنه يقوم أو سيقوم باغتِصاب، أي فكَّر فيه مُسبقاً وخطَّط له بطريقة أو أخرى.

وهذا يعني أنه، عندما نتحدَّث عن "اغتصاب العقول"، فإن الأمرَ يتعلَّق بنشاط فكري إرادي une activité intellectuelle volontaire، أي سبقه تفكيرٌ له أهداف. والهدف الأساسي هو "منعٌ إرادي" un empêchement volontaire للعقول من النشاط الفكري، الغرض منه، في آخِرِ المطاف، هو السيطرة على هذه العقول لتبقى جامدة. وهذا شيءٌ (اغتصاب العقول) معمولٌ به في حياة الناس اليومية، وهذا الامرُ يقودنا إلى الحديث عن الأفراد أو الجماعات البشرية التي تمارس "اغتصابَ العقول".

في هذه المقالة، سأكتفي بالحديث عن الجماعات البشرية التي تستعمل السياسةَ أو الدين كمَطيتين comme des tremplins لممارسة "اغتصاب العقول" ولتحقيق أهداف دنيئة وغير أخلاقية. وهذا النوع من الجماعات البشرية، موجود في جميع المجتمعات وينقسم إلى قسمين لا ثالثَ لهما، وهما السياسيون الانتهازيون وشريحةٌ عريضة من علماء وققهاء الدين.

الأولون، أي السياسيون الانتهازيون، يُتقنون لغةً الإغراء والكلام المعسول، والثانيون لغتُهم كلُّها تخويفٌ وترهيبٌ وترعيبٌ. الأولون لا يعطون أية قيمة للمواطنين ولا لأصواتهم، بينما الثانيون لا يعترِفون بالمواطنة، أي بالنسبة لهم، المواطنة تذوب في الدين، وبالتالي، المواطن ليس إلا عقلا يريدونه جامدا ليقبلَ كلَّ ما يُملى عليه من أمورٍ دينية. الأولون لهم أهداف كلُّها لا أخلاقية. أما الثانيون، فهدفُهم الرئيسي، هو السيطرة على العقول لتبقى جامدة. الأولون يجعلون الناسَ (المواطنين) يتخيَّلون أنهم سيعيشون في عالم كله رخاءٌ ورفاه وكرامة وتقدير. أما الثانيون، فلغتُهم توحي بأن الناسَ لا اختيارَ لهم بين الجنة والنار. إما أن يكونوا مطيعين لهم ثم لله دون أن يشغِّلوا عقولَهم، فلهم الجنة. وإما أن يخالفوا أقوالَهم، من خلال تشغيل عقولِهم، فلهم الكُفرُ ومصيرُهم جهنَّم…

والطرفان، أي السياسيون الانتهازيون وشريحةٌ عريضةٌ من علماءِ وفقهاءِ الدين، إن كان هدفُهما هو اغتصابُ العقول والسيطرة عليها، فلكل طرف منهما له هدف خاصٌّ به. بالنسبة للطرف الأول، الهدف المنشود، هو الوصول إلى كراسي السلطة، وبالتالي، التََّّصرُّف في المال ألعام، كما يحلو لهم. بالنسبة للطرف الثاني، تجميد العقول يُمكِّنهم من الاحتفاظ بمكانتِهم في المجتمع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...