د. زهير الخويلدي - أحوال العالم الإسلامي والوطن العربي ، مقاربة جيوسياسية

في إطار المقاربة الجيوسياسية، يُعد حال العالم الإسلامي والوطن العربي اليوم تجسيداً حياً للتوتر الدائم بين عاملين أساسيين يشكلان بنيته الاستراتيجية: الانقسام المذهبي البنيوي الداخلي الذي ينخر في تماسكه الداخلي، والاستهداف الصهيوامبريالي الخارجي الذي يسعى إلى احتواء طاقته والهيمنة على موارده وممراته الحيوية. هذان العنصران ليسا منفصلين، بل يتداخلان في ديناميكية تفاعلية تعمق الهشاشة الإقليمية وتعيق أي محاولة للنهوض الجماعي أو التوازن الاستراتيجي. فالمنطقة، التي تمثل قلب العالم الإسلامي ومحور الوطن العربي، تقع جغرافياً في موقع يجعلها قلباً نابضاً للتجارة العالمية ومخزناً للطاقة، إذ تضم أكثر من نصف احتياطي النفط العالمي وتتحكم في ممرات بحرية حاسمة مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. هذا الموقع يجعلها هدفاً للقوى الكبرى، بينما يجعل الانقسامات الداخلية أداة سهلة لاستغلال هذه الضغوط الخارجية، مما يحول المنطقة إلى ساحة صراع مستمر بين الإرادات الداخلية المتنافرة والمصالح الخارجية المهيمنة. ماهي أسباب الحالة المزرية التي يبدو عليها لعالم الاسلامي والوطن العربي؟ وكيف يمكن تخطي هذه الحالة الصعبة الى وضعية متطورة؟

يعود الانقسام المذهبي البنيوي إلى جذور تاريخية عميقة ترقى إلى السنوات الأولى للإسلام، حيث تحول الخلاف السياسي حول الخلافة إلى انقسام عقائدي بين السنة والشيعة، لكنه لم يكن يوماً مجرد خلاف فقهي بل أصبح في العصر الحديث بنية تحتية للصراعات الجيوسياسية. مع سقوط الإمبراطورية العثمانية وتقسيم المنطقة وفق اتفاقيات استعمارية مثل سايكس بيكو، أدت نشأة الدول القومية إلى تسييس هذا الانقسام، فأصبحت السعودية رمزاً للقيادة السنية الوهابية بينما تحولت إيران بعد ثورتها إلى مركز للشيعة الإمامية.

هذا التنافس لم يبقَ نظرياً، بل تجلى في حروب بالوكالة أصبحت سمة الإقليم: في سوريا، حيث دعمت قوى سنية المعارضة ضد النظام العلوي المدعوم إيرانياً؛ وفي اليمن، حيث يواجه تحالف سني بقيادة سعودية جماعة الحوثي الزيدية المدعومة من طهران؛ وفي العراق، حيث أدى الغزو الخارجي إلى صعود الشيعة على حساب التوازن السني، مما أنتج ميليشيات متنافسة؛ وفي لبنان، حيث يشكل حزب الله قوة شيعية موازية للدولة تؤثر في التوازن الطائفي. هذه الانقسامات لا تقتصر على السنة والشيعة فحسب، بل تشمل أيضاً انشطارات عرقية وقبلية وإقليمية، كالتوتر بين العرب والأكراد أو بين المشرق والمغرب، مما يجعل الوحدة الإسلامية أو العربية مجرد شعار يصطدم بالواقع البنيوي للدولة الوطنية الضعيفة والولاءات الفرعية.

يؤدي هذا الانقسام الداخلي إلى إهدار الطاقات وتعطيل القدرة على مواجهة التحديات المشتركة، إذ يحول الصراعات الإقليمية إلى صراعات داخلية تستنزف الموارد البشرية والمالية وتفتح أبواب التدخل الخارجي. فبدلاً من بناء جبهة موحدة للدفاع عن المصالح الاستراتيجية، يجد العالم الإسلامي نفسه منقسماً إلى محاور متصارعة، مما يجعل أي مشروع للتكامل الاقتصادي أو العسكري أمراً بعيد المنال.

هنا يبرز الدور الجيوسياسي للانقسام كعامل ضعف بنيوي، إذ يمنع تشكيل كتلة إقليمية قوية قادرة على التحكم في ممرات الطاقة أو التفاوض من موقع قوة مع القوى الكبرى. ومع ذلك، فإن هذا الانقسام ليس قدراً محتوماً بل نتاجاً لتاريخ من الاستغلال الخارجي الذي غذاه ليحقق أهدافه.

أما الاستهداف الصهيوامبريالي الخارجي، فيتمثل في الاستراتيجية الطويلة الأمد للكيان الصهيوني مدعوماً بالقوى الإمبريالية الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، لفرض الهيمنة على المنطقة وضمان عدم ظهور أي قوة إسلامية أو عربية موحدة تهدد مصالحها. بدأ هذا الاستهداف تاريخياً مع إنشاء الكيان الصهيوني عام 1948 كمشروع استعماري مدعوم بريطانياً ثم أمريكياً، ليصبح بمثابة قاعدة متقدمة في قلب الوطن العربي، تحتل أراضي فلسطين والجولان وتوسع نفوذها عبر الحروب المتتالية.

لم يكن هذا الدعم مجرد تعاطف سياسي، بل جزءاً من استراتيجية جيوسياسية تهدف إلى السيطرة على منابع الطاقة والممرات البحرية، إذ يُنظر إلى الكيان الصهيوني كحارس للمصالح الغربية في مواجهة أي نهضة إقليمية. الولايات المتحدة، كقوة إمبريالية عالمية، قدمت مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية السنوية، واستخدمت حق النقض في مجلس الأمن للحماية، وشنت تدخلات مباشرة في العراق وليبيا وأفغانستان لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، مع فرض عقوبات اقتصادية على الدول المقاومة مثل إيران وسوريا لإضعاف قدرتها على التحدي.

جيوسياسياً، يعتمد هذا الاستهداف على نظرية السيطرة على "القلب الأرضي" و"الحزام الساحلي"، حيث تسعى القوى الخارجية إلى منع أي تحالف إقليمي يسيطر على الطاقة أو يغلق الممرات الحيوية. فالكيان الصهيوني يعمل كحاجز يقسم الوطن العربي إلى شرق وغرب، بينما تدعم الولايات المتحدة اتفاقيات التطبيع مثل اتفاقيات إبراهيم لعزل المحور المقاوم وتعزيز تحالفات سنية معه ضد إيران، دون حل جذري للقضية الفلسطينية. هذا الاستهداف ليس عشوائياً بل مدروساً، إذ يستغل الانقسامات الداخلية ليحولها إلى أدوات: يدعم تارة فصائل سنية ضد شيعية، ويضرب تارة أخرى الدول المقاومة ليمنعها من توحيد الصفوف. وهكذا، يصبح الانقسام المذهبي أداة في يد الاستهداف الخارجي، مما يعمق الدورة الشريرة من الضعف والتدخل.

في الآونة الأخيرة، تجلى هذا التفاعل بوضوح في التطورات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، حيث أدت الضربات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية على إيران واغتيال قائدها الأعلى إلى تصعيد مباشر يعكس ذروة الاستهداف الصهيوامبريالي.

هذه العمليات، التي جاءت بعد سنوات من التوتر، أضعفت "محور المقاومة" الذي يشمل فصائل في لبنان واليمن والعراق، إذ تعرضت حماس لضربات قاسية وتراجع نفوذ حزب الله وسقط النظام السوري السابق، مما أدى إلى انكماش النفوذ الإيراني. ومع ذلك، استمرت الجماعات مثل الحوثيين في اليمن في تهديد الملاحة في البحر الأحمر، مما يبرز استمرارية التوتر رغم الضعف.

أما اتفاقيات التطبيع، فقد توقفت تقدمها مع السعودية بسبب الرفض الشعبي والارتباط بالقضية الفلسطينية، وبرزت توترات جديدة بين السعودية والإمارات في مناطق مثل القرن الأفريقي، مما يعكس كيف أن الانقسامات الداخلية تحول دون رد موحد على الضغوط الخارجية. في هذا السياق، يسعى الاستهداف الخارجي إلى إعادة رسم الخريطة من خلال تعزيز التحالفات السنية الموالية مقابل إضعاف المحور الشيعي، لكن النتيجة كانت زيادة في المخاطر الإقليمية مع احتمال اندلاع احتجاجات واسعة بسبب التغير المناخي والأزمات الاقتصادية.

هكذا، يظل العالم الإسلامي والوطن العربي محاصرين بين مطرقة الانقسام الداخلي الذي يفتت تماسكه البنيوي، وسندان الاستهداف الصهيوامبريالي الذي يستغل هذا الانقسام ليفرض هيمنته الاستراتيجية. المنطقة، رغم ثرواتها وموقعها، تعاني من عدم القدرة على تحويل إمكانياتها إلى قوة جماعية بسبب الصراعات الطائفية التي تحول دون أي مشروع وحدوي، بينما يستمر الاستهداف الخارجي في ضرب أي محاولة للاستقلال الاستراتيجي عبر التدخلات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. هذا الواقع يفرض وعياً جيوسياسياً عميقاً يدرك أن تجاوز التحدي يتطلب معالجة الجذور الداخلية للانقسام مع مقاومة الضغوط الخارجية، لكن الديناميكية الحالية تجعل هذا المسار صعباً ومليئاً بالمخاطر، مما يجعل حال المنطقة حالة من التوازن الهش الذي قد ينقلب في أي لحظة إلى تصعيد شامل أو انكسار دائم. في النهاية، يبقى الوطن العربي والعالم الإسلامي أمام اختبار وجودي: هل يستطيعان تحويل انقسامهما إلى قوة تنوع، أم سيظلان رهينة للاستهداف الذي يغذيه هذا الانقسام نفسه؟ الإجابة تكمن في القدرة على إعادة صياغة الوعي الجيوسياسي قبل فوات الأوان.

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...