سمية زكي البطاط - نحن ضحايا قرارات لم نُسأل عنها

حين تُدار المعارك فوق رؤوسنا ينتابنا شعور قاسٍ لا يُذكر كثيرًا في الخطابات السياسة ولا في بيانات الحروب، ولا في نشرات الأخبار، شعور يتسلل إلى حياتنا بصمت ونحن نتابع المعارك التي لسنا طرفًا فيها، فنجد أنفسنا داخل دائرة النار دون أن يكون لنا رأي في إشعالها.
إنه أمر محبط ومخيب للآمال، حين يكتشف الإنسان فجأة أن مصيره قد يتقرر في مكان بعيد عنه وداخل غرف مغلقة لا يسمع صوته فيها، ولا تُحسب حسابات حياته الصغيرة ضمن القرارات الكبرى..
الحروب لا تبدأ في الشوارع، بل تبدأ غالبًا في العقول السياسية وقرارات بحسابات لئيمة. لكنها حين تندلع لا تسكن تلك الغرف التي وُلدت فيها، بل تنتقل فورًا إلى حياة الناس، إلى المدن، إلى البيوت، إلى تفاصيل الأيام العادية التي كانت قبل الأمس فقط تسير بهدوء.
في لحظة واحدة يصبح الإنسان شاهدًا على معركة لم يخترها، تسقط مدن، وتُهدم أحياء، وتتغير خرائط كاملة، بينما نجلس أمام شاشة الأخبار نحاول أن نفهم ما الذي حدث بالضبط.
وأكثر ما يرهق النفس ليس الدمار المادي وحده، بل الإحساس بالعجز، أن ترى الدم يُراق، وأن تشاهد مدنًا تُسحق تحت ثقل الصراع، وأن تدرك أن مصائر شعوب بأكملها يعاد تشكيلها، بينما أنت لا تملك سوى موقع المتفرج.
في تلك اللحظة يتقلص مفهوم الحياة، وتدرك أن الأشياء الصغيرة التي كانت تبدو بديهية تصبح فجأة مهددة؛ خططك المؤجلة، مشاريعك التي كنت تنوي البدء بها، مواعيدك البسيطة، وحتى مزاجك اليومي.
هذه حروب تعطل الحياة، تعكر الأمزجة، تسد الشهية عن كل شيء، توقف المصالح، تعثر الأعمال، وتفكك الحياة اليومية ببطء. فيصبح الذهاب إلى العمل بلاهة، والوقوف في المطبخ رفاهية، واشتهاء التزين أنانية، فيبدو الإنسان الذي كان يفكر في التفاصيل البسيطة كأنه يستعد لرحلة شاقة، والمشروع الصغير الذي يعتني بالمستقبل العائلي مربكا ومحيرا، ثم فجأة نضطر للتفكير في تفاصيل كبيرة، أكبر بكثير من قدرتنا على الاحتمال.
الأصعب من ذلك، حين نراقب من نحبهم وهم يهتزون من الداخل، نرى القلق في عيونهم، نسمع الارتباك في أصواتهم، ونلاحظ كيف يتسلل الخوف إلى تفاصيل حياتهم، والأكثر ألما أننا نعجز عن عكس الصورة أو الموقف أمامهم وحتى لو فعلنا فان الخوف والقلق يبقى مستقراً داخل أحلامهم التي يفترض أن تكون هادئة وجميلة.
وللعلم: فان النفس البشرية لا تتحمل طويلًا هذا الإحساس الدائم بعدم اليقين، والحرب هي أكبر مصنع لعدم اليقين في التاريخ، وفوق ذلك كله يبدأ الرزق اليومي بالتآكل.
الحروب لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر أيضًا حركة الاقتصاد، وتعيد ترتيب أولويات الأسواق، وتقطع طرق التجارة والعمل، وفجأة يصبح العمل أقل استقرارًا، والمال أقل توفرا، والفرص تغيب، ويزيد عدد الفقراء والذين بلا مأوى، ثم يجد الإنسان نفسه يقف أمام معادلة قاسية:
هو متأثر بكل ما يحدث، لكنه عاجز عن التأثير فيه.
هذا النوع من العجز هو أحد أثقل المشاعر التي يمكن أن يختبرها الإنسان، فالبشر بطبيعتهم يحتاجون إلى الإحساس بأن لهم دورًا ما في تشكيل مصائرهم، لكن الحروب تسلب هذا الدور بشكل فجّ، إنها تحوّل الإنسان من فاعل إلى متلقٍ، ومن صانع لخياراته إلى شخص يتكيّف مع قرارات الآخرين، ومع ذلك، ثمة حقيقة لا ينتبه لها كثيرون: رغم أن الحروب تُدار فوق رؤوس الناس، إلا أن صمود الحياة نفسها هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة، أو ربما شكل من أشكال المستحيل.
ومع ذلك على الناس أن يستمروا في العمل، وأن يحافظوا على علاقاتهم، وأن يحاولوا حماية عائلاتهم، وأن يتمسكوا بما تبقى من استقرارهم النفسي… كل ذلك ليس أمرًا بسيطًا كما يبدو، إنه في الحقيقة فعل بقاء شاق ومكلف نفسيا، فالحياة، حتى في ظل المعارك، تحاول دائمًا أن تجد طريقها، الأمهات يواصلن القلق على أبنائهن، الآباء يواصلون البحث عن الرزق، والأصدقاء يحاولون الحفاظ على ما تبقى من طمأنينة مشتركة، وقد لا يستطيع الإنسان إيقاف الحروب، لكنه يستطيع أن يحمي إنسانيته من أن تتحول هي الأخرى إلى ضحية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي:
(أن تبقى إنسانًا وسط عالم يتصرف أحيانًا كأنه فقد إنسانيته).
في النهاية، ليست المأساة فقط في أن تُدار المعارك فوق رؤوسنا، بل في أن يدرك الإنسان فجأة أن حياته بكل تفاصيلها الصغيرة يمكن أن تتغير بسبب قرار لم يُستشر فيه.
وليس أخيرا لو قلنا أن هناك حقيقة لا يدركها الكثيرون:
(التاريخ قد يُكتب بقرارات الكبار، لكن الحياة الحقيقية تُحفظ بصبر الناس، هذا الصبر الذي في كل موسم يمر بحالة اختبار صعب جدا أصعب بكثير حتى من فكرة النجاة).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...