عندما يتحدث النُّقاد والباحثون عن العروض وبحور الشعر العربي يذكرون أن البحر السادس عشر استدركه تلميذ الخليل الأخفش الأوسط وسُمِّي بحر المتدارك. ولكن من هو الأخفش الأوسط (المتوفى عام 215 هـ)؟
هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة البصري، ويُعدّ أحد أبرز أئمة النحو واللغة في العصر العباسي، وهو حلقة الوصل الأهم بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة. وحين يُطلق لقب "الأخفش" في كتب النحو دون تقييد (أكبر/أصغر)، فإن المقصود به هو الأوسط لشهرته ومكانته العالية.
حياته وتكوينه العلمي
هو مولى بني مجاشع، أصله من بلخ (في خراسان)، ولكنه نشأ وعاش في البصرة، التي كانت مركزاً علمياً مهماً. وقد تتلمذ على يد أعمدة اللغة في البصرة، وأبرزهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، كما ولزم سيبويه ملازمة تامة، وقرأ عليه "الكتاب". وكان الأخفش زميلًا لسيبويه وتلميذًا في حلقة الخليل، وقيل إنه كان أسنّ من سيبويه أو في مثل سنّه. ويُعتبر الأخفش الأوسط هو الناقل والمروّج الأول لكتاب سيبويه الذي مات في شبابه، ولم يُعرَف أحد قرأ “الكتاب” على مؤلفه مثل قراءة الأخفش الأوسط على سيبويه.
ثقله الأدبي ومكانته العلمية
وصف الأخفش الأوسط بأنه إمام النحو، وكان يميل إلى التساهل في الآراء النحوية مقارنة بجمهور البصريين، مما جعله قريباً من آراء الكوفيين، وأسهم في تقريب المدرستين البصرية والكوفيّة. وقد ذكره المازني بأنه كان "أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل". وكان علماء اللغة ينظرون إليه كمرجع، حتى قيل عن الفراء (إمام الكوفيين) إنه قال: "أما ما دام الأخفش يعيش فلا" في معرض الإشارة إلى أن السيادة في علم اللغة كانت للأخفش، وأنه لن يرد عليهم ما دام الأخفش حيًا.
إنجازاته الأدبية والنحوية
أثرى الأخفش المكتبة العربية بمؤلفات هامة، منها:
1. كتاب "معاني القرآن"، وهو من أبرز مصادره، وقد حقق ونشر.
2. "كتاب العروض"، وله إسهام كبير فيه.
3. تطوير العروض، حيث يُنسب إليه استدراك بحر المتدارك، الذي يقاربه بعض العروضيين بما يُعرف بالخبب، استدراكًا على بحور الشعر الخمسة عشر التي أحصاها الخليل، فصار عدد البحور ستة عشر.
4. تدوين علم الصرف، وكان من المبكرين في التأليف في الصرف كعلم مستقل.
5. مخالفة البصريين، حيث لم يكن مجرد ناقل، بل كان مجتهداً، فخالف سيبويه والخليل في مسائل عديدة، منها إجازته صياغة فعل التعجب من الأفعال الرباعية (مثل: ما أتقنه) ومن العاهات (ما أعوره).
6. تفسير الأشعار، حيث اشتغل بتفسير الأشعار وشرحها.
لماذا ليس مشهوراً كخليل أو سيبويه؟
ولعلّ اللافت في شخصية الأخفش الأوسط أنه لم يكن مجرد ناقل لعلم أساتذته، بل كان صاحب نظر واجتهاد، وإن بقي اسمه أقل حضوراً في الذاكرة العامة من أسماء معاصريه. وعلى الرغم من مكانته العالية، إلا أن شهرته لم تبلغ شهرة الخليل أو سيبويه لعدة أسباب منها:
* شهرة "الكتاب"، وقد ارتبط علم النحو البصري بـ "الكتاب" لسيبويه، فصار سيبويه هو الرمز، والأخفش هو "الشارح/الراوي" على الرغم من اجتهاداته.
* الموقف من المدارس، فميل الأخفش إلى الكوفيين أحياناً ومخالفته للبصريين (مدرسة البصرة هي المدرسة الأولى المؤثرة في تدوين النحو) جعلته في منطقة وسطى، ولم يصبح "رئيس" مدرسة بعينها في نظر العامة مثلما حدث مع سيبويه (البصرة) أو الكسائي (الكوفة).
* طبيعة مؤلفاته، فآراء الأخفش النحوية غالباً ما تُذكر داخل "شرح الكتاب" أو في كتب النحو المقارن، مما جعل ذكره مرتبطاً بآراء غيره، بينما كان سيبويه هو "الأصل".
نصرته لعلم "سيبويه"
وتشير بعض الروايات الأدبية إلى أن الأخفش الأوسط بعد وفاة سيبويه إثر المناظرة المشهورة مع الكسائي في ما عُرف بالمسألة الزنبورية، حرص على نشر علمه ونقله بين العلماء، فكان يعرض آراءه ويذيعها في مجالس العلم، وربما هذا التفاني في نقل علم غيره جعله يظهر “كراوٍ” أكثر منه “كمؤسس”، رغم أنه كان أستاذاً كبيراً.
وهكذا بقي الأخفش الأوسط أحد أعمدة الدرس اللغوي في العصر العباسي، عالماً جمع بين الرواية والاجتهاد، فكان جسراً حمل علم سيبويه، وأضاف إلى ميراث الخليل بن أحمد الفراهيدي لبنةً جديدة في صرح علوم العربية.
هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة البصري، ويُعدّ أحد أبرز أئمة النحو واللغة في العصر العباسي، وهو حلقة الوصل الأهم بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة. وحين يُطلق لقب "الأخفش" في كتب النحو دون تقييد (أكبر/أصغر)، فإن المقصود به هو الأوسط لشهرته ومكانته العالية.
حياته وتكوينه العلمي
هو مولى بني مجاشع، أصله من بلخ (في خراسان)، ولكنه نشأ وعاش في البصرة، التي كانت مركزاً علمياً مهماً. وقد تتلمذ على يد أعمدة اللغة في البصرة، وأبرزهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، كما ولزم سيبويه ملازمة تامة، وقرأ عليه "الكتاب". وكان الأخفش زميلًا لسيبويه وتلميذًا في حلقة الخليل، وقيل إنه كان أسنّ من سيبويه أو في مثل سنّه. ويُعتبر الأخفش الأوسط هو الناقل والمروّج الأول لكتاب سيبويه الذي مات في شبابه، ولم يُعرَف أحد قرأ “الكتاب” على مؤلفه مثل قراءة الأخفش الأوسط على سيبويه.
ثقله الأدبي ومكانته العلمية
وصف الأخفش الأوسط بأنه إمام النحو، وكان يميل إلى التساهل في الآراء النحوية مقارنة بجمهور البصريين، مما جعله قريباً من آراء الكوفيين، وأسهم في تقريب المدرستين البصرية والكوفيّة. وقد ذكره المازني بأنه كان "أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل". وكان علماء اللغة ينظرون إليه كمرجع، حتى قيل عن الفراء (إمام الكوفيين) إنه قال: "أما ما دام الأخفش يعيش فلا" في معرض الإشارة إلى أن السيادة في علم اللغة كانت للأخفش، وأنه لن يرد عليهم ما دام الأخفش حيًا.
إنجازاته الأدبية والنحوية
أثرى الأخفش المكتبة العربية بمؤلفات هامة، منها:
1. كتاب "معاني القرآن"، وهو من أبرز مصادره، وقد حقق ونشر.
2. "كتاب العروض"، وله إسهام كبير فيه.
3. تطوير العروض، حيث يُنسب إليه استدراك بحر المتدارك، الذي يقاربه بعض العروضيين بما يُعرف بالخبب، استدراكًا على بحور الشعر الخمسة عشر التي أحصاها الخليل، فصار عدد البحور ستة عشر.
4. تدوين علم الصرف، وكان من المبكرين في التأليف في الصرف كعلم مستقل.
5. مخالفة البصريين، حيث لم يكن مجرد ناقل، بل كان مجتهداً، فخالف سيبويه والخليل في مسائل عديدة، منها إجازته صياغة فعل التعجب من الأفعال الرباعية (مثل: ما أتقنه) ومن العاهات (ما أعوره).
6. تفسير الأشعار، حيث اشتغل بتفسير الأشعار وشرحها.
لماذا ليس مشهوراً كخليل أو سيبويه؟
ولعلّ اللافت في شخصية الأخفش الأوسط أنه لم يكن مجرد ناقل لعلم أساتذته، بل كان صاحب نظر واجتهاد، وإن بقي اسمه أقل حضوراً في الذاكرة العامة من أسماء معاصريه. وعلى الرغم من مكانته العالية، إلا أن شهرته لم تبلغ شهرة الخليل أو سيبويه لعدة أسباب منها:
* شهرة "الكتاب"، وقد ارتبط علم النحو البصري بـ "الكتاب" لسيبويه، فصار سيبويه هو الرمز، والأخفش هو "الشارح/الراوي" على الرغم من اجتهاداته.
* الموقف من المدارس، فميل الأخفش إلى الكوفيين أحياناً ومخالفته للبصريين (مدرسة البصرة هي المدرسة الأولى المؤثرة في تدوين النحو) جعلته في منطقة وسطى، ولم يصبح "رئيس" مدرسة بعينها في نظر العامة مثلما حدث مع سيبويه (البصرة) أو الكسائي (الكوفة).
* طبيعة مؤلفاته، فآراء الأخفش النحوية غالباً ما تُذكر داخل "شرح الكتاب" أو في كتب النحو المقارن، مما جعل ذكره مرتبطاً بآراء غيره، بينما كان سيبويه هو "الأصل".
نصرته لعلم "سيبويه"
وتشير بعض الروايات الأدبية إلى أن الأخفش الأوسط بعد وفاة سيبويه إثر المناظرة المشهورة مع الكسائي في ما عُرف بالمسألة الزنبورية، حرص على نشر علمه ونقله بين العلماء، فكان يعرض آراءه ويذيعها في مجالس العلم، وربما هذا التفاني في نقل علم غيره جعله يظهر “كراوٍ” أكثر منه “كمؤسس”، رغم أنه كان أستاذاً كبيراً.
وهكذا بقي الأخفش الأوسط أحد أعمدة الدرس اللغوي في العصر العباسي، عالماً جمع بين الرواية والاجتهاد، فكان جسراً حمل علم سيبويه، وأضاف إلى ميراث الخليل بن أحمد الفراهيدي لبنةً جديدة في صرح علوم العربية.