يكاد رُكامٌ من ورق إعلامنا المغربي، يُسابق الريح من فرط جريه اللاهث وراء الحدث الذي يكتنف جرعة قُصوى من الفضائحية أو الفجائعية المتطايرة الدم، وهو في الحقيقة سباق في حقل من الجَزَر للوصول إلى أقرب الجيوب، جعل الكثير من الأرانب تسمن في وقت وجيز، فصارت لا تقوى على الحركة لتعير الناس تفكيراً أو أذناًَ، ما دامت المعلومة التجارية تأتي أسرع من رنَّة فلس من أدنى مخفر شرطة..!
إن الثروة الحقيقية التي يمكن أن يجنيها الإعلام المغربي، هي الصادرة من منابع الناس أو الرأي العام، الذي يعتبر انعكاساً فصيحاً وبليغاً لأبسط التحولات الطارئة على المجتمعات، كالتي شهد رجتها الخطيرة العالم العربي، وَسُمّيت رغم أن كثيراً من الورود ما زالت تحت التراب، بثورة الربيع؛ وأعترف أن موضوعة «الرأي»، قد كبرت في رأسي واتسعت معانيها الحارقة، حين قرأت في مجلة «فلسفة ماغازين»، عن كتاب للفيلسوف والسوسيولوجي الألماني «فيرديناند طونييس»، يحمل عنوان: «نقد الرأي العام»، الذي صدرت هذه الأيام ترجمته إلى اللغة الفرنسية، عن دار غاليمار في 784 ؛ ولقد تسنم الرأي العام شاهقاً مراتب النبل، بفضل الفيلسوف «طونييس»، وأصبح مركزياً مع تطور الصحافة في القرن الثامن عشر، ومنافساً قوي الشكيمة ودامغ الحجة للحقيقة؛ وإذا كان «طونييس» ، يدرك أيضاً الدور الجوهري للصحافة في بنية العلاقة الإجتماعية بين آراء الأفراد، إلا أنه يستخلص بالمقابل، أن الرأي العام، لا يمكن إحالته إلى رُفِّ اللامعقول، لأنه متواشج بالمعتقدات الشعبية، التي تتبدى دائماً راسخة، ما دام الرأي على استعداد لتحمل المسؤولية كما في حالة المعرفة الحرة؛ وهنا لا يفوت «طونييس» تذكرينا، أن الإدلاء بالرأي، تعني أيضاً التفكير باللغة الألمانية..!
إن السياسات لا تني تنصب كمائن المراقبة للرأي العام، وتحاول عبثا أن تمسخ مصداقيتها ببث الشكوك كما لو يتعلق الأمر بِكُلٍّ متجانس؛ لكن أليس الرأي العام من حيث الجوهر، جَمْعِيّاً وشِقاقياً؟! ينطلق الرأي العام ـ حسب طونييس دائماً ـ من ذاته، باعتباره جدلا جَمْعِياً، لينتهي إلى اتخاذ القرار؛ ولقد كُنّا في البدء، نتعامل مع الرأي العام، كَكُلٍّ خارجي من الآراء المتنوعة والمتناقضة، التي تعمل جماهيرياً على إسماع نفسها، أما في المرحلة التالية، فإن الرأي العام هو الذي يتظاهر من أجل معرفة هذا الكُل الملتئم باللحام سياسياً، وتعكس هذه الحالة التالية من الرأي العام، مجموعاً أكثر اتساعاً من مجرد مشاركيه المباشرين، بل هو أشبه بشعب متحد في دولة؛ ورغم أن الرأي العام أصبح قوياً في الدولة الحديثة، لكنه يبقى غير ثابت؛ فهو أشبه بالمادة أو الهيولى، لذا عرف حالات مختلفة من حيث الاندماج؛ فالصّلب في توحُّده يمكن أن يغدو سائلا؛ كذلك الرأي العام يكون صلبا بقناعته الراسخة وواقعيته العالمية، ويهدد بالإستبداد ؛ لنقل إن الرأي وثيق الصلة دائما، بصراعات المجتمع، ليمتد بأحكامه إلى بُعد أخلاقي لا تخطر عواقبه الوخيمة على حسبان؛ لذا يجدر بالإعلام المغربي أن ينزاح عن حقل الجَزر إلى حيث ينبت الناس، ثمة رأي عام أشبه بالجمر الذي يلتحم في هامشه السفلي، حتى إذا ضاقت بحواشيه الأزمة ووصلت إلى العظم، كان أفصح تعبير هو البركان...
22/3/2013
محمد بشكار
إن الثروة الحقيقية التي يمكن أن يجنيها الإعلام المغربي، هي الصادرة من منابع الناس أو الرأي العام، الذي يعتبر انعكاساً فصيحاً وبليغاً لأبسط التحولات الطارئة على المجتمعات، كالتي شهد رجتها الخطيرة العالم العربي، وَسُمّيت رغم أن كثيراً من الورود ما زالت تحت التراب، بثورة الربيع؛ وأعترف أن موضوعة «الرأي»، قد كبرت في رأسي واتسعت معانيها الحارقة، حين قرأت في مجلة «فلسفة ماغازين»، عن كتاب للفيلسوف والسوسيولوجي الألماني «فيرديناند طونييس»، يحمل عنوان: «نقد الرأي العام»، الذي صدرت هذه الأيام ترجمته إلى اللغة الفرنسية، عن دار غاليمار في 784 ؛ ولقد تسنم الرأي العام شاهقاً مراتب النبل، بفضل الفيلسوف «طونييس»، وأصبح مركزياً مع تطور الصحافة في القرن الثامن عشر، ومنافساً قوي الشكيمة ودامغ الحجة للحقيقة؛ وإذا كان «طونييس» ، يدرك أيضاً الدور الجوهري للصحافة في بنية العلاقة الإجتماعية بين آراء الأفراد، إلا أنه يستخلص بالمقابل، أن الرأي العام، لا يمكن إحالته إلى رُفِّ اللامعقول، لأنه متواشج بالمعتقدات الشعبية، التي تتبدى دائماً راسخة، ما دام الرأي على استعداد لتحمل المسؤولية كما في حالة المعرفة الحرة؛ وهنا لا يفوت «طونييس» تذكرينا، أن الإدلاء بالرأي، تعني أيضاً التفكير باللغة الألمانية..!
إن السياسات لا تني تنصب كمائن المراقبة للرأي العام، وتحاول عبثا أن تمسخ مصداقيتها ببث الشكوك كما لو يتعلق الأمر بِكُلٍّ متجانس؛ لكن أليس الرأي العام من حيث الجوهر، جَمْعِيّاً وشِقاقياً؟! ينطلق الرأي العام ـ حسب طونييس دائماً ـ من ذاته، باعتباره جدلا جَمْعِياً، لينتهي إلى اتخاذ القرار؛ ولقد كُنّا في البدء، نتعامل مع الرأي العام، كَكُلٍّ خارجي من الآراء المتنوعة والمتناقضة، التي تعمل جماهيرياً على إسماع نفسها، أما في المرحلة التالية، فإن الرأي العام هو الذي يتظاهر من أجل معرفة هذا الكُل الملتئم باللحام سياسياً، وتعكس هذه الحالة التالية من الرأي العام، مجموعاً أكثر اتساعاً من مجرد مشاركيه المباشرين، بل هو أشبه بشعب متحد في دولة؛ ورغم أن الرأي العام أصبح قوياً في الدولة الحديثة، لكنه يبقى غير ثابت؛ فهو أشبه بالمادة أو الهيولى، لذا عرف حالات مختلفة من حيث الاندماج؛ فالصّلب في توحُّده يمكن أن يغدو سائلا؛ كذلك الرأي العام يكون صلبا بقناعته الراسخة وواقعيته العالمية، ويهدد بالإستبداد ؛ لنقل إن الرأي وثيق الصلة دائما، بصراعات المجتمع، ليمتد بأحكامه إلى بُعد أخلاقي لا تخطر عواقبه الوخيمة على حسبان؛ لذا يجدر بالإعلام المغربي أن ينزاح عن حقل الجَزر إلى حيث ينبت الناس، ثمة رأي عام أشبه بالجمر الذي يلتحم في هامشه السفلي، حتى إذا ضاقت بحواشيه الأزمة ووصلت إلى العظم، كان أفصح تعبير هو البركان...
22/3/2013
محمد بشكار