عبدالجليل الازدي - "الموت لا يؤلم الموتى، الموت يُوجع الأحياء"

مراكش 8 مارس 2026.

"الموت لا يؤلم الموتى، الموت يُوجع الأحياء"



إلى روح أختي
فاطمة الأزدي
التي كانت، ضمن سبع سنابلَ من نور، حارسةً لدفء الذكريات، وسخيّةً في العطاء، كأن قلبها نافذةٌ مشرعة لا تُغلق في وجه أحد، وصاحبةَ ابتسامةٍ استثنائية كانت تمرُّ في الأيام فتخفّف عن العالم بعض ثقله وبعض عبثه.
انتهيتُ من كتابة بعض الأمور حول طقوس العبور في اللحظة نفسها تقريبًا التي عبرتْ فيها روحكِ عتبة هذا العالم. كأن الكلمات التي كنتُ أكتبها كانت تُصغي، في خفاءٍ رقيق، إلى حفيف خطاكِ وهي تمضي نحو صمتٍ أوسع، لا بوصفه غيابًا، بل بوصفه فسحةً أخرى للسلام.
رحلتِ، غير أنّ حضوركِ لم ينطفئ؛ فما يزال يقيم في ذاكرة البيت، وفي دفء النداءات القديمة، وفي تلك الابتسامة الاستثنائية التي لم تكن مجرد ابتسامة، بل طريقةً جميلة في جعل الحياة أكثر احتمالًا وأكثر خفّة.
إلى روحكِ التي مضت في رحاب الصمت العظيم، تاركةً في القلب ضياءً هادئًا يشبه الطمأنينة.
فدعينا نفكر الموت بسعادة وفرح، بمحبةٍ وامتنانٍ لا يبلغان مداهما، عند عتبة نوركِ الباقي. ولأني لا أقْوَى على تشييعك بالكلمات الصفراء المحنطة والمبتذلة، التي أصابها الذبول من فرط التكرار والاجترار، دَعينا نكسر جدار الجليد ونتحادث عن الموت، بسعادة وحبور وبشيء من الدعابة، كما عادتنا في الحديث عن الشعر والرواية والسينما واساطير الأولين من السومريين واليونان والفينيقيين.... المناسبة شرط كما يقال. والمناسبة اختفاؤُك وغيابُك. وبرغم أنك غائبة – حاضرة أدعوك لنتحادث عن الموت والاختفاء بحبور وسعادة. وقبل البدء، سأخبرك بأمرين: أولهما أن مفهوم الاختفاء أدين به لختنا نعيمة الأزدي؛ فهي التي عرفتني به وبمضمونه الفلسفي قبل عقدين من الزمن، حين كنت منهمكا في تحبير وتحرير كتابي عن بيير بورديو – الفتى المتعدد والمِضياف؛ وثانيهما أن الناس أجمعين، وفي كافة مناطق المعمور، ومن مختلف الـمِلل والنِّحَل، اعتادوا وصْلَ الموت بالحزن والأسى والمعاناة؛ وأَلفوا حين الحديث عنه اصطناع الورع والتقوى وافتعال الجِدِّية وكأنهم يفهمون هذا الحدث غير القابل للفهم.
صحيح أن "الموت لا يؤلم الموتى، الموت يُوجع الأحياء" حسب عبارة شاعر التراجيديا الفلسطينية محمود درويش. ولا يقل عن ذلك صحة أن الموت ارتبط على الدوام بالمعاناة والحزن والقلق. وليس القلق هذا قلقَ الأموات، بل قلق الأحياء، تماما مثلما أن قلق الولادة لا يعني في شيء القادمين الجدد إلى "تعب الحياة، بل يعني أساسا المتعبين القدامى. إنه قلق ميتافيزيقي من الموت. شكل من الخوف والرعب والرهاب. لذلك تخيل الناس عوالم أخرى بعد الموت: إِمَّا جنات النعيم أو لَظَى الجحيم.




الموت يا أختي يهيكل الشرط الإنساني ويبنيه. الموت عدم وفناء وإعلان عن محدودية الغلاف الزمني الخاص بكل "كائن – هنا". الموت، أي وعي الموت أو الوعي به، علامةُ الشرط الإنساني. وإن لم نمتلك الوعي بالموت، أي بموتنا القادم لا محالة، فلا معنى لأن يشكل مصدر قلق ميتافيزيقي ورعب وجودي ورُهاب أنطولوجي. الوعي بالموت، في المبنى الأول والمعنى الأخير، قسم عضوي مُحايِثٌ للشرط الإنساني.
***
أفاطمَ مهلا، إن الموت حدث لا ينبغي أن يُستقبل بالفزع، بل بالفهم الهادئ الذي يبدّد أوهام الخوف. ففي امتداد الحياة يتعلّم الإنسان أن ينظر إلى الموت مثلما ينظر إلى قانون طبيعي بسيط: نهايةٌ تكمّل مسار الحياة لا خصمٌ لها. لذلك يبدو الفكر والوعي، من منظور معين، تمرينا على الموت، لا بمعنى التطلع إليه، بل بمعنى التدرّب على العيش بحرية، لأن من يتصالح مع فكرة الفناء يتحرّر من عبودية الخوف. وحين يسقط رعب النهاية من القلب، تنفتح الحياة على خفّتها الأولى، ويغدو الزمن هديةً لا تهديداً.
وهكذا يتحوّل الموت إلى مرآةٍ للحياة: كلما تأملناه بصفاء، ازددنا قدرةً على العيش بامتلاء. ليس الموت ظلاً ثقيلاً يتعقّب الإنسان، بل أفقٌ صامت يذكّرنا ن اللحظة الحاضرة أثمن ما نملك. لذلك يدعونا إلى أن نعيش كما لو أن كل يوم مكتمل في ذاته، لأن الحكمة ليست في الهروب من النهاية، بل في أن نحيا بحيث لا يفاجئنا قدومها؛ فنستقبلها كما تُستقبل لحظة طبيعية في إيقاع الوجود، هادئةً مثل غروبٍ يذوب في الأفق.
***
أفاطمَ أختي. ليس الموت نهايـة، بل لحظة تصبح فيها الحياة أكثر وضوحًا وعمقًا. هو عبورٌ لا يُرى، يترك في الروح ضوءًا خافتًا من الذكريات، وفي القلب صدى الكلمات التي لم تُقَلْ بعدُ. الموت يجعل من كل غياب حضورًا، ومن كل رحيل استمرارًا في ذاكرة العالم. في حضرة الموت، تصير الحياة أكثر نقاءً: نضحك أكثر، نحب أكثر، ونقدّر لحظاتنا الصغيرة التي تصنع معنى وجودنا. كأن كل لحظة عابرة تحمل فيها الروح جناحًا خفيًا يرفرف بين الصمت والضياء، بين الفقد والفرح. هكذا، يصبح الموت شاعرًا آخر يكتب معنا قصائدنا الأخيرة، قصائد تجعلنا نفهم أن كل حياة تُعاش بوعي الفناء هي حياة أكثر امتلاءً، وأكثر جمالًا.
***
أفاطِمَ أختي، لا يُرى الموت نهايةً مظلمة، بل انتقالٌ هادئ من ضجيج الجسد إلى صفاء الروح. فالجسد قيدٌ ثقيل يحجب عن النفس رؤيتها الخالصة للحقيقة، بينما الموت يحرّرها لتعود إلى موطنها الأول: عالم المعنى الخالص. الموت لحظة انكشاف، لا لحظة انطفاء؛ عبورًا من ظلال الحسّ إلى نور الفكرة، ومن ارتباك العالم إلى سكينة الحكمة. ولذلك لا نتدرّب على شيء كما نتدرّب على الموت، ولا نتعلم شيئا كما نتعلم الموت، أي وعي الموت في امتداد الحياة؛ نتعلم فنّ الانفصال عمّا هو زائل، استعدادًا للقاء الحقيقة في صفائها الأبدي. ليس الموت، في هذا الأفق، سقوطًا في العدم، بل عودةُ الروح إلى حريتها الأولى.
***
أفاطمَ أختي، لا يحمل الموت سرًّا مخيفًا ولا لغزًا مظلمًا؛ إنه ببساطة حدٌّ صامت تتوقف عنده الحواس. فما دمنا أحياءً فالموت غائب، وحين يحضر الموت نكون قد غبنا نحن؛ لذلك لا يلتقي الإنسان والموت أبدًا. الخوف منه، إذن، وهمٌ يصنعه الخيال. بهذا المعنى يغدو الموت سكونًا بلا ألم، وفراغًا بلا إحساس. ليس عذابًا ولا ظلمةً تُعاش، بل انطفاءٌ هادئ للمصباح حين ينفد زيته. ومن يفهم ذلك يعيش حياته بخفةٍ أكبر، لأن الحكمة ليست في التفكير بالموت، بل في تحرير القلب من رهابه. الموت قاسٍ وبارد ومرعب للأحياء فقط؛ فهم وحدهم من يعيش تجربة الموت؛ أما الأموات، فلا حظ لهم من هذه التجربة لأنهم ماتوا.
***
أفاطمَ العزيزة العزيزة على القلب، ليس الموت كارثةً للوجود، بل تحوّلًا في مسرح الإرادة التي تسري في الكائنات؛ فنحن مجرد تجلٍّ عابر لإرادة الحياة بمعناها الفلسفي، كما بمعناها الشعري عند أبي القاسم الشابي؛ الموت فجائي كما اختفاءُك؛ يظهر لحظة ثم يختفي، بينما تظل الإرادة نفسها مستمرة في نسيج العالم. ليس الموت انهيارًا للوجود كله، بل انطفاء صورةٍ فردية في مرآة الحياة. إنه لحظة تنحلّ فيها شخصية الإنسان، كما يذوب الموج في البحر الذي خرج منه. ومن هذا الأفق، لا يعود الموت رعبًا مطلقًا، بل عودةً هادئة إلى الأصل الكوني، حيث تتلاشى الأنا الصغيرة وتستمر الإرادة في دورتها العميقة.
***
أفاطمَ مهلا بعض هذا الغياب، وإن كنت قد استعجلت وظل النداء مجرد رجاء معلق في الحلق وعلى حافة القلب. الموت، يا أختي ذات الابتسامة الاستثنائية، ليس حادثة تقع في نهاية الحياة، وإنما هو الأفق الذي تتكشف فيه الحياة نفسها. فالإنسان، "الكائن- هنا" (هيدجر)، يعيش دوما متجهًا نحو موته؛ إنه كائنٌ يسكنُ إمكانَهُ الأخير. الموت، في هذا المعنى، ليس واقعة بيولوجية فحسب، بل تجربةٌ وجوديةٌ صامتةٌ تجعل الإنسانَ يواجه فرادَتَهُ القصوى؛ فعندما يدرك المرء أن موته لا يمكن أن يعيشه أحد بدلاً عنه، ينكشف له ثقل وجوده وفرادته. وهكذا يغدو الموت مرآةً للوجود: في ظله يتعلم الإنسان أن يعيش بصدق، وأن يصغي إلى هشاشة زمنه، لأن كل لحظةٍ خطوةٌ هادئة نحو الإمكان الأخير.
***
أفاطمَ السنبلة التي ظلت وفية للجذور والذكريات، لا يظهر الموت مجرد نهاية بيولوجية، بل لحظة وجودية تتعرّى فيها الذات أمام حقيقتها العميقة. فالموت يضع الإنسان وجهاً لوجه مع قلقه الأقصى، القلق الذي يكشف هشاشة الوجود ويوقظ في الروح سؤال المصير. غير أن القلق هذا ليس ظلمةً خالصة، بل بابٌ إلى الإيمان. ففي حافة الفناء يدرك الإنسان محدوديته، ويتهيأ للوثبة نحو المطلق. هكذا يصبح الموت، في هذا الأفق، امتحانًا صامتًا للذات: لحظةً يتقاطع فيها القلق والرجاء، حيث تتعلم الروح أن ترى ما وراء الزمن.
***
أفاطمَ، "عمت صباحا أختي.. انهضي، فالساعة عُمْرٌ إلا ثُلُثْ" حسب العبارة العزيزة على قلب العزيزة مريم. لا يظهر الموت مجرد حدثٍ خارجي، بل قوة خفية تسكن أعماق النفس. ففي باطن كل كائن تشتغل نزعتان متعارضتان: نزعة الحياة التي تبني وتجمع وتحب، ونزعة الموت التي تميل إلى التفكك والعودة إلى السكون الأول. الموت، بهذا المعنى، ليس الموت نهاية الجسد فقط، بل ميلٌ غامض نحو الهدوء الأصلي، نحو لحظة تنطفئ فيها توترات الحياة. إنه الظلّ الصامت الذي يرافق كل اندفاع نحو الحياة، كما لو أن الكائن يسير بين قوتين: إيروس الذي يُشعل الوجود، وثاناتوس الذي يهمس بالعودة إلى الصمت. هكذا يغدو الموت بُعدًا خفيًا من تراجيديا النفس، لا يظهر دائمًا في النهاية، بل يتردد منذ البداية في عمق الحياة نفسها.
***
يا حارسةَ الذكريات وراعية الذاكرة، تعرفين أن الموت حدٌّ أقصى لعبث العالم؛ إذ الحياة رغبةٌ عميقة في المعنى، بينما الكون يجيب بالصمت. الموت هو الختم النهائي لهذا الصمت. غير أن هذا لا يقود بالضرورة إلى اليأس، بل إلى التمرّد؛ فحين يدرك الإنسان أن موته محتوم وأن العالم لا يمنحه معنًى جاهزًا، يصبح مدعوًا إلى أن يخلق معنى حياته بنفسه. هكذا يغدو الموت أفقًا يعرّي العبث، لكنه في الوقت نفسه يمنح الحياة كثافتها القصوى: فكل لحظةٍ تُعاش بوعي الفناء تصبح أكثر امتلاءً، وأكثر توهجًا في مواجهة الصمت العظيم.
***
الموت يا أختي لا ينهِي حياة من رحلوا، بل يحوّلها إلى مساحةٍ من الضوء والظل، حيث تظل الأرواح حاضرة في تفاصيل صغيرة، وفي صمت البيوت، وفي صدى الكلام الذي تركوه خلفهم. ما تركته يا أختي لم يختفِ مع رحيلك؛ بل بقي حيًّا، يلمع في نافذة تُنقَرُ كل صباح، في زنابق تتفتح على وقع الحنين، وفي كل زاوية من منزلٍ كان شاهداً على ذكرياتنا جميعا، على ابتسامتك غير القابلة للنسيان، وعلى عطاءك الذي لن يذبل.
هنا، في مواجهة الغياب، يصبح كل حضور مجرد انعكاس للغياب، وكل غياب يكتسب بريقه من الحضور الذي تركه وراءه. لا يغيب من رحلوا عنّا حقًّا، بل يعيشون في أصوات العصافير، وفي همس الأشجار، وفي حركة الضوء على الجدران، وفي هسيس الروح ووجيب الفؤاد، وفي دمعة أمي، وفي كل تفصيل صغير يذكرنا بأن الحياة لم تنتهِ، وأن الذكرى جسرٌ بين الحاضر والماضي.
قبل انسحابك من عبث العالم، أهدتك أختنا الوديعة مريم الأزدي قصيدة رائعة الشكل وسامية المحتوى، ليس فقط تكريمًا لمن وما رحل، بل احتفاءً بما بقي: بالحب الذي يزداد قوة في غياب من نحب، بالزنابق التَّسع التي تصمد في قلب البيت والذاكرة، وبالصبر الذي يجعل من الحنين عملًا يوميًا، يسقيه الحلم والأمل والذكرى. في الفضاء الشعري الذي شيدته مريم برهافة شعرية لا تُضاهى ولا تُضارَع، فيها شيء من الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش ومَعين بسيسو وأشياء من الشاعر الإريتري أحمد سعد، يلتقي الغياب بالحياة، ويصبح الحنين فعلًا من نور يتخطى حدود الموت، ليخلق لغةً خاصة، تروي قصة الزمن والألم والوفاء، والاحتفاء بكل ما لم تفقده الروح برغم رحيل الجسد.
في هذا الكون الشعري المذهل حقا وصوابا، تُزْهِرُ الذكريات، وتعود لتنسج ألوانها القزحية، فتملأ المكان بالصدى والحنين والأنين، وتؤكد أن الحضور ليس مجرد وجود مادي، بل حياة مستمرة في القلب والذاكرة، حياة تُعيد ترتيب كل زنابق الغياب، وكل شعاع من النور الذي حملته روح أختي فاطمة، لتصبح قصيدة مريم انعكاسًا للحب، للوفاء، ولقدرة الإنسان على تحويل الفقد إلى حضور دائم، كما يحوّل الشعر الصمت إلى لحنٍ خالد. تقول القصيدة:
"كانوا تسعَ زنابقْ
صاروا سبعَ بنادقْ
وثامِنُهمْ حُلْمُهمْ..
أخذتهُمُ الحياةُ إلى ما شاءتْ..
وأخذوا الوقتَ الى حيثُ شاءوا..
لِكُلٍّ منهمْ ما اشتهى
مِنْ بحرٍ..
أو من نهرٍ..
وَلَهُ الصُّوَرُ
والكلامُ..
له اللغةُ
والمَقامُ..
وله الشَّمسُ..
له القمرْ..
وبضعُ كواكبَ لِتَزْجِيَّةِ الأبَدِيَّةِ
ورُبَّما تَلْهِيَّةِ القَدَرْ.
***
ولها ظِلُّ الذكرياتِ
وحَشْرَجَةُ الصَّدى..
لها تَشَقُّقُ جِدارِ الحُلْمِ..
وعصفورةٌ وَفِيَّةٌ
لِموْعِدِها ومائِها..
وفيةٌ لِقُوتِ فُتَاِتها..
تَعودُ كلَّ صباحٍ
كَيْ تَكِيدَ المَدَى..
***
وكَقِدِّيسِ يومِ الأحدِ
تَدُقُّ مسمارَ الحُلْمِ
لِتُعيدَ تثبيته على جدارِ الزمنِ
وتسْقي الزنابقَ التِّسْعَ
كي تستعيد ألوانها القزحيةَ
تُنَدِّيها بماء الزَّهْرِ المُقَطَّرِ
ودمعِ الذِّكرى
وغَّصَّةِ الصَّدى..
***
فَحَيَّ على من تَرْتِقُ تَمَزُّقاتِ الزمنِ
بإبْرَةِ الألمْ..
وتخيطُ تَصَدّعاتِ الجِدارِ
بإسمنت الحنينِ وَرَمْلِ العَدَمْ..
وَتَبًّا للغِيّابِ..
حَيَّ على الحضورِ..
حَيَّ على الشَّجَنْ'.
***
أفاطِمَ، يا أختي الحبيبة، لم تكوني في هذا العالم مجرّد "كائنٍ – هنا" عابرٍ بين الأشياء أو فوق الكلمات العابرة، كما لو أنك ظلّ يمرّ ثم ينطفئ. كنتِ، في كل أحوالك، إنسانةً مكتملةَ المعنى، حضورًا دافئًا يفيض حياةً، وفكرةً نبيلةً تمشي بين الناس في هيئة قلبٍ عطوف وابتسامةٍ لا تشبه إلا نفسها. كنتِ معنىً يتجسّد، وكرمًا يتنفس، وروحًا تُضفي على الأمكنة طمأنينتها الخفية. والأفكار النبيلة، كما تعلمين، لا تُختَتَم بالموت، ولا تنطفئ بانطفاء الجسد؛ إنها تمضي في الزمن مثل نورٍ خفيفٍ يتناسل من ذاته، يواصل الإقامة في ذاكرة من أحبّوها، وفي رفيف اللحظات التي مرّت بها ولم تغادرها تمامًا.
ولعلّكِ لاحظتِ، في امتداد هذه المحادثة الطويلة بيني وبين ظلكِ المضيء، أنني ما فتئتُ أناديك: أفاطِمَ، بفتح الميم لا بضمّها. وليس ذلك مجرد اختيار لغوي عابر؛ فأنتِ تعلمين أن النداء بالضمّ لغةُ من لا ينتظر، لغةُ من يُسلّم بأن الصوت يُلقى في الفراغ ثم يعود صدى. أما النداء بالفتح فهو لغةُ من ينتظر، لغةُ من يترك الباب مواربًا لعودةٍ محتملة، أو لخطوةٍ خفيفة تعبر العتبة من جهة الغيب. ولذلك أناديكِ هكذا: أفاطِمَ، لأنني ما زلتُ أكتب من قاعة الانتظار الكبرى، حيث يجلس القلبُ هادئًا أمام المدى، منتظرًا لحظةً أخرى من العبور. هناك، في ذلك الأفق البعيد، أنتظر موتي المُشتهى، لا بوصفه نهايةً، بل بوصفه الطريق الصامت الذي سيقودني، أخيرًا، إلى حيث تقيمين الآن في رحاب الصمت العظيم.

عبد الجليل بن محمد الأزدي
مراكش 8 مارس 2026.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...