يحيى بركات - هذا القلب… ليس عضلة فقط

قبل أيام قليلة
اكتشفت أن القلب الذي عاش الحروب والمنفى والعودة إلى الوطن…
يمكن أن يتعب أخيرًا.
حدث ذلك في صالة رياضية في دبي.
كنت مع أبنائي.
لحظة عادية جدًا.
ثم شدّ في الصدر.
وألم يمتد إلى الذراع اليسرى.
خلال دقائق
كنت في مستشفى.
التشخيص الأولي كان بسيطًا في لغته الطبية:
جلطة صغيرة.
لكن القسطرة كشفت ما هو أكبر من كلمة صغيرة.
الشرايين التي تغذي القلب
لم تعد كما كانت.
بعضها ضاق.
بعضها أغلق.
وكان القرار
جراحة قلب.
حين تسمع هذه الجملة
يتغير ترتيب الأشياء داخل الإنسان.
ليس خوفًا من الموت.
فالموت…
كما تعلمت منذ زمن بعيد…
ليس غريبًا عن حياتنا.
أنا ابن جيل
تعلم مبكرًا
أن الموت
هو الوجه الحقيقي للحياة.
بدأت الحكاية قبل ذلك بكثير.
كنت شبلًا صغيرًا
حين دخلت كلمة الوطن إلى دمي.
كبرت قليلًا
ودخلت الجامعة.
هناك لم أتعلم فقط ما تقوله الكتب،
بل ما تقوله الحياة
حين تضع الإنسان أمام نفسه.
هناك فهمت أن الفكرة
إذا صدقها صاحبها
قد تقوده إلى الزنزانة
قبل أن تقوده إلى المستقبل.
وهكذا حدث.
اعتقال مبكر.
ثم ترحيل من بلد الدراسة.
ومن هناك
بدأ طريق آخر للحياة.
في مركز حركة نضال وطني
تعلمت أن الفلسطيني
كائن مركب.
مقاتل يحمل وعيًا،
ومثقف يعرف
أن الفكرة إن لم تحرسها شجاعة
قد تضيع في الهواء.
ثم جاءت حرب لبنان عام 1982.
الحرب
لا تضيف إلى العمر سنوات.
هي فقط
تخلع عن السنوات أوهامها.
حين يمشي الموت قربك كل يوم
تفهم شيئًا بسيطًا:
أن الحياة
ليست وعدًا طويلًا.
وحين خرجت حيًا من تلك الحرب
قلت لنفسي جملة بقيت معي طوال العمر:
ما بعد الحرب
كان زمنًا ضائعًا بعدها.
ثم جاءت سنوات التشرد.
بلد بعد بلد.
مدينة بعد مدينة.
يحمل الفلسطيني وطنه
كما يحمل المسافر حقيبته.
لكن الفرق
أن الحقيبة يمكن أن توضع على الأرض.
أما الوطن
فلا.
ثم جاء أوسلو.
لم أوافق عليه سياسيًا.
لكنني وافقت أن أعود عبره.
لأنني كنت أؤمن بشيء أبسط من السياسة:
أن النضال الحقيقي
لا يحدث من وراء الزجاج
ولا من شرفات المنفى.
النضال الحقيقي
يحدث بين الناس
وعلى أرض الوطن.
مرت السنوات.
تغيرت الأدوار.
لم تعد البندقية في يدي
لكن الكلمة بقيت.
أنا مخرج سينمائي.
لكنني في السنوات الأخيرة
كتبت مقالات
كما لو أنها أفلام مؤجلة.
تركت الكاميرا قليلًا
وتركت للقارئ
أن يكون المخرج.
أن يرى المشهد بعقله
ويسمع الصمت
بين الجمل.
لكن ما حدث في المستشفى
لم يكن مشهدًا طبيًا فقط.
كان مشهدًا إنسانيًا.
كنت ممنوعًا من السفر
ولا أستطيع العودة إلى فلسطين للعلاج.
والعملية مكلفة.
لكن المال
لم يكن الموضوع.
حين بدأ الحديث عن التكاليف
قالت ابنتي نجوان جملة
لن أنساها ما حييت:
"نحن لماذا نعمل ونجمع المال؟
أليس لمثل هذا اليوم؟"
في تلك اللحظة
فهمت شيئًا آخر عن الحياة.
وفهمت لماذا
كانت نجوان دائمًا الأقرب إلى قلبي.
ولماذا كان كونها
بكر أولادي
أجمل تفاؤلٍ حملته في حياتي.
وفي تلك الأيام أيضًا
حدث لقاء
لم أكن أتوقعه.
رأيت ابني مناف
بعد خمسة عشر عامًا.
خمسة عشر عامًا
اختصرت في عناق واحد.
كأن الزمن
توقف لحظة
ليعيد ترتيب المشهد.
وكان هناك مشهد آخر
لن أنساه.
ابني عمر.
كان عليه أن يدير اللحظة.
يتحدث مع الأطباء.
يفهم التقارير.
يطمئن إخوته.
كان يتصرف
كما يتصرف الرجال
حين تضيق اللحظة.
لكنني كنت أرى خلف ذلك الهدوء
طفلًا صغيرًا
يحاول أن يخفي خوفه.
الطفل الذي يعرف فجأة
أن كلمة الأب
ليست فكرة مجردة.
الأب
هو السقف.
والطفل
حتى لو كبر
يبقى ينظر إلى السقف
ليطمئن أن البيت
ما زال قائمًا.
وفي مكان آخر
كان قلبي يذهب.
إلى فلسطين.
إلى رازي وقيصر.
طفلان ما زالا يعتقدان
أن الأب
شيء ثابت في العالم.
وإلى زوجتي
حبيبتي
ريم.
رفيقة الطريق
في كل هذه السنوات
التي لم تكن سهلة.
قبل الجراحة
قال لي الطبيب جملة غريبة.
قال إن الجسم
حين تغلق الطرق الرئيسية
يصنع طرقًا التفافية.
ابتسمت.
الفلسطيني يعرف هذه الفكرة جيدًا.
حين يغلق الاحتلال الطريق
نفتح طريقًا آخر.
ويبدو أن القلب
تعلم هذه الحيلة أيضًا.
دخلت غرفة العمليات.
فتح في الصدر
لإعادة رسم الطرق
التي يسير فيها الدم.
نجحت العملية.
خرجت من العناية.
وبدأت أتعلم
شيئًا بسيطًا جدًا
كنا نظنه طوال العمر أمرًا عاديًا:
المشي.
خطوة بعد خطوة
في ممر المستشفى الطويل.
هناك فهمت شيئًا آخر.
أن القلب
ليس عضلة فقط.
هو ذاكرة.
فيه أصوات الحرب.
وفيه سنوات المنفى.
وفيه وجوه الرفاق.
وفيه أيضًا
ضحكات الأبناء.
الطب أصلح الشرايين.
لكن هناك أشياء
لا يصلحها الطب.
مثل التعب الذي تحمله القلوب
حين ترى ما يحدث في هذا العالم.
ومع ذلك…
ها أنا أمشي.
أتنفس.
وأكتب.
لأن الإنسان
لا ينجو لأنه أقوى من الموت.
بل لأنه
في كل مرة
يجد سببًا صغيرًا آخر
ليؤجل استسلامه.
أما أنا…
فما زلت أؤجل.
ليس خوفًا من الموت.
بل لأن لدي أبناء ينتظرونني،
ولأن لدي وطنًا
لم ينتهِ فيلمه بعد.
ولأن هذا القلب
رغم كل ما مرّ به
ما زال يعرف الحقيقة البسيطة:
أنه ليس عضلة فقط.
بل وطن صغير
يحاول أن يبقى حيًا…
ولأن للقلب بقية.


يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/2/2026 مستشفى دبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...