د. غانية ملحيس - خلاصة مقال العقل الأداتي تحت النار: الحروب وفخ الأزمات المركّبة في النظام العالمي

لم تعد الحروب المعاصرة مجرد وسائل لتحقيق أهداف سياسية، بل تحولت إلى آلية لإدارة اختلالات النظام العالمي نفسه.
في عالم يزداد اضطرابا، لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُقرأ على أنها نزاعات إقليمية محلية. من غزة إلى إيران ولبنان، تكشف هذه الحروب عن أزمات أعمق في بنية النظام العالمي. ينطلق المقال من قراءة تحليلية لهذه الحروب، مع التركيز على العقل الأداتي للحداثة الغربية، أي قدرة الغرب على إدارة العالم تقنيا، لكن دون إطار أخلاقي أو حضاري يضبط استخدام القوة.
1. مأزق الحداثة الأداتية
الحداثة الغربية قامت على فكرة أن القوة والعلم والتكنولوجيا والعولمة قادرة على إنتاج الاستقرار والازدهار. لكن الواقع الراهن يكشف عن حدود هذا النموذج: الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية تتحول إلى صراعات جيوسياسية يعاد من خلالها توزيع القوة والموارد، ما يضع العقل الأداتي أمام مأزق حقيقي.
2. من إبادة غزة إلى الحرب على إيران
الحرب الأمريكية - الإسرائيلية المتواصلة على غزة للعام الثالث على التوالي، وتوسعها لتشمل لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، ولتستعر مؤخرا في إيران ولبنان وتمتد لدول الخليج والعراق وقبرص حيث تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية. يكشف عن هشاشة النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. فلم يعد الاستقرار قائما على الهيمنة العسكرية والعولمة الاقتصادية وحدها، بل أصبح معرضا للاختبار البنيوي.
3. الفخ المركّب وتزامن الأزمات
الحروب والتوترات المتزامنة في أوكرانيا والشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبي جزء من شبكة مترابطة تشمل الصراع العسكري، الاقتصاد، الطاقة، التكنولوجيا، وطرق التجارة.
الحرب الحالية على فلسطين وإيران ولبنان وتداعياتها على الطاقة ومضيق هرمز والأسواق العالمية، تظهر كيف يمكن لصراع إقليمي أن يتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية بسرعة.
4. أزمة الشرعية في النظام الدولي
المؤسسات الدولية عاجزة عن فرض القانون الدولي، والبيئة الإعلامية العالمية المكشوفة تكشف فجوة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الواقعية. الثقة في النظام الدولي تتآكل، ما يطرح أسئلة عن شرعيته واستمراريتها.
5. اختبار حدود القوة
الحروب في غزة وإيران ولبنان تكشف أن التفوق العسكري لم يعد يكفي لتحقيق حسم سياسي سريع. كما أن صعود فاعلين غير دولتيين مثل حركات المقاومة والشبكات الإقليمية يعكس تحولا مهما: لم تعد الدول وحدها هي التي تشكّل النظام الإقليمي.
6. صراع المعنى وحدود القوة
الصراع لا يقتصر على الموارد والنفوذ، بل يمتد إلى تصورات مختلفة للحياة والموت والشرعية. ففي العقل الأداتي تتحول القوة إلى أداة تقنية، بينما تنطلق رؤى حضارية أخرى من أطر أخلاقية أو عقائدية ترى أن الحياة والموت يتجاوزان الحسابات المادية.
حين تتحول إدارة الحياة إلى إدارةٍ منهجية للموت، يظهر العنف بوصفه الحدّ الأخير للعقل الأداتي وللنموذج الحضاري الذي أنتجه
ولا يعود السؤال فقط من يملك القوة، بل أي تصور حضاري للعالم يمتلك القدرة على الاستمرار.
7. أزمة المعنى وصعود الفاعلين الإقليميين (فقرة مضافة)
لا يمكن فهم صعود الفاعلين الإقليميين بمعزل عن الأزمة الأعمق في نموذج الحداثة الغربية والنظام الدولي الذي أنتجه. فإعادة توزيع القوة لا تفسّر التحولات الجارية ما لم تُقرأ أيضاً في سياق أزمة المعنى والشرعية التي حكمت النظام العالمي خلال القرون الأخيرة. في هذا الإطار تبدو الحالة الإيرانية مثالاً معقدا، إذ يتحرك مشروعها ضمن منطق جيوسياسي واضح، لكنه يحمل أيضا بعدا حضاريا ورمزيا أوسع، بينما يبقى أحد تحدياته في تقدّم البعد الجيوسياسي أحيانا على الأفق الحضاري الأوسع. وهذه الإشكالية لا تخص إيران وحدها؛ فالعالم العربي أعاد تموضعه إلى حد كبير داخل النظام الذي أنتجته الحداثة الغربية، فيما تسعى تركيا إلى بلورة مشروع جيوسياسي إقليمي لم يتبلور بعد في إطار حضاري جامع. لذلك يبقى السؤال الأعمق ليس فقط صعود قوى جديدة، بل قدرتها على تحويل هذا الصعود من مجرد إعادة توزيع للقوة إلى إعادة إنتاج للمعنى والشرعية في النظام الدولي.

غانية ملحيس
9/3/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...