د. نورة بنيحيى - خارج الحياة .... قصة قصيرة

.. كنت في عمر الثانية و العشرين عندما تعرفت عليه خلال عودتي من الجديدة، قضيت بضعة أيام هناك عند خالي، كنت أجلس قرب النافذة، و أطلب من الله ألا يجلس قربي شخص ثرثار، يبدو أن دعوتي قبلت، فلقد جاء شاب وسيم جدا و أنيق و جلس بعد أن ألقى التحية علي، كان طويل القامة و لديه شامة رائعة تحت عينه اليسرى، بالمنلسبة كانت عيونه خضراء رائعة تأخذك بعيدا عن كل شئ و ابتسامته المحتشمة تضفي عليه سحرا خاصا، تفاصيله هذه لم أعرفها للتو لأنني كنت أشيح بوجهي طيلة مدة السفر نحو الدار البيضاء، عندما إقتربنا من وجهتنا حاول أن يتجاذب معي أطراف الحديث، كنت أجيبه بشكل مقتضب و بخجل شديد، سألني عن دراستي و قلت له بكل فخر أنني طالبة طب، أعجبت بلباقته، و الأكثر بصراحته، فرغم أناقته أخبرني أنه عاطل عن العمل بعد أن طرده أخوه من أبيه، حز في قلبي ما حدث معه و تعاطفت معه، عندما وصلنا طلب رقم هاتفي، أعطيته له دون تردد لأنني لم أكن ممن يهتمن بالماديات، و لحدود تلك الساعة لم تكن لدي أية علاقة، بدأنا بالإلتقاء، كان شابا محترما جدا، و تفهم أنني من عائلة محافظة و مع ذلك تشبث بي، كنا نتناقش في كل شئ، نمشي لساعات طويلة و قلما نجلس في المقاهي لأننا لم نكن نملك المال، حتى في الكلية كنت أعطيه خفية ليطلب لنا قهوة، عشنا تجربة حب أفلاطوني لم أعشها بعده، ذات يوم طلب مني الزواج، فأخبرته أنه لا يمكننا ذلك لأنه عاطل عن العمل و والدي لن يقبل أبدا بأن نسكن معه، نظر إلى الأسفل و قال لي: نورة إن لم تتزوجينني الآن فإنني سأتزوج الأستاذة التي كنت أعرفها قبلك، كان يبحث عن طوق نجاة من اللحظات الصعبة التي كان يعيشها، لم أنبس ببنت شفة، و ذهبت لحال سبيلي، ذات يوم رن هاتفي، كان هو سكرانا، أول مرة أراه هكذا، قال لي أنا تزوجت و كان من المفروض أن تكوني أنت، دمعت عيناي و قطعت في وجهه الخط، ظل الهاتف يرن لكن دون جدوى، مرت السنوات و كان يتصل بين الفينة و الأخرى ليسأل عني كصديقة.
غاب عدة سنين، لم أجرؤ على الإتصال به خاصة أن زوجته كانت تعرف أنني كنت سأكون زوجته لو اختلفت الظروف، ذات يوم رن الهاتف و لحدود كتابة هذه السطور لازلت أحفظ رقمه عن ظهر قلب، سألته عن أحواله، فبدأ بالبكاء و بدأ يحكي لي أنه عاد من الموت، أصيب بورم حميد داخل نخاعه الشوكي، كان قد أخبرني عنه قبلا، لكن ما لم نتوقعه هو أن يكبر حجمه و يصاب أول حب بحياتي بالشلل النصفي لدرجة أنه كانت توضع له الحفاظات، لكن ما جعلني أبكي بهستيرية هو أن زوجته ضاقت به ذرعا و بدأت تضربه، و تتركه بحفاظات مليئة بالفضلات و لا تغير له ملابسه، حتى أنه إضطر أن يطلب من أخته المجيء للإهتمام به، عجبا كيف لهذه السيدة التي كانت تكبره سنا و تدعي أنها تحبه، و أنجبت منه طفلتين جميلتين أن تعامله بنذالة و أن تتجرد من إنسانيتها بهذا الشكل الفاضح، قلت له ماذا فعلت بعد أن إستعدت عافيتك و عملك، قال لي أنا أعشق إبنتاي و عانيت من زيجتي، لذلك تركتها زوجة لي في الأوراق فقط حتى لا تتضرر نفسية بناتي، و أنا الآن أعيش حياتي و هي خارجها تماما، يااااه كل منا اختار طريقه و لكننا كلانا لم نعد أولئك الشباب المفعمين بالحياة و العاطفة و الأمل بل تحولنا لآلات بشرية قاسية...


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...