خالد صالح عطية - مفارقة الحرب على إيران: حين تكشف القوة حدود النظام الإقليمي

نادراً ما تسير الحروب الكبرى وفق الأهداف التي يعلنها صانعوها. فالتاريخ يعلمنا أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تتحكم دائماً في النتائج النهائية للصراعات. كثير من الحروب التي شُنّت بهدف فرض الاستقرار أو إعادة تشكيل موازين القوى انتهت إلى نتائج معاكسة لما أراده مخططوها. والحرب الدائرة اليوم حول إيران قد تكون مثالاً جديداً على هذه المفارقة.

لكن فهم ما يجري اليوم لا يكتمل إذا جرى النظر إلى الحرب على إيران بوصفها مواجهة معزولة. فهذه الحرب تأتي في سياق لحظة أوسع من الانكشاف الاستراتيجي بدأت ملامحها تظهر بوضوح منذ حرب غزة. فالحرب التي استمرت هناك لأكثر من عامين لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحركة مقاومة في مساحة جغرافية صغيرة، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لكثير من المعادلات التي حكمت المنطقة لعقود. فقد أظهرت غزة حدود القوة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة مجتمع صغير ومحاصر، وكشفت في الوقت نفسه هشاشة النظام الدولي وعجزه عن وقف حرب إبادة تُبث صورها يومياً على شاشات العالم. لكن الأهم أن تلك الحرب كشفت أيضاً حدود النظام الإقليمي نفسه: غياب قدرة عربية جماعية على التأثير في مسار الأحداث، واعتماد المنطقة على موازين قوة خارجية لإدارة صراعاتها.

واليوم، مع انتقال المواجهة إلى مستوى إقليمي أوسع عبر الحرب على إيران، يبدو أن عملية الانكشاف نفسها تتوسع لتطال بنية النظام الأمني الذي حكم الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.
منذ نهاية حرب 1973 بنت إسرائيل مكانتها الإقليمية على فرضية مركزية تقوم على التفوق العسكري الساحق وقدرة الردع التي تمنع خصومها من نقل الحرب إلى عمقها الجغرافي. هذه المعادلة لم تكن قائمة فقط على القوة العسكرية المباشرة، بل أيضاً على منظومة تكنولوجية متقدمة من أنظمة الدفاع الصاروخي، إضافة إلى دعم أمريكي سياسي وعسكري غير محدود.

لكن ما تكشفه المواجهة الحالية أن الردع ليس معادلة تقنية فقط. فاستمرار وصول الصواريخ الإيرانية إلى العمق الإسرائيلي، رغم منظومات الدفاع المتطورة، يشير إلى حدود القدرة على منع الخصم من نقل الصراع إلى الداخل الإسرائيلي. وهذا لا يعني انهيار التفوق العسكري الإسرائيلي، لكنه يكشف أن القدرة على تحييد الحرب عن الداخل الإسرائيلي ليست مطلقة كما كان يُعتقد.

والأهم أن هذه المواجهة تعيد إبراز حقيقة أساسية في ميزان القوة في المنطقة: أن القوة الإسرائيلية لا تعمل بمعزل عن منظومة التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري النوعي، تعتمد في النهاية على المظلة الأمريكية لضمان تفوقها الاستراتيجي واستمرار قدرتها على إدارة صراعات بهذا الحجم.

لكن الانكشاف الأعمق في هذه الحرب يتعلق بطبيعة النظام الأمني الذي تشكل في الخليج خلال العقود الأربعة الماضية. فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة قُدمت لعقود باعتبارها جزءاً من منظومة حماية أمنية توفر مظلة ردع للدول الخليجية في مواجهة التهديدات الإقليمية.

غير أن ما يجري اليوم يكشف جانباً مختلفاً من هذه المعادلة.

فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج لم يتشكل أساساً كتحالف دفاعي ملزم لحماية الدول المضيفة، بل كجزء من شبكة القوة العالمية الأمريكية. فمنذ إعلان عقيدة كارتر عام 1980 اعتُبرت منطقة الخليج مجالاً حيوياً للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بأمن الطاقة وحرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية. ومنذ ذلك الوقت تطورت شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بوصفها أدوات لإدارة هذه المصالح وضمان السيطرة على المجال الاستراتيجي للمنطقة.

لكن المفارقة التي تكشفها الحرب اليوم أن هذه القواعد، التي قُدمت باعتبارها عنصر استقرار، أصبحت جزءاً من مسرح العمليات العسكرية نفسه. فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق والمنطقة باتت بالفعل تحت نيران الصواريخ الإيرانية، وتحولت من رمز للحماية إلى أهداف مباشرة للصراع.

وهذا التحول يكشف حقيقة بنيوية في النظام الأمني الخليجي: فالوجود العسكري الأجنبي لا يلغي المخاطر بقدر ما يعيد توزيعها. وفي لحظات التصعيد الكبرى قد يتحول إلى عامل يزيد من هشاشة البيئة الأمنية بدلاً من أن يحصنها.

هذه التطورات تضع مفهوم الأمن الخليجي كما تشكل خلال العقود الماضية أمام اختبار صعب. فقد بُني هذا المفهوم إلى حد كبير على افتراض أن الحماية الخارجية يمكن أن تعوض غياب منظومة أمن إقليمية مستقلة. لكن الحرب الحالية تظهر أن الاعتماد الكامل على المظلات الخارجية قد لا يوفر الاستقرار الذي كان يُفترض أنه يضمنه.

فالقواعد العسكرية الأجنبية، حين تتحول إلى أهداف للصراع، تصبح جزءاً من المشكلة الأمنية بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
لكن الانكشاف الأكبر في هذه الحرب قد لا يتعلق بإسرائيل أو الخليج وحدهما، بل بغياب إطار عربي قادر على إنتاج توازن مستقل في المنطقة. فالنظام العربي الذي كان يفترض أن يشكل إطاراً سياسياً وأمنياً جامعاً للدول العربية تراجع دوره تدريجياً خلال العقود الماضية، حتى أصبحت المنطقة ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.

وفي غياب توازن عربي فعال تحولت المنطقة إلى فراغ جيوسياسي تتحرك داخله مشاريع متعددة: إيرانية وتركية وإسرائيلية ودولية. ومع كل أزمة كبرى يتضح أن المشكلة الأساسية ليست فقط في صعود هذه المشاريع، بل في غياب قوة عربية قادرة على إنتاج توازن إقليمي مستقل.

الحرب على إيران لا تقتصر آثارها على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى التوازنات العالمية أيضاً. فالصراع الجاري يحدث في لحظة انتقالية يعيشها النظام الدولي، حيث يتداخل التنافس بين القوى الكبرى مع النزاعات الإقليمية.
ومن هذه الزاوية تبدو روسيا واحدة من المستفيدين غير المباشرين من هذه الحرب. فاضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار يعيدان فتح المجال أمام النفط الروسي للتدفق إلى الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإيرادات التي تدخل الخزانة الروسية في لحظة تخوض فيها موسكو صراعاً طويلاً مع الغرب.

أما الصين، فإن مكاسبها تبدو أكثر تعقيداً وأبعد مدى. فبكين لا تنظر إلى الشرق الأوسط فقط بوصفه ساحة صراع، بل بوصفه عقدة مركزية في شبكة التجارة والطاقة العالمية التي يعتمد عليها اقتصادها. ومع انشغال الولايات المتحدة في صراعات إقليمية طويلة، تجد الصين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والتجاري في مناطق أخرى من العالم.

كما أن أي استنزاف طويل للقدرات الأمريكية في الشرق الأوسط قد يمنح بكين هامش حركة أوسع في إدارة صراعها الاستراتيجي مع واشنطن في آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما يجعل الحرب الحالية جزءاً من لوحة أوسع تتداخل فيها المنافسة بين القوى الكبرى مع صراعات الإقليم.

لكن تطورات الأيام الأخيرة للحرب أضافت بعداً جديداً إلى هذا المشهد. فاغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من قيادات الصف الأول في الضربة الأولى للحرب لم يؤدِّ إلى انهيار النظام كما كان متوقعاً، بل أدى إلى نتيجة معاكسة جزئياً. فقد أسفرت تلك الضربة عن صعود جيل أكثر تشدداً داخل بنية السلطة الإيرانية، تجسد في انتقال القيادة إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي أعلن في أول خطاب له استمرار الحرب واستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة باعتبارها جزءاً من مسرح العمليات.

هذه النتيجة تعيد إنتاج نمط تاريخي معروف في الحروب الكبرى: فمحاولات “قطع الرأس” التي تستهدف تفكيك الأنظمة السياسية قد تؤدي أحياناً إلى العكس، أي إلى صعود قيادات أكثر تشدداً وأقل ميلاً للتسويات. ومع صعود هذا التيار داخل المؤسسة الإيرانية، بدأت الحرب تأخذ طابعاً أكثر اتساعاً، حيث أصبحت القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق أهدافاً مباشرة للضربات الإيرانية، وهو ما أدى إلى توسيع نطاق المواجهة الإقليمية وتعريض البنية الأمنية التي أقامتها الولايات المتحدة في المنطقة منذ عقود لاختبار غير مسبوق.

وفي الوقت نفسه بدأت تظهر انعكاسات دولية لهذا التصعيد، خصوصاً في مواقف القوى الكبرى داخل مجلس الأمن. فقد بدأت موسكو تتحدث بلهجة مختلفة نسبياً، معتبرة أن استهداف القواعد الأمريكية التي تشارك في العمليات العسكرية ضد إيران يمكن تفسيره في إطار مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة.

هذا التحول في الخطاب الدبلوماسي الروسي لا يمنح إيران غطاءً سياسياً كاملاً، لكنه يعكس اتجاهاً متزايداً لدى بعض القوى الكبرى إلى تفسير الحرب الجارية بوصفها نزاعاً دولياً مفتوحاً، وليس مجرد عملية عسكرية محدودة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الحرب الحالية تحمل دلالات أكثر تعقيداً مما يبدو في ظاهرها. فهذه المواجهة لا تأتي في فراغ، بل بعد أكثر من عامين من الحروب المتواصلة التي خاضتها على أكثر من جبهة: غزة، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران. وعلى الرغم من التفوق العسكري الواضح لإسرائيل، فإن اتساع نطاق هذه الحروب يكشف أيضاً حجم التحول الذي طرأ على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

فمنذ تأسيسها قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مبدأ مركزي يقوم على الحسم السريع ونقل الحرب إلى أراضي الخصوم، لأن إسرائيل، بحكم مساحتها الصغيرة وبنية مجتمعها واقتصادها، لا تستطيع تحمل حروب استنزاف طويلة. غير أن الحروب المتعددة التي تخوضها اليوم تشير إلى أن هذا النموذج يواجه تحدياً متزايداً. فالحرب في غزة استمرت لأكثر من عامين دون حسم نهائي، والجبهات الأخرى تفتح تباعاً في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، بينما أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة قادرة على نقل المواجهة إلى الداخل الإسرائيلي بصورة متكررة.

ويتقاطع ذلك مع التحولات السياسية داخل إسرائيل نفسها، حيث أدى صعود اليمين القومي والديني المتشدد إلى إعادة صياغة الرواية التي تفسر بها الدولة صراعاتها في المنطقة. فهذه التيارات لا تنظر إلى الصراع بوصفه نزاعاً سياسياً قابلاً للتسوية، بل باعتباره مواجهة تاريخية طويلة تتعلق بهوية الدولة ودورها في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق تُقدَّم الحرب على إيران داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي بوصفها جزءاً من معركة أوسع مع ما يسمى “محور التهديدات”.

لكن المفارقة أن اتساع الحروب التي تخوضها إسرائيل في الوقت نفسه قد يعزز رواية القوة داخلياً، لكنه يكشف أيضاً حدود القدرة على تحقيق حسم سريع في بيئة إقليمية تتسم بتعقيد متزايد، وهو ما يجعل هذه الحرب اختباراً مزدوجاً: ليس فقط لقدرة إيران على الصمود، بل أيضاً لقدرة إسرائيل على الحفاظ على نموذجها التقليدي في إدارة الحروب

ربما تكمن الدلالة الأعمق للحرب الحالية في أنها لا تختبر إيران وحدها، بل تختبر النظام الأمني الذي تشكل في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. هذا النظام قام على معادلة واضحة: إسرائيل كقوة ردع عسكرية متفوقة، والولايات المتحدة كضامن أعلى للاستقرار، والخليج كمركز طاقة عالمي، في ظل غياب نظام عربي قادر على إنتاج توازن مستقل.

غير أن الحرب الجارية تكشف أن هذه المعادلة نفسها لم تعد تعمل بالطريقة التي استمرت بها لعقود.

في هذا السياق يمكن فهم المفارقة الأساسية للحرب الحالية. فالمواجهة التي شُنت بهدف تقليص نفوذ إيران قد تنتج نتائج معاكسة تماماً. فالضغط العسكري الخارجي قد يعزز التماسك الداخلي للنظام الإيراني، وقد يدفعه إلى تسريع تطوير قدراته العسكرية وربما إعادة النظر في عقيدته النووية.

وفي الوقت نفسه تكشف الحرب حدود القوة العسكرية في إدارة صراعات الشرق الأوسط. فالحروب التي تبدأ بهدف إعادة فرض النظام غالباً ما تنتهي بكشف هشاشته.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو من سينتصر في هذه الحرب، بل ما الذي ستكشفه نتائجها عن طبيعة النظام الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط طوال العقود الماضية.

فالحرب التي شُنت لإعادة تثبيت موازين القوة قد تنتهي بكشف حدودها جميعاً. وفي مثل هذه اللحظات لا تتغير نتائج الحروب فقط، بل تتغير أيضاً الطريقة التي يفهم بها الجميع معنى القوة نفسها.

فالقوة، مهما بلغت، قد تفرض وقائع جديدة على الأرض، لكنها لا تستطيع دائماً أن تتحكم في المسار الذي يأخذه التاريخ بعد اندلاع الحروب .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...