التَّحكُّم في البشر والشجر والحجر!

المقصود ب"التَّحكُّم" في عنوان هذه المقالة، هو السيطرة على الأمور الدنيوية حسب ما تُمليه إرادةُ أو مشيئة شخصٍ ما أو جماعة من الأشخاص أو على مستوى بلدٍ (دولة). وبعبارة أخري، "التَّحكُّم" هو بسط النُّفوذ أو تسليط الاستبداد la tyrannie والهيمنة l'hégémonie، كُرهاً على ألآخرين (ضد إرادتِهم). وعندما أقول "التَّحكُّم في البشر والشجر والحجر"، فالمقصود هو السيطرة المطلقة على البلاد والعباد، أو الاستبداد المطلق، أبى مَن أبى وكره مَن كره. وبعبارة أخرى، دون أن يكونَ للمُسيطَر عليهم ردُّ فعلٍ أو ملاحظات أو تعبيرٌ عن الرأي…

و"التَّحكُّم"، بمعناه المطلق، هو نوعٌ من تسليط أو مُمارسة الظلمِ على الأخرين، دون أن تُتاح لهم الفرصةُ للتعبير عن ما قد يلحق بهم من ضرر أو خسارة.

ولعل أحسنُ مثالٍ يُساق، في هذا الصدد وبالنسبة للماضي، هو غطرسة فرعون وطُغيانه الممارس على بني إسرائيل، والوارِد في القرآن الكريم. وغطرسةُ فرعونَ وطغيانُه دفعاه إلى ادِّعاء الألوهية قائلاَ، في الآية رقم 24 من سورة النازعات "أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى"، وفي الآية رقم 38 من سورة القصص "مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي".

أما بالنسبة لعصرِنا الحاضر، مَن يدَّعون "الفرعونية" le despotisme أو مَن بنوا نظامَ حُكمهم على الاستبداد، أفراداً وجماعاتٍ ودولاً، كانوا موجودين في جميع القارات، ولا يزال هذا الوجود منتشِرا، إلى يومنا هذا، هنا وهناك. لكنه اختفى كليا من القارة الأوروبية، غرباً، ومن شمال القارة الأمريكية (كندا والولايات المتحدة) ومن بعض دول نفس القارة جنوباً. وسببُ اختفاء نظام الحكم الاستبدادي، هو تعويض هذا الاستبداد بنظام حكم عادل، أي نظام حكم ديمقراطي.

بالنسبة للاستبداد الفردي، خير مثالٍ يمكن سياقُه، في هذا الصدد، هو النظام الإقطاعي le système féodal الذي كان يعتمد على ملكية الأراضي الفلاحية من طرف الأغنياء واستغلالُ عامة الناس ( الفقراء، الضعفاء) تحت الضغط والإكراه، أي بدون أن تُصانَ كرامتُهم، وبعبارة أخرى، حرمانُهم من أبسط حقوقِهم المشروعة.

وبالنسبة للجماعات، خير مثالٍ يمكن سياقُه، في هذا الصدد، هما جماعة الإخوان المسلمين وجماعة السلفيين. الإخوان المسلمون هي جماعةٌ دعوية، وفي نفس الوقت، سياسية، أي تسعى للوصول إلى كراسي السلطة، من أجل إصلاح الأفراد والمجتمع الذي يعتبرونه منحرِفا عن الدين الإسلامي، كما فهموه، هم ومَن سار على نهجهم. أما السَّلفيون، فهم، كذلك سياسيون يسعون للوصول إلى السلطة، لكن اعتمادا على قواعد وأحكام "السلف الصالح" الذي يدَّعون أن كل أعضائه صالحون. وهذا غير صحيح على الإطلاق. وبعبارة أوضح، السلفيون يريدون عودةَ نظام الحكم المعتمد على الخلافة، أي الدولة الدينية التي تستمِد قوانينَها من الشريعة، كما هو الشأن في أفغانستان.

أما بالنسبة للدول، فحدِّث ولا حرج. غير أن الدول المستبدة، هي نفسُها انتقلت من مُمدرسة العنف الجسدي la violence physique إلى العنف المعتمِد على التَّلاعب بعقول الناس la manipulation des ،esprits بطرق مختلفة، يأتي على رأسِها مراقبة الأشخاص عبر مختلف الوسائل التكنولوجية. كما تعتمد هذه الدول المستبدة على الحد من الحريات الفردية والجماعية كحرية التعبير عن الآراء وحرية الصحافة والإعلام بجميع أشكاله. كما تلجأ الدول المستبدة إلى استغلال النفوذ l'abus de pouvoir بسَنِّ قوانين مُجحِفة تحد من حرية الفكر والتعبير. كما تنفثُ السمومَ الإيديولوجية في عقول الناس، وبالتالي، تجعل منهم أشخاصا مُنمَّطين des personnes stéréotypées يفكرون حسب نمطٍ يخدم مصالحَ الحكَّام المستبدين.

وخير مثالٍ يمكن سياقه، في هذا الصدد، هي دُول الصين، كوريا الشمالية وحكام الجزائر وبلدان كثيرة متموقِعة، على الخصوص، في القارة الأفريقية وجنوب القارة الأمريكية ومناطق أخرى من القارة الاسيوية حيث يمكن إعطاء أمثلة ترتكز فيها السلطة في يد شخص واحد أو في يد جماعة من الأشخاص أو في يد حزبٍ سياسي كما هو الشأن في الصين وروسيا وبعض دول أوروبا الشرقية.

في هذه المقالة، سأصب اهتمامي على حكَّام الجزائر، باعتبار نظام حكم هذه الأخيرة، نظامُ حكمٍ عسكري مُستبد بواجهة مدنية. لماذا قلتُ "بواجهة مدنية"؟

لأن الحاكمَ الفعلي هم العسكر، وبالضبط، الضباط السامون من رتبة "جنرال". هؤلاء الجنرالات، هم المالك الفعلي للسلطة، علما أن كل المؤسسات السياسية من رئاسة الجمهورية والحكومة والوزراء والبرلمان والأحزاب السياسية ليسوا إلا هيئات صورية فارغة من كل شرعية ولا تتحرَّك إلا بمشيئة الجنرالات. وهذه السيطرة على دواليب الحكم تعني أشياء كثيرة، أذكر من بينها :

1.العسكر هو المحرك الأساسي للحياة السياسية بالجزائر، وهو، كذلك، المصدر الحقيقي والوحيد لجميع القرارات،

2.المخابرات الجزائرية لها عينٌ على وسائل الإعلام وعلى الطبقة السياسية وعلى المجتمع. وكل مَن خالف قرارات العسكر يُقابل بالقمع وقد تُحاك له قضية يذهب على إثرها للسجن تحت طائلة الإرهاب.

3.اللجوء إلى التخويف ثم القمع. الحد من الحريات الفردية والجماعية كمنع السفر ومنع المظاهرات les manifestations وإسكات الأصوات المُعارِضة…

4.اللجوء إلى الزبونية le clientélisme. حكم العسكر في حاجة ماسة لإرساءِ قواعده داخلَ المجتمع الجزائري. حينها، اختار زبائنَه من داخل هذا المجتمع وأغدق عليهم، بسخاءٍ، بالريع وبوظائف شكلية وبعائدات قارة دون بدل أي جهد…

5.اللجوء إلى كفاح الشعب الجزائري من أجل استقلال البلاد واسطورة المليون ونصف من الشهداء لتقوية سيطرته على الشعب الجزائري…

6.اللجوء إلى استغلال الفوارق السياسية بين أطياف الشعب الجزائري لبسط نفوذه على الشعب الجزائري…

7.اللجوء إلى الشعبوِية le populisme لكسب ثقة السواد الأعظم من الشعب الجزائري…

8.اللجوء إلى التلاعب بالحقيقة وإلى تحريفها لتبدو وكأنها صادرة عن الحكومة التي ليست إلا واجهة مدنية تخفي الوجه الحقيقي للطغمة الحاكِمة…

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...