فاتن صبحي - نهر من العطاء وخريف بلا أمان

في مجتمعاتنا نساء كثيرات أفنين أعمارهن داخل بيوت ظننها المرفأ الأخير لهن. سنوات طويلة من السهر على الأبناء ورعايتهم وتنظيم شئون البيت، وتخلين عن عملهن وطموحاتهن من أجل استقرار الأسرة. امرأة تنازلت كثيرًا عن أحلامها لتعوض بها راحة من حولها، وظنت أن ماتمنحه من عمرها سيعود يومًا تقديرًا وأمانًا.
لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض هؤلاء النساء يجدن أنفسهن بعد أن يكبر الأبناء وتتغير الظروف أمام واقع قاسٍ. فبعد انتهاء دور الحضانة والرعاية واستقلال الأبناء بحياتهم، قد تنتهي العلاقة الزوجية بالإنفصال ، لتكتشف المرأة أنها لم تعد تملك حماية قانونية واضحة تحفظ لها حق السكن أو الأمان الذي عاشت من أجله سنوات طويلة.
لقد سُنت قوانين لتنظيم شئون الأسرة، مثل قوانين النفقة والحضانة ومسكن الحضانة، وهي قوانين مهمة تهدف أساسًا إلى حماية الأطفال واستقرارهم. لكن هذه الحماية ترتبط غالبًا بوجود الأبناء القُصر، فإذا انتهت الحضانة سقط حق البقاء في مسكن الزوجية. وهنا تظهر فجوة قانونية واضحة: امرأة قد تكون قضت ثلاثين أو أربعين عامًا في خدمة أسرتها، وتركت العمل من أجل بيتها، ثم تجد نفسها بعد الانفصال بلا مصدر دخل ثابت ولا ضمان يحميها من قسوة الحاجة أو خطر التشرد.
إن العمل المنزلي الذي تقوم به المرأة طوال سنوات الزواج عمل حقيقي مغلف بالحب والتفاني، وإن كان غير مدفوع الأجر. فهو الجهد الذي يقوم عليه استقرار الأسرة وتربية الأجيال ومع ذلك يبقى هذا العطاء في كثير من الأحيان خارج الحسابات والتقديرات الاقتصادية أو الحماية القانونية.
ولا ينبغي أن يُفهم من طرحي لهذه القضية تحميل الزوج وحده عبئها فكما تقدمت هي في العمر فقد تقدم هو أيضًا، وكلاهما قد يواجه ظروفًا صعبة. لكن المسألة أوسع من علاقة ، فهي مسئولية مجتمع ودولة. فالدولة في جوهرها تحمل على عاتقها حماية مواطنيها، والمرأة مواطنة قبل أن تكون زوجة أو أمًا.
هذه المرأة التي أفنت سنوات عمرها في تربية أبنائها لم تكن تخدم أسرتها فقط، بل كانت تساهم في بناء المجتمع نفسه. فمن بين هؤلاء الأبناء يخرج المعلم والطبيب والمهندس والعامل الذي يقوم عليه بناء الوطن. ولذلك يصبح من حقها على المجتمع والدولة أن تنظر إلى تاريخ عطائها الأسري، وأن توفر لها حدًا من الأمان والكرامة في الباقي من عمرها.
ومن ناحية الجانب الأخلاقي تبقى الحقيقة مؤلمة أيضًا: فالدين الذي شرع الزواج وجعله قائمًا على المودة والرحمة لا على القسوة أو الاستعلاء. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وجعل حسن المعاشرة جزءً من كمال الأخلاق و مكارمها. لذلك يبقى السؤال مطروحًا: ما قيمة العبادات إذا لم تنعكس رحمة وعدلًا في سلوك الإنسان مع أقرب الناس إليه؟
إن القضية في جوهرها ليست صراعًا بين الرجل والمرأة، بل هي سؤال عن العدالة داخل الأسرة والمجتمع. فالبيت الذي بُني على سنوات من التضحية لا ينبغي أن ينتهي إلى شعور امرأة بأنها أصبحت بلا مأوى في العمر الذي كان يفترض أن تنعم فيه بالطمأنينة.
ولذا أصبح ضروريًا أن يتجه الوعي الاجتماعي والقانوني إلى سد هذه الفجوة، عبر توفير مظلة قانونية أو اجتماعية تضمن الكرامة للمرأة التي أفنت عمرها في خدمة أسرتها. فالمجتمعات التي تقدر مواطنيها لا تترك من أعطى عمره يواجه خريف العمر بلا سند.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المجتمع على نفسه:
هل يكفي أن تعطي المرأة عمرها للأسرة، أم أن من حقها أيضًا أن تجد في نهاية الطريق تقديرًا يحفظ كرامتها وأمانها؟
فاتن صبحي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...