بين الحيرة والسواء: قراءات نفسية في نصوص أدبية

بين الحيرة والسواء: قراءات نفسية في نصوص أدبية
أحمد رجب شلتوت
يتعامل كتاب "الشخصية الحائرة بين السواء والاضطراب النفسي"، للدكتور "خالد محمد عبدالغني" (الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2026) مع النص الأدبي باعتباره مرآة للنفس الإنسانية بما يعتمل فيها من صراعات ورغبات مكبوتة وتوترات خفية، لذلك اختار النقد النفسي منهجا لقراءة عددا من النصوص الإبداعية، محاولاً أن يستكشف من خلالها البنية النفسية للشخصيات، وأن يتلمس مناطق التوتر بين التوازن النفسي والاضطراب في التجربة الإنسانية.
خرافة السواء
يثير العنوان سؤالا عن الحدود فاصلة بين السواء والاضطراب النفسي، ويجيب الكتاب بأن "السواء خرافة"، وأن الفرق بيننا وبين أبطال الروايات ليس في نوع الاضطراب النفسي، بل في درجته فقط، لذلك بدأ الكتاب بمدخل نظري أشار فيه إلى تطور التحليل النفسي، منذ فرويد وحتى كارل يونج وجاك لاكان. وأوضح أنه لا يتقيد بنموذج نظري واحد، بل ينتقي من مدارس التحليل النفسي المختلفة ما يراه مناسباً لتحليل النصوص، ومن ثمّ نجد في قراءاته حضوراً لمفاهيم مثل اللاشعور والكبت وعقدة أوديب والنرجسية والرمز والحلم.
الشخصية الحائرة
يقصد الكتاب بالشخصية الحائرة، تلك الشخصية التي تعيش في منطقة وسطى بين الاستقرار النفسي والاضطراب، ويتعامل مع هذه الحيرة باعتبارها سمة إنسانية عامة تعكس طبيعة الحياة في عالم مضطرب، فالكاتب يرى أن الشخصية الأدبية ، غالباً ما تكون ساحة لصراع داخلي بين قوى متعارضة، بين العقل والغرائز، بين المثال والواقع، وهذا الصراع هو الذي يمنحها عمقها الدرامي ويجعلها قابلة للتحليل النفسي.
ومن هنا يقرأ الشخصية الأدبية بوصفها بنية نفسية، يكشف تحليل سلوكها ودوافعها عن طبقات عميقة في النص، ولذلك يتتبع المؤلف الملامح النفسية للشخصيات، مخاوفها، رغباتها، عقدها، علاقاتها بالآخرين، وطبيعة الصراعات التي تعيشها. ومن خلال هذا التتبع يحاول أن يفسر كثيراً من الأفعال أو المواقف التي قد تبدو غامضة في ظاهرها، فتردد الشخصية تناقضها قد يراه التحليل النفسي تعبيراً عن صراع بين الرغبات المكبوتة والقيود الاجتماعية. كما أن بعض الأفعال العنيفة أو غير المتوقعة قد تُقرأ بوصفها انفجاراً لطاقات نفسية ظلت مكبوتة لفترة طويلة، وهكذا يتجاوز الكتاب القراءة السطحية للأحداث إلى تحليل البنية النفسية التي تحركها.
بانوراما نقدية
بتتبع الكتاب حضور الشخصية الحائرة عبر أجناس أدبية مختلفة، مما يمنحه الكتاب طابعاً بانورامياً، فيركّز في مقارباته لنماذج روائية على تحليل الشخصيات بوصفها كيانات نفسية معقدة تعكس صراعات المجتمع. وفي قراءته لبعض روايات نجيب محفوظ، يربط بين مقالات محفوظ المبكرة في علم النفس والفلسفة وبين شخصياته الحائرة مثل كامل رؤبة لاظ في "السراب" أو سعيد مهران في "اللص والكلاب". وعن رواية "بداية ونهاية"، ليثبت أن محفوظ قد سبق علماء النفس في فهم الدوافع المعقدة خلف ظاهرة البغاء، ممثلة في شخصية "نفيسة"، حيث حلل تأثير صورة الجسد واضطراب العلاقة الأسرية كعوامل حاسمة في تشكيل المصير.
وفي مقارباته لنماذج من النوفيلا، حيث يعتمد السرد على حدث مركزي يكشف عن أزمة وجودية أو نفسية، يركز على لحظات التوتر الحاد في حياة الشخصية ( كما في شارع بسادة، وحالة شجن)، وفي نقده للقصة القصيرة، حيث تتكثف التجربة الإنسانية في لحظة سردية واحدة، يقرأ الرموز والدلالات المختزلة التي تحملها النصوص القصصية، أما عن الشعر، فالكاتب يرى أن القصيدة قريبة في طبيعتها من الحلم، بما تتضمنه من صور واستعارات وإيحاءات.
وهو عموما يهتم بتحليل الرموز في النصوص الأدبية. فالرمز، في نظره، يمثل وسيلة ينفذ من خلالها اللاشعور إلى اللغة، فالمرآة، مثلاً، قد تتحول في النص الأدبي إلى رمز للنرجسية أو إلى وسيلة لمواجهة الذات. واللون قد يحمل دلالات نفسية تشير إلى حالات من الفرح أو الحزن أو القلق. كما أن الأحلام أو المشاهد الفانتازية قد تكشف عن رغبات أو مخاوف مكبوتة. وهكذا يبين كيف يمكن للغة الأدبية أن تخفي معانيها الحقيقية خلف شبكة من الرموز، بحيث يصبح النص فضاءً مفتوحاً لتعدد القراءات.
وعلى الرغم من القيمة الكبيرة للكتاب إلا أن القارىء يلاحظ أن بعض المقاربات تحولت إلى تطبيق آلي لمفاهيم فرويدية كلاسيكية (كعقدة أوديب والنرجسية) دون الاستفادة الكافية من التطورات الحديثة في نظريات التحليل النفسي.
وأخيرا يمتاز الكتاب بنظرته إلى النص الأدبي بوصفه وسيلة لاكتشاف الذات وفهم النفس البشرية، وبالتالي يصبح أداة لاستكشاف العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي من منظور تطبيقي وفني في الوقت نفسه. ويعد امتدادا جيدا لجهود أسلافه مصطفى سويف وشاكر عبد الحميد ويحيى الرخاوي، في قراءة الأدب من منظور نفسي.
















تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...