المحامي علي أبو حبلة - جمال ريان… من طفولة طولكرم إلى أثير العالم

سيرة إعلامي فلسطيني ترك بصمة راسخة في الإعلام العربي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

برحيل الإعلامي الفلسطيني البارز جمال ريان، يودّع الإعلام العربي واحدًا من أبرز أصواته المهنية التي أسهمت في تشكيل ملامح الخطاب الإعلامي العربي المعاصر على مدى أكثر من خمسة عقود. فقد شكّل الراحل نموذجًا للإعلامي الذي جمع بين الرصانة المهنية والالتزام بقيم الحقيقة والموضوعية، وظل صوته حاضرًا في ذاكرة المشاهد العربي منذ انطلاق البث الفضائي العربي الحديث.

ينتمي جمال ريان إلى مدينة طولكرم في شمال الضفة الغربية، حيث وُلد عام 1953 ونشأ في بيئة اجتماعية محافظة، في أسرة كبيرة كان فيها الثالث عشر بين أربعة عشر أخًا وأختًا. وكان والده يعمل في الزراعة وتصدير الحمضيات إلى أوروبا، في صورة تعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في فلسطين قبل التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة.

ذكريات الطفولة والنشأة

عرفتُ الراحل جمال ريان منذ طفولتنا المبكرة في الحي الغربي من مدينة طولكرم، حيث كنا زملاء في الدراسة في مدارس المدينة حتى عام 1967. وقد كانت تلك السنوات شاهدة على ملامح شخصيته المبكرة؛ فقد عُرف بين أقرانه بالهدوء والجدية، وبفضوله المعرفي الذي كان يدفعه دائمًا إلى طرح الأسئلة ومتابعة الأخبار.

ومع اندلاع حرب حرب الأيام الستة وما رافقها من تحولات سياسية عميقة، اضطر جمال ريان مع عائلته إلى مغادرة طولكرم والتوجه إلى الأردن، شأنه شأن آلاف الفلسطينيين الذين غيّرت تلك الحرب مسار حياتهم. وكانت تلك التجربة القاسية من النزوح والاقتلاع أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل وعيه المبكر بالقضايا السياسية والإنسانية.

بداية الطريق في الإعلام

في الأردن بدأت ملامح مسيرته الإعلامية تتبلور، إذ التحق في سبعينيات القرن الماضي بالإذاعة الأردنية مذيعًا للأخبار، قبل أن ينتقل إلى التلفزيون الأردني. وخلال تلك المرحلة برز صوته الإذاعي الواضح وأسلوبه الهادئ في تقديم الأخبار، ما جعله سريعًا من الوجوه الإعلامية المعروفة لدى الجمهور.

ويروي الراحل في إحدى مقابلاته أنه بادر ذات يوم إلى طلب فرصة للعمل في التلفزيون، فكانت تلك الخطوة بداية انتقاله من العمل الإذاعي إلى الشاشة، حيث تعلّم قواعد العمل التلفزيوني وأساليب التقديم الاحترافي للنشرات الإخبارية.

تجربة دولية وتعدد ثقافي

في أواخر السبعينيات خاض ريان تجربة إعلامية دولية مهمة عندما انتقل للعمل في هيئة الإذاعة الكورية الجنوبية ضمن القسم العربي. وقد أتاحت له هذه التجربة التعرف إلى ثقافات مختلفة واكتساب خبرات إعلامية جديدة، كما تعرّف خلالها إلى زوجته الكورية التي اعتنقت الإسلام لاحقًا، وشكّلا معًا أسرة أنجبت ولدين.

وقد وصف ريان تلك المرحلة بأنها كانت محطة مهمة في حياته، إذ فتحت أمامه آفاقًا أوسع لفهم دور الإعلام كوسيلة للتواصل بين الشعوب والثقافات.

محطة الجزيرة والانطلاقة الأوسع

بعد سنوات من الخبرة المهنية في عدد من المؤسسات الإعلامية، جاءت المحطة الأبرز في مسيرته مع انطلاق قناة الجزيرة عام 1996، حيث كان أول مذيع يظهر على شاشتها ويقدم أول نشرة أخبار في تاريخها، معلنًا بداية مرحلة جديدة في الإعلام العربي الفضائي.

ومنذ تلك اللحظة ارتبط اسم جمال ريان بتاريخ القناة، وشارك في تقديم عدد من النشرات والبرامج السياسية والتحليلية التي واكبت أبرز الأحداث في المنطقة والعالم، محافظًا على أسلوبه المهني القائم على الدقة والهدوء والموضوعية.

المهنية والالتزام بالقضايا الإنسانية

تميّز الراحل بأسلوب إعلامي اتسم بالاتزان والرصانة، وكان حريصًا على نقل الأخبار وتحليلها وفق معايير مهنية تحترم عقل المشاهد. كما ظلّ مرتبطًا وجدانيًا بالقضية الفلسطينية، التي شكّلت جزءًا أساسيًا من اهتماماته المهنية والإنسانية.

وخلال مسيرته الإعلامية أجرى مقابلات مع عدد من الشخصيات السياسية الدولية، من بينها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، حيث عُرف بأسلوبه المهني الذي يجمع بين الصراحة والالتزام بقواعد الحوار الإعلامي. وفي تلك المقابلة كانت كلمته انتم اغتصبتم فلسطين وهجرتم أهلها وعائلتي منها

إرث إعلامي ممتد

على امتداد أكثر من خمسين عامًا من العمل الإعلامي، ترك جمال ريان بصمة واضحة في تطور الإعلام العربي، وأسهم في تكريس أسلوب مهني قائم على الدقة والموضوعية والتحليل المتوازن للأحداث. وقد شكّل حضوره على الشاشة نموذجًا لجيل من الإعلاميين الذين ساهموا في تطوير النشرة الإخبارية العربية في عصر الفضائيات.

كلمة وفاء

برحيل جمال ريان، تفقد الساحة الإعلامية العربية أحد الأصوات التي رافقت تحولات المنطقة خلال العقود الأخيرة.

بالنسبة لي، لم يكن جمال ريان مجرد إعلامي بارز عرفه الجمهور العربي، بل كان أيضًا زميل الطفولة والدراسة في مدينة طولكرم قبل أحداث عام 1967، حيث جمعنا المكان والذكريات الأولى.

رحم الله جمال ريان، الذي حمل فلسطين في وجدانه أينما حلّ، وترك إرثًا إعلاميًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة المهنة وفي وجدان المشاهد العربي لسنوات طويلة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...