خالد صالح عطية - عصر القوة العارية: الشرق الأوسط بعد سقوط قواعد النظام الدولي

عند قراءة الحروب في زمنها الحقيقي ينبغي دائماً التذكير بحقيقة منهجية أساسية: الحرب هي أكثر اللحظات التباساً في التاريخ. فالمعارك لا تُدار بالسلاح وحده، بل بالمعلومات أيضاً، وغالباً ما تتحول الرواية الإعلامية نفسها إلى جزء من أدوات الصراع.

ولهذا فإن ما يصل إلى الرأي العام خلال الحروب لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة لما يجري على الأرض، بل هو جزء من إدارة الصراع. فالدول المتحاربة تسعى عادة إلى التحكم في تدفق المعلومات بما يخدم أهدافها العسكرية والسياسية، سواء عبر التعتيم على بعض الوقائع أو عبر تضخيم وقائع أخرى في إطار الحرب النفسية.

وفي هذا السياق لا تبدو سياسات التعتيم الإعلامي التي تمارسها الدول أثناء الحروب استثناءً، بل جزءاً من منطق إدارة الصراع ذاته. وتاريخياً عُرفت إسرائيل، مثل كثير من الدول التي تخوض حروباً متكررة، بسياسة صارمة في ضبط المعلومات المتعلقة بالخسائر العسكرية أو الاقتصادية، وذلك بهدف الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع الخصوم من تحقيق مكاسب نفسية.

لهذا السبب يبقى تحليل الحروب في لحظتها الراهنة عملاً يجري دائماً داخل مساحة من الضبابية. فالمحللون والكتّاب يقرأون الاتجاهات العامة ومسارات الأحداث استناداً إلى ما يتوفر من معطيات جزئية، بينما تبقى الصورة الكاملة للحرب عادة رهينة الزمن، ولا تتضح إلا بعد أن تهدأ المعارك وتبدأ الوقائع الفعلية بالظهور بعيداً عن ضغوط الدعاية والحرب النفسية.

لكن هذه الضبابية المعلوماتية لا تلغي حقيقة أخرى مهمة: أن بعض الحروب تتحول إلى لحظات كاشفة لتحولات أعمق من المعارك نفسها. فهي لا تختبر موازين القوة العسكرية فقط، بل تكشف أحياناً حدود النظام السياسي والاستراتيجي الذي يحكم العلاقات بين الدول.

لكن فهم هذه اللحظة لا يكتمل دون العودة إلى نقطة مفصلية سبقتها: حرب غزة. فالحرب التي استمرت لأكثر من عامين لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى لحظة انكشاف مزدوج. فقد كشفت من جهة حدود القوة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة مجتمع صغير ومحاصر، ومن جهة أخرى كشفت عجز النظام الدولي عن فرض أي قيود على حرب إبادة تُبث وقائعها يومياً أمام العالم. وفي الوقت نفسه أظهرت هذه الحرب هشاشة النظام الإقليمي العربي وعجزه عن التأثير في مسار الأحداث، وهو ما جعلها لحظة تأسيسية لانكشاف أوسع يتجاوز حدود فلسطين ليطال بنية الإقليم كله.

في بعض اللحظات التاريخية لا تكون الحروب مجرد صراعات عسكرية بين أطراف متحاربة، بل تتحول إلى لحظات كاشفة لبنية النظام الدولي نفسه. فالحروب الكبرى لا تعيد توزيع القوة بين الدول فحسب، بل تكشف أيضاً حدود النظام الذي ينظم العلاقات بينها. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط قد يكون من هذا النوع من اللحظات؛ لحظة تختبر ليس فقط توازنات الإقليم، بل موقعه في نظام عالمي يمر بمرحلة انتقالية عميقة.

منذ نهاية الحرب الباردة تشكّل في الشرق الأوسط نظام أمني إقليمي واضح المعالم. فقد أصبحت الولايات المتحدة الضامن الأعلى للاستقرار الاستراتيجي في المنطقة، مستندة إلى شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية، بينما حافظت إسرائيل على موقعها كقوة عسكرية متفوقة تشكّل أحد أعمدة الردع في الإقليم. وفي الوقت نفسه بقي الخليج مركزاً للطاقة العالمية ومفصلاً حيوياً للاقتصاد الدولي.
بهذه المعادلة تشكّل النظام الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط طوال العقود الثلاثة الماضية.

لكن الحروب غالباً ما تكون اللحظة التي تختبر فيها هذه الأنظمة حدودها. فالمواجهة الجارية اليوم في المنطقة لم تعد مجرد صراع بين إيران وإسرائيل أو بين قوى إقليمية متنافسة، بل تحولت تدريجياً إلى اختبار أوسع لقدرة النظام الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة على الاستمرار بالشكل الذي عرفه العالم منذ مطلع التسعينيات.

تظهر هذه الحقيقة في أكثر من مستوى. فإسرائيل التي بنت عقيدتها الأمنية منذ تأسيسها على مبدأ الحسم السريع ونقل الحرب إلى أراضي الخصوم تجد نفسها اليوم في مواجهة بيئة إقليمية أكثر تعقيداً. فالحروب المتعددة الجبهات التي خاضتها خلال السنوات الأخيرة، من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران، تكشف أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها لم تعد تسمح بسهولة بإدارة الصراعات وفق النموذج التقليدي للحسم السريع.

ولا يعكس هذا التعدد في الجبهات مجرد اتساع رقعة الصراع، بل يشير إلى تحوّل أعمق في بنية الإقليم نفسه. ففي غياب نظام إقليمي قادر على ضبط التفاعلات، لم تعد الصراعات محصورة ضمن جغرافيا محددة، بل أصبحت تنتقل عبر شبكة مترابطة من الساحات، من غزة إلى لبنان والعراق واليمن والخليج. وهذا لا يعكس فقط استراتيجية عسكرية، بل اتساع فراغ جيوسياسي لم يعد هناك مركز قادر على احتوائه.

وفي الوقت نفسه تكشف الحرب الحالية حدود منظومة الردع التي قامت عليها معادلة الاستقرار الإقليمي. فاستمرار وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى العمق الإسرائيلي، رغم منظومات الدفاع المتقدمة، يشير إلى أن التكنولوجيا العسكرية وحدها لا تستطيع منع انتقال الحرب إلى الداخل. وهذا لا يعني انهيار التفوق العسكري الإسرائيلي، لكنه يوضح أن قدرة أي دولة على تحييد الحرب عن مجتمعها لم تعد مطلقة كما كان يُعتقد.

لكن الاختبار الأكبر لا يتعلق بإسرائيل وحدها، بل بالبنية الأمنية التي أقامتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. فقد بُني هذا النظام على فرضية واضحة: أن الوجود العسكري الأمريكي الواسع في المنطقة يشكّل مظلة ردع تمنع الحروب الكبرى وتضمن استقرار تدفق الطاقة العالمية. غير أن الحرب الحالية تكشف مفارقة مختلفة؛ فالقواعد العسكرية التي أُنشئت بوصفها أدوات لحماية الاستقرار الإقليمي أصبحت في لحظات التصعيد جزءاً من مسرح العمليات العسكرية نفسه.

إن استهداف هذه القواعد يكشف حقيقة بنيوية في النظام الأمني الذي حكم المنطقة طوال العقود الماضية: فالوجود العسكري الخارجي لا يلغي المخاطر دائماً، بل قد يعيد توزيعها. وفي بيئات إقليمية متوترة قد تتحول هذه القواعد من أدوات ردع إلى أهداف مباشرة للصراع.

لكن المفارقة الأعمق في هذه الحرب لا تتعلق فقط بميزان القوة، بل بطبيعة النظام الذي يُفترض أن ينظم استخدام هذه القوة. فالمواجهة الجارية لم تبدأ ضمن إطار قانوني دولي معترف به، بل جاءت عبر ضربات مباشرة استهدفت دولة ذات سيادة خارج أي تفويض أممي، وفي تجاوز واضح للقواعد التي قامت عليها منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

واللافت أن هذا التحول لا يكمن فقط في خرق هذه القواعد، بل في تراجع الحاجة إلى تبرير هذا الخرق. ففي مراحل سابقة كانت القوى الكبرى تحرص على إضفاء غطاء قانوني أو أخلاقي على تدخلاتها، حتى وإن كان شكلياً. أما اليوم، فيبدو أن العالم يدخل مرحلة مختلفة، حيث تتحول القوة من أداة تُبرر ضمن النظام إلى أداة تعيد تشكيله، أو حتى تتجاوزه.

وفي هذا السياق لا تكشف الحرب الجارية حدود النظام الإقليمي فحسب، بل تكشف أيضاً تآكل الأسس التي قام عليها النظام الدولي نفسه، حيث تصبح مفاهيم السيادة والقانون الدولي أقل قدرة على ضبط سلوك القوى الكبرى في لحظة انتقال تاريخي مفتوح على احتمالات متعددة.

لكن دلالة الحرب الحالية لا تقتصر على اختبار النظام الإقليمي وحده، بل تمتد أيضاً إلى موقع الشرق الأوسط في النظام الدولي الذي يشهد بدوره تحولات عميقة. وفي هذا السياق لا يمكن النظر إلى الطاقة بوصفها مجرد أداة ضمن الحرب، بل بوصفها أحد محركاتها الأساسية. فالخليج ليس ساحة جانبية للصراع، بل يمثل أحد أعمدة النظام الاقتصادي العالمي، وأي اضطراب فيه لا يضغط فقط على أطراف المواجهة، بل على استقرار الاقتصاد الدولي نفسه. ولهذا فإن اقتراب الحرب من هذه المنطقة يغيّر طبيعتها، من صراع إقليمي إلى أزمة عالمية محتملة.

فالعالم لم يعد يعيش اللحظة الأحادية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، بل مرحلة سيولة جيوسياسية تتصاعد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.

في هذا السياق تبدو الحرب الجارية في الشرق الأوسط جزءاً من لوحة أوسع تتداخل فيها التوازنات الإقليمية مع التحولات العالمية. فروسيا التي تخوض منذ سنوات صراعاً مفتوحاً مع الغرب في أوروبا الشرقية تجد في اضطراب أسواق الطاقة فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي، بينما تراقب الصين تطورات المنطقة من زاوية مختلفة؛ فهي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج وتدرك أن استقرار طرق التجارة والطاقة في هذه المنطقة يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لها.

وهكذا يتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى عقدة مركزية في التوازنات الدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع الصراعات الإقليمية في فضاء جغرافي واحد.

لكن ربما تكمن الدلالة الأعمق للحرب الحالية في أنها تكشف حدود القدرة العسكرية في إدارة الصراعات المعقدة. فالقوة قد تفرض وقائع جديدة على الأرض، لكنها لا تستطيع دائماً التحكم في النتائج النهائية للتاريخ. والتاريخ الحديث مليء بأمثلة على حروب شُنّت بهدف إعادة فرض النظام وانتهت بكشف هشاشته.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الحرب اليوم لا يتعلق فقط بمن سيربح أو يخسر في ساحة المعركة، بل بما إذا كانت هذه المواجهة تكشف حدود النظام الذي حكم الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. فالحروب الكبرى غالباً ما تكون لحظات انتقال تاريخي، لحظات ينكشف فيها أن النظام الذي بدا مستقراً لعقود لم يعد قادراً على العمل بالطريقة نفسها.

وإذا كانت المنطقة بالفعل تدخل مرحلة كهذه، فإن ما يجري اليوم قد يُقرأ مستقبلاً ليس فقط كحرب جديدة في الشرق الأوسط، بل كلحظة كشفت حدود نظام إقليمي ودولي تشكّل بعد الحرب الباردة وبدأ يقترب من نهاياته التاريخية.

وربما تكمن الدلالة الأعمق في أن هذه الحرب لا تجري داخل نظام مستقر، بل في لحظة يتفكك فيها هذا النظام دون أن يتشكل بعد بديل واضح. فالعالم لا يعيش فقط صراعاً بين قوى متنافسة، بل مرحلة انتقالية تتداخل فيها الفوضى مع محاولات إعادة التشكيل. وفي مثل هذه اللحظات لا تكون الحروب مجرد أدوات لحسم الصراعات، بل تصبح جزءاً من عملية أوسع يعاد فيها تعريف موازين القوة وقواعد النظام الدولي نفسه.

وفي مثل هذه اللحظات لا تتغير نتائج الحروب فقط، بل تتغير أيضاً الطريقة التي يفهم بها العالم معنى القوة وحدودها. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع نظاماً مستقراً إذا لم تسندها توازنات سياسية واقتصادية أوسع. ولهذا فإن الحروب الكبرى غالباً ما تكشف أن ما بدا لسنوات طويلة نظاماً ثابتاً لم يكن في الحقيقة سوى مرحلة مؤقتة في تاريخ أطول من التحولات.

ومن هذا المنظور قد تُقرأ الحرب الجارية في الشرق الأوسط مستقبلاً بوصفها أكثر من مواجهة إقليمية عابرة؛ فقد تكون إحدى اللحظات التي كشفت أن النظام الذي حكم المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة بدأ يصل إلى حدوده التاريخية، وأن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى عند مفصل انتقال قد يعيد رسم موازين القوة في الإقليم، وربما في النظام الدولي نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...