أمين الزاوي - ما سر هذه الغزارة في الكتابة الأدبية؟

ما الذي يتحكم في غزارة الكتابة وشحها؟

هناك جملة من العوامل الذاتية والاجتماعية والأدبية والسياسية التي تتحكم في غزارة الكتابة أو قلتها عند هذا الكاتب أو ذاك، فالأدب ساحة للمنافسة المقنعة والمعلنة في الوقت نفسه، وهذه المنافسة قد تكون محفزاً لكثرة الكتابة سعياً إلى جلب الانتباه ولفت الأنظار وتحريك الإعلام، لكنها قد تصبح فخاً حقيقياً وحاجزاً خطراً في وجه جودة الكتابة، فكلما كانت المنافسة دافعاً خارجياً من دوافع الأدب كانت الكتابة في معظمها سطحية يغلب عليها حس التهافت الذي يغرق في الاستسهال والتكرار والسطحية، ومن أسباب الغزارة في النشر والكتابة لدى كتاب اليوم يجيء عامل ضرورة الحضور الأدبي المتواصل، ففي المشهد الأدبي الفرنسي والأوروبي بعامة على الكاتب أن يكون حاضراً سنوياً بعنوان في الأقل وإلا نُسي اسمه في زحمة الأسماء الكثيرة والعناوين المتلاحقة المتسارعة، وهذا الذي يجعل من كاتبة مثل أميلي نوتومب تسجل حضورها سنوياً برواية أو أكثر، يتكرر ذلك ويتأكد منذ أزيد من ربع قرن، والشيء نفسه مع الكاتب الأكثر مبيعاً في فرنسا غيوم ميسو، والحال نفسها مع الكاتب الجزائري محمد مول السهول الذي يؤكد حضوره سنوياً بعنوان ومرات بأكثر، إضافة إلى كتابة سيناريوهات لأفلام سينمائية، فالكاتب الذي لا يسجل حضوره في الدخول الأدبي، في المشهد الأدبي الفرنسي وأوروبا بعامة، قد يتعرض فوراً إلى النسيان من الإعلام والقارئ في ظل وتيرة حياة ثقافية وأدبية متسارعة، وخلال العشريتين الأخيرتين ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي من الضغط السيكولوجي على الكتّاب، فأصبحت لها سلطة محو اسم وتعويضه باسم أدبي آخر بين عشية وضحاها.

وإذا كان العامل المادي قد أسهم في ظاهرة الغزارة الأدبية لدى بعض الكتّاب في أوروبا وأميركا لما يمثله الكِتاب من قيمة وازنة في الاقتصاد والاستثمار، ففي العالم العربي والمغاربي لا يمكن اعتماد هذا المقياس كمحفز على كثرة الكتابة لأن في هذه البلدان لا الكتابة ولا الأدب يطعمان خبزاً، وحقوق المؤلف هزيلة جداً بل وغائبة في الغالب.

وهناك عامل أدبي يتحكم في الغزارة وهي الرواية البوليسية، فالروايات المسلسلة المتتالية تنتمي عادة للأدب البوليسي، وهي كتابة لها قراؤها الكثر، وكاتب مثل هذا الجنس الأدبي مضطر إلى أن يظل على تواصل ما بينه والقارئ المتابع لمسارات الشخوص الروائية، والباحث عن حل العقد البوليسية المطروحة في الكتاب الأول يفتح عادة على عقد أخرى تحتاج إلى فك لتفتح على عقد متلاحقة وهكذا دواليك، لذلك نجد كتّاب الأدب البوليسي من أكثر الكتّاب غزارة في الإنتاج، وخلال الأعوام الأخيرة ظهر أدب لادارك رومان، كتابة لها تقاليدها (الإثارة) ولغتها (الشعبية البسيطة ولغة الشارع) ومواضيعها (العنف ضد المرأة والجنس والمخدرات)، ويعرف كتّابها بغزارة إنتاجهم وبروايات ضخمة وأجزاء متتالية، وفي هذا الجنس الأدبي يمكن ذكر تجربة الروائية الجزائرية سارة ريفينز التي تمثله أحسن تمثيل في الغزارة وحجم الروايات والنجاح.

ولا تتوقف ظاهرة الغزارة في الكتابة على الأدب فقط بل نلاحظ ذلك أيضاً في الكتب الفلسفية والفكرية، ففيلسوف مثل ميشال أونفراي (1959) يعد من المفكرين الأكثر غزارة في الكتابة، فقد نشر 140 كتاباً في الفلسفة وتاريخها وفي سير بعض الكتاب والمفكرين من أمثال نيتشه وفرويد وكامو وديوجين وغيرهم، ويشكل ميشال أونفراي ظاهرة ثقافية وفكرية تغرق أكثر فأكثر في لعبة الإعلام وتبعده من العمق.

خلال الفترة الأخيرة، أي منذ مطلع الألفية الثالثة، ظهر عامل آخر في الساحة الأدبية العربية والمغاربية، وأصبح محدداً ومثيراً لهذه الغزارة الأدبية وهو الجوائز الأدبية والخليجية بالأساس، فنجد معظم الروائيين، إن لم يكونوا جميعهم، يضبطون مواعيد صدور رواياتهم سنوياً على مواعيد تاريخ فتح وغلق باب الترشح لهذه الجائزة أو تلك، مما رفع غزارة الكتابة الروائية بشكل ملاحظ وأصبح هناك تهافت واضح ومكشوف، وكثيراً ما يكون على حساب الجودة.

وقد يكون عمر الكاتب أيضاً سبباً في تحديد الغزارة والقلة في الكتابة، فكلما تعمقت التجربة في الحياة أصبح للكتابة شروطها، إذ يبدأ الكاتب يحاسب نفسه ويعامل نصوصه بصرامة قبل أن يحاسبه الآخرون، وربما تغزر الكتابة ويقل النشر، وفي النهاية فجودة الكتابة لا تتحكم فيها الكثرة أو القلة أو البطء أو العجلة، فتوقيت الكتابة الصادقة يشبه منطق الجنين في بطن أمه، لا يمكنه أن يتقدم عن ساعة ميلاده أو يتأخر، وإذا ما اختل ذلك الموعد يكون الوليد حينها معرضاً لأعطاب صحية وعاهات جسدية، ومعه تكون الأم أيضاً في خطر محدق.

للكتابة منطقها الداخلي الخاص بها، فقد يكتب الروائي رواية جميلة ناجحة في شهر وقد يكتبها في خمسة أعوام، مثلما حصل لفلوبير مع روايته الشهيرة "مدام بوفاري"، وقد ينشر عملين أو أكثر في العام وربما يصمت لأعوام، فالامتلاء الإبداعي له عوامله الذاتية والاجتماعية والسياسية والسيكولوجية المعقدة، وفوق هذا وذاك يظل الصدق والحرفة والتجدد والقراءة والنقد الذاتي عوامل تجعل من نجاح هذا العمل أو ذاك مضموناً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...