غانية ملحيس - الفخّ المركّب وتأصيل الشر: من تصريح نتنياهو إلى ما بعد الأخلاق - الحرب الشاملة كإعادة تعريف للخير والشر

غانية ملحيس
23/3/2026


أولا: تصريح صادم في سياق إقليمي متفجّر
في تسجيل نشر على منصة اكس في 19/3/2026 قارن بنيامين نتنياهو بين السيد المسيح عليه السلام وجنكيز خان قائلا:
“ليس ليسوع المسيح أي أفضلية على جنكيز خان. لأنه إذا كنت قويا بما فيه الكفاية، وقاسيا بما فيه الكفاية، وذا نفوذ كاف، فسوف يتغلب الشر على الخير.”
على مستوى الحدث الفردي، يبدو التصريح زلة خطابية مثيرة للجدل. لكن عند وضعه في سياق الحرب الشاملة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل على فلسطين ولبنان وإيران وعموم المنطقة، يتضح أن هذا الخطاب ليس معزولا: بل هو جزء من سردية الحرب بين الخير والشر، التي تعمل على تبرير العدوان السياسي والعسكري على المستوى الإقليمي.
المقارنة بين يسوع المسيح عليه السلام رمز المحبة والسلام، وبين رمز العنف والتوسع الدموي جنكيز خان، ليست مجرد زلة خطابية.
الجمع بينهما هو قلبٌ للمعنى: تحويل رمز السلام إلى صورة لتبرير العنف. فهذا النوع من التشبيه يُستخدم لإحداث صدمة ذهنية، ودفع المتلقي لإعادة النظر في “السرديات الأخلاقية” السائدة. لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه حكما أخلاقيا مباشرا، بل كبنية خطابية مركّبة تتكوّن من ثلاث طبقات:
1. البنية المقارِنة
المقارنة بين المسيح رسول السلام والسفاح جنكيز خان لا تعمل بوصفها مقارنة تاريخية، بل كآلية تفكيك للثنائية الأخلاقية (الخير/الشر)، حيث يتم نزع الامتياز الأخلاقي عن رمز الخير، عبر وضعه في مستوى واحد مع رمز العنف.
2. شرطية القوة
الجملة المركزية تقوم على منطق شرطي: القوة والقسوة والنفوذ تعني تغلّب الشر على الخير، وهنا يتم الانتقال من أخلاق معيارية إلى منطق نتيجي تُحسم فيه القيم عبر القدرة وليس المبدأ. 3. إزاحة مركز الحكم
لم يعد الحكم الأخلاقي سابقا للفعل، بل يصبح الفعل (القوة) هو ما ينتج الحكم. وبذلك تتحول الأخلاق من معيار إلى نتيجة.
غير أن دلالة التصريح لا تتحدد فقط بمضمونه، بل أيضا بكيفية إدارته لاحقا في المجال العام.
ثانيا: إدارة المعنى بعد الصدمة (من التصريح إلى إعادة التأطير)
لا تكتمل قراءة تصريح نتنياهو عند حدود بنيته الصادمة، بل تمتد إلى المرحلة اللاحقة التي أعاد فيها تأطير كلامه بوصفه استشهادا بطرح المؤرخ ويل دورانت. هذه الحركة لا تمثل تراجعا بسيطا، بل تكشف عن آلية خطابية أكثر تعقيدا يمكن تسميتها: “إدارة المعنى بعد الصدمة”.
في هذه الآلية، لا يتم سحب التصريح أو نفيه، بل يُعاد تفسيره ضمن إطار معرفي مختلف، ينقله من مستوى الرأي السياسي المباشر إلى مستوى “الاقتباس التاريخي” أو “التأمل الفكري”.
تمر هذه العملية بثلاث خطوات مترابطة:
1. إنتاج الصدمة: عبر مقارنة حادة تفكك البنية الأخلاقية التقليدية.
2. إثارة الجدل: بما يضمن انتشار الخطاب وتداوله على نطاق واسع.
3. إعادة التأطير: عبر إحالته إلى مرجعية فكرية، بما يخفف من حدّته دون إلغاء أثره.
بهذا المعنى، لا يُفهم التصريح بوصفه خطأ خطابيا، بل كجزء من دورة إنتاج المعنى في الخطاب السياسي، حيث تُستخدم الصدمة كأداة، ويُستخدم التفسير اللاحق كآلية ضبط، دون التراجع عن الأثر البنيوي الأولي للتصريح.
تتقاطع هذه الآلية مع ما يطرحه نورمان فيركلو حول إعادة إنتاج الخطاب، ومع تصور تون أ. فان ديك لدور السياق في التحكم في التأويل، حيث لا تُفهم العبارات بمعزل عن إدارة تداولها لاحقا.
ثالثا: تأصيل الشر عبر الاستشهاد التاريخي
يُظهِر التصريح نموذجا حيا لما يمكن تسميته: "تأصيل الشر عبر الاستشهاد التاريخي” وهو نمط خطاب يُستدعى فيه التاريخ لإضفاء شرعية على العنف، وتحويله من خيار استثنائي إلى منطق مشروع في السياسة. في هذه الحالة، نجد:
• استدعاء التاريخ والمقارنة بين شخصية أخلاقية عالمية وشخصية عنيفة،
• نزع التفوق الأخلاقي عن القيم العليا،
• تقديم القوة كعامل حاسم،
وبذلك تصبح الحرب الشاملة، وفق السردية الأمريكية-الإسرائيلية، “خيرا مشروعا”.
لا يقتصر هذا النمط الخطابي على الحالة الإسرائيلية الراهنة، بل يمتد إلى تجارب سابقة في الخطاب الأمريكي والغربي عموما. فقد أعاد التصريح الشهير للرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن عام 2002 “محور الشر” تشكيل العالم ضمن ثنائية أخلاقية حادة. بينما ألغى خطابه بعد 11/9/2001 “من ليس معنا فهو ضدنا” أي حيّز للحياد، ممهدا لتبرير الحرب بوصفها ضرورة أخلاقية.
كما قُدّمت حرب العراق تحت شعار نزع سلاح الدمار الشامل وعندما ثبت زيف الادعاء استبدل بنشر الديمقراطية، وتم تبرير الحرب في أفغانستان بوصفها دفاعا عن الإنسانية، وبرر نتنياهو الإبادة الجماعية في قطاع غزة بأنها حرب “أبناء النور ضد أبناء الظلام”. وبرر دونالد ترامب حروبه التوسعية في امريكا اللاتينية بالحرب على المخدرات، وعلى فلسطين ولبنان وإيران بالحرب على الإرهاب والاستبداد. وكما تم تبرير الممارسات الوحشية مثل التعذيب والاغتصاب والقتل في سجن جوانتنامو الأمريكي، وسديه تيمان الإسرائيلي ضمن منطق الضرورة الأمنية.
بذلك، يتضح أن التصريح ليس حادثة منعزلة، بل جزءا من نمط متكرر من الخطاب السياسي الأمريكي - الغربي - الإسرائيلي، الذي يُعيد إنتاج مفهوم القوة والشرعية عبر التاريخ.
في جميع هذه الحالات، لا يُلغى الخطاب الأخلاقي، بل يُعاد توظيفه لتأصيل العنف، وتحويله إلى أداة مشروعة ضمن بنية سياسية تدّعي الدفاع عن الخير.
يمكن تفكيك هذا النمط إلى عمليات خطابية متكررة:
• التفريغ: تفريغ الرموز الأخلاقية من معناها الثابت
• التسوية: وضع المتناقضات في مستوى واحد
• الشرطنة: ربط القيم بشرط القوة
• إعادة الترميز: تحويل النجاح إلى معيار للخير
وبذلك، لا يتم تبرير العنف فقط، بل إعادة تعريفه لغويا كفعل مشروع.
رابعا: آلية التحوّل
يمر تأصيل الشر عبر أربع مراحل مترابطة:
1. الاستشهاد
2. المماثلة
3. الإزاحة
4. التأصيل
هذه المراحل ليست مجرد توصيف نظري، بل تمثل انتقالا لغويا واضحا
• من تمثيل رمزي (التاريخ)
• إلى تسوية دلالية (إلغاء الفروق)
• إلى تحويل مرجعية الحكم (من القيم إلى النتائج)
• ثم تثبيت المعنى الجديد داخل الخطاب السياسي.
خامسا: ما الذي يتغيّر فعليا؟
نتيجة هذه الآلية في سياق الحرب على المنطقة:
• سقوط التفوق الأخلاقي
• إعادة تعريف العقلانية
• إنتاج شرعية بلا أخلاق
هذا التغير لا يحدث فقط على مستوى السياسة، بل على مستوى اللغة نفسها، حيث: تتحول الأخلاق من معيار حاكم إلى أداة تبرير، وتصبح مفاهيم مثل “الخير” و” الشر” مرنة وقابلة لإعادة التعريف حسب السياق السياسي.
سادسا: من تأصيل الشر إلى ما بعد الأخلاق
إذا كان تأصيل الشر يمثل المرحلة التحويلية، فإن نتيجته الطبيعية هي الانتقال إلى مرحلة ما بعد الأخلاق. وفقا لفوكو ونيتشه، هذه المرحلة لا تعني غياب القيم، بل أن الأخلاق لم تعد معيارا لحكم الصواب والخطأ، بل أصبحت أداة لتبرير القوة والسيطرة. القيم لا تختفي، لكنها تُعاد صياغتها لتبرير الحروب والسياسات العدوانية، وهو ما يتكرر في الخطاب السياسي الأمريكي والغربي والإسرائيلي منذ العراق وحتى فلسطين ولبنان وإيران.
في هذه المرحلة:
• تبقى الأخلاق في الخطاب، لكنها غائبة في الفعل.
• لا يوجد تناقض بين القيم والممارسة، إذ تتحول الأخلاق إلى غطاء لغوي.
• تستمر اللغة الأخلاقية في العمل، لكنها تفقد وظيفتها التنظيمية، لتصبح أداة لإضفاء الشرعية على ممارسات القوة.
سابعا: الحالة الفلسطينية والإقليمية
توضح الحرب الأمريكية - الإسرائيلية الشاملة على فلسطين ولبنان وإيران وعموم المنطقة كيف يتم تطبيق هذا المنطق على الأرض، وهو التطبيق ذاته لمنطق سبق أن ظهر في حروب العراق وأفغانستان وغزة ولبنان وسوريا واليمن، حيث قُدّم العنف بوصفه ضرورة أخلاقية ضمن سرديات الحرب على الإرهاب أو نشر الديمقراطية: غزة وفلسطين نموذجا
1. تفريغ الضحية من موقعها الأخلاقي: الفلسطيني لم يعد صاحب حق واضح، بل طرف في معادلة قوة.
2. إعادة تعريف العنف: العنف الإسرائيلي والأمريكي لا يُدان، بل يُقدَّم كضرورة سياسية.
3. تآكل المساءلة الدولية: التدخل الأخلاقي للغرب يصبح بلا معنى.
4. كسر أفق العدالة: إذا لم يعد الخير معيارا، فلا يمكن للعدالة أن تكون أفقا.
وبالمثل، يظهر هذا المنطق على نطاق إقليمي في لبنان وإيران، والعالم العربي والإسلامي وامريكا اللاتينية وجنوب العالم، حيث يُبرر العدوان ضمن سردية الحرب بين الخير والشر.
ثامنا: الفخّ المركّب في مرحلته المتقدمة
يمكن تلخيص المرحلة الحالية للفخّ المركّب:
1. تداخل الأزمات
2. تفكك المعايير الأخلاقية
3. تأصيل الشر عبر التاريخ
4. ما بعد الأخلاق
5. إدارة دائمة للعنف على المستوى الإقليمي والدولي
بهذه الطريقة، يصبح النظام قادرا على ممارسة العنف وتبريره ضمن المنطق ذاته، وتحويل الحرب إلى قاعدة مشروعة للتفاعل الدولي.
تاسعا: العالم بعد سقوط المعايير
تصريح نتنياهو، ضمن هذا السياق الإقليمي، يكشف لحظة انتقال النظام الدولي من إدارة التناقض بين القوة والأخلاق إلى مرحلة ما بعد الأخلاق، حيث:
• لا تُقاس الأفعال بعدالتها، بل بقدرتها على فرض نفسها.
• تُعاد صياغة الشرعية على أساس الفاعلية.
• ويصبح العنف جزءًا من القاعدة، لا استثناء.
هذا هو قلب الفخّ المركّب في أقصى صوره: عالم قادر على العيش مع العنف، بل ومع تأصيله كمنطق مشروع، وساحة حرب شاملة تُدار وفق سردية القوة المبررة مسبقا.
عاشرا: هل نحن أمام نمط بنيوي أم خطاب ظرفي؟
قد يبدو هذا النمط الخطابي، في ظاهره، مجرد انزلاق لغوي أو توظيف ظرفي للغة الصدمة في سياق سياسي متوتر. غير أن تكرار هذه البنية في الخطاب السياسي الحديث، سواء في الحالة الإسرائيلية أو في تجارب أمريكية وغربية سابقة وراهنة، يشير إلى ما هو أبعد من مجرد زلة أو مبالغة خطابية.
فإعادة تعريف الخير والشر، وربط الشرعية بالقدرة لا بالقيم، ليست مجرد أدوات بلاغية عابرة، بل تعبير عن تحوّل أعمق في بنية التفكير السياسي ذاته.
بهذا المعنى، لا يعود التصريح حدثا معزولا، بل يصبح مؤشرا على نمط بنيوي يعيد تشكيل العلاقة بين الأخلاق والسياسة، حيث لا تُلغى القيم، بل يُعاد ترتيبها داخل منطق القوة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في سقوط الأخلاق بشكل مباشر، بل في إعادة توظيفها بحيث تصبح قادرة على تبرير نقيضها، وهو ما يجعل العنف ليس ممكنا فقط، بل قابلا للتسويغ ضمن منظومة تدّعي الاستمرار في تمثيل الخير.

المراجع
• Teun A. Van Dijk, T. A. (1998). Ideology: A Multidisciplinary Approach. London: Sage Publications.
• Norman Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. London: Longman.
• Ruth Wodak, R., & Meyer, M. (Eds.). (2009). Methods of Critical Discourse Analysis (2nd ed.). London: Sage.
• Michel Foucault, M. (1972). The Archaeology of Knowledge. New York: Pantheon Books.
• Michel Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972–1977. New York: Pantheon Books.
• Hans Morgenthau, H. J. (1948). Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace. New York: Knopf.
• Michael Walzer, M. (2006). Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations (4th ed.). New York: Basic Books.
• Judith Butler, J. (2009). Frames of War: When is Life Grievable? London: Verso.
• Noam Chomsky, N. (2003). Hegemony or Survival: America’s Quest for Global Dominance. New York: Metropolitan Books.
• George Lakoff, G. (2004). Don’t Think of an Elephant!: Know Your Values and Frame the Debate. White River Junction: Chelsea Green Publishing.
• George W. Bush, G. W. (2001, September 20). Address to a Joint Session of Congress and the American People. The White House Archives.
• George W. Bush, G. W. (2002, January 29). State of the Union Address. The White House Archives.
• Donald Trump, D. (2017–2020, 2025–2026). Selected Speeches and Statements. The White House Archives.
• Benjamin Netanyahu, B. (2026, March 19). Statement published via social media platform X. https://x.com/disclosetv/status/2034713271517794575
• Friedrich Nietzsche, F. (1887). On the Genealogy of Morality. New York: Vintage Books, 1967 edition.

تعليقات

خالد عطية


الصديقة العزيزة الدكتورة غانية،

أظن أننا مع هذا النص لم نعد فقط أمام تحليل لخطاب سياسي، بل أمام محاولة لتفكيك ما يمكن تسميته بـ “التحول الأنطولوجي” في موقع الأخلاق داخل النظام الدولي.
ما قدمتِه هنا لا يتوقف عند توصيف خطاب نتنياهو أو حتى عند ربطه بسياق الحرب، بل يذهب أبعد من ذلك: إلى كشف آلية إعادة إنتاج المعنى، حيث لا يُستخدم الخطاب لتبرير الفعل فقط، بل لإعادة تعريف شروط الحكم عليه. وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الأعمق للنص: أنه لا يكتفي بالقول إن الشر يُبرَّر، بل يبيّن كيف يُعاد تأسيسه.
لكن ما يثير الانتباه أكثر، هو أن هذا “التأصيل للشر” لا يحدث خارج البنية، بل من داخلها، وبأدواتها نفسها: التاريخ، الأخلاق، الفلسفة، وحتى اللغة.
وهنا تحديداً أود أن أفتح النقاش على مستوى إضافي.
إذا كان ما تصفينه هو انتقال من “الأخلاق كمعيار” إلى “الأخلاق كأداة”،
فهل نحن فعلاً أمام مرحلة “ما بعد الأخلاق”؟ أم أمام مرحلة أكثر تعقيداً يمكن تسميتها: “فرط-الأخلاق”؟ بمعنى أن الأخلاق لم تختفِ، ولم تُهمَّش فقط، بل أصبحت أكثر حضوراً في الخطاب من أي وقت مضى - لكن بوظيفة مقلوبة.
فنحن لا نشهد غياباً للأخلاق، بل تضخماً لها في اللغة، يقابله تفريغ كامل لها في الممارسة. وهذا يطرح مفارقة دقيقة: أن القوة لم تعد تعمل ضد الأخلاق، بل من خلالها. أي أن الخطاب الأخلاقي لم يعد غطاءً للعنف فقط،
بل أصبح جزءاً من آلية إنتاجه. وهنا، ربما، نكون أمام انزياح أعمق مما يبدو: ليس من الأخلاق إلى ما بعدها، بل من الأخلاق كقيد، إلى الأخلاق كأداة سيطرة. وفي هذا السياق، يبدو تصريح نتنياهو - كما فككته - ليس فقط محاولة لتبرير العنف، بل خطوة إضافية: نزع الاستثناء الأخلاقي عن “الخير” نفسه، بحيث يصبح قابلا للمساواة مع “الشر”، تمهيداً لإعادة تعريف كليهما على أساس القوة. لكن هنا يبرز سؤال إشكالي:
إذا كانت الأخلاق قد تحولت إلى أداة داخل منطق القوة، فهل يمكن استعادتها كمعيار خارج هذا المنطق؟ أم أن أي محاولة لاستدعائها ستقع - بالضرورة - داخل نفس البنية التي أعادت توظيفها؟
بمعنى آخر: هل ما زال هناك “خارج أخلاقي” يمكن الانطلاق منه، أم أن الأخلاق نفسها أصبحت جزءاً من الفخ المركّب؟
هذا السؤال، في تقديري، يعيدنا إلى النقطة التي وصل إليها نقاشنا السابق حول الفاعلية. فإذا كانت الفاعلية السياسية محكومة ببنية تعيد إنتاج العجز، فهل الفاعلية الأخلاقية محكومة بالبنية نفسها؟ أم أن هناك فرقاً نوعياً بين المجالين؟
في الحالة الفلسطينية - التي أشرتِ إليها بوضوح - تبدو المفارقة حادة:
فالخطاب الأخلاقي العالمي حاضر بكثافة، لكن أثره يكاد يكون صفرياً في تغيير الوقائع. وهذا لا يعني غياب الأخلاق، بل ربما يشير إلى فقدانها قدرتها على الفعل. أي أننا أمام وضع تصبح فيه الأخلاق: مرئية لغوياً ومعطّلة سياسياً، وهذا بحد ذاته تحول بنيوي.
لكن، وهنا أعتقد أن النقاش يمكن أن يفتح أفقا إضافيا، فإن هذا التعطيل لا يعني بالضرورة نهاية الدور الأخلاقي، بل ربما يشير إلى تحوّل في طبيعته.
فإذا كانت الأخلاق لم تعد قادرة على إيقاف العنف، فهل يمكن أن تظل قادرة على نزع شرعيته على المدى الطويل؟ أي أن دورها قد لا يكون الحسم، بل التراكم في نزع المعنى عن القوة. وهنا نعود، بشكل غير مباشر، إلى فكرة “التراكم” التي ناقشناها سابقا، لكن هذه المرة على المستوى الأخلاقي لا السياسي. بمعنى أن:
• القوة قد تنتصر لحظياً
• لكن قدرتها على تثبيت معناها قد تبقى موضع نزاع
وفي هذا النزاع تحديدا، قد يبقى للأخلاق دور حتى وإن لم تعد عاملا حاسما.
أما ما طرحتهِ حول أن العالم دخل مرحلة “شرعية بلا أخلاق”، فهو توصيف بالغ الدقة، لكنه يطرح مفارقة أخيرة: إذا كانت الشرعية تُنتج بالقوة،
فهل تبقى شرعية بالمعنى نفسه، أم تتحول إلى مجرد “قدرة على الاستمرار”؟ وهنا، ربما، نكون أمام انزياح في مفهوم الشرعية ذاته:
من الاعتراف، إلى الفرض. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال: هل الفعل مشروع؟ بل: هل يمكن منعه؟ وهذا، في جوهره، انتقال من عالم السياسة إلى عالم أقرب إلى الفيزياء: حيث تحكم العلاقات بقوانين القوة، لا بمعايير المعنى. لكن حتى في هذا المستوى، يبقى سؤال مفتوح:
هل يمكن لنظام قائم على هذا النمط من القوة أن يستقر فعلا؟
أم أن فقدانه للمعنى هو ما يجعله مضطرا لإعادة إنتاج العنف باستمرار؟
إذا صح الاحتمال الثاني، فنحن لا نكون فقط أمام عالم “ما بعد الأخلاق”،
بل أمام عالم غير قادر على الاستقرار بدون العنف. وهذا، ربما، هو الوجه الأقصى للفخ المركّب.
كل التقدير لهذا النص الذي لم يكتفِ بتفكيك خطاب، بل فتح سؤالاً عن مصير الأخلاق نفسها في عالم يتغير من جذوره.
خالد عطية
23/3/2026


*****

غانية ملحيس



الصديق العزيز خالد
خالص الشكر والامتنان على هذه الرفقة الفكرية الفريدة، التي تستفز الفكر إلى حدوده القصوى وتأخذه إلى آفاق جديدة توسع دائرة الرؤية. تعليقك العميق يعيد تأكيد ما كنت أصبو إليه في المقال: ألا يقتصر التحليل على خطاب نتنياهو أو سياق الحرب فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك آليات إعادة إنتاج المعنى داخل الخطاب السياسي، وكيف يمكن للقوة أن تعيد تعريف الخير والشر عبر أدوات اللغة والتاريخ والفلسفة نفسها.
لفتني كثيرا طرحك لمفهوم “فرط-الأخلاق”، لأنه يضيف بعدا جديدا للنقاش: فالأخلاق، كما أشرت بدقة، لم تختفِ، بل أصبحت أكثر حضورا في الخطاب، وإن كان ذلك التضخيم اللغوي يقابله تفريغها من الفعل السياسي. هذا يفتح الباب لفهم أعمق للفخ المركب: ليس فقط ما بعد الأخلاق، بل تحول الأخلاق نفسها إلى أداة لإنتاج القوة والسيطرة.
وفي هذا الإطار، أتفق معك أن التساؤل عن إمكانية استعادة الأخلاق كمعيار مستقل خارج منطق القوة يظل مفتوحا وضروريا. ربما يمكننا التفكير في مفهوم “الفضاءات الأخلاقية المقاومة” كآليات جزئية يمكن فيها للأخلاق أن تؤثر على الفعل، حتى وإن لم تعد قادرة على ضبط العلاقات الدولية بشكل كامل.
فحتى في ظل الفخ المركب، يبقى هناك تراكم معنوي وأخلاقي قد يُحدث اختراقات صغيرة، على المدى الطويل، في الحد من شرعية العنف أو إعادة تعريفه.
كما أن النقاش حول الشرعية وارتباطها بالقدرة مقابل الاعتراف، يتيح لنا تطوير سؤال آخر: هل يمكن أن تؤدي الفجوة بين القوة والشرعية إلى تفاقم الأزمة البنيوية للنظام الدولي نفسه؟ بمعنى أن فقدان المعنى الأخلاقي المستمر يجبر النظام على إعادة إنتاج العنف، مما يجعل الاستقرار السياسي هشا بشكل دائم. هذا الطرح قد يفتح أفقا جديدا لربط التحليل الخطابي بالفلسفة السياسية وعلم الاجتماع الدولي.
في ضوء هذا، أرى أن المقال وتعليقك معا يشكلان قاعدة حوارية خصبة لاستكشاف العلاقة بين اللغة الأخلاقية والفاعلية السياسية، والتأثيرات طويلة المدى للفخ المركب على الشرعية والنظام الدولي. ويمكن أن تكون الخطوة التالية دراسة أمثلة محددة على الأرض، مثل فلسطين ولبنان وإيران، لرصد كيف تتفاعل الأخلاق الخطابية مع القوة المطبقة، وما إذا كانت هناك أطر مقاومة أخلاقية حقيقية.
أثمن عاليا رؤيتك النقدية وأسئلتك الجوهرية التي توسع أفق التفكير، وأتطلع لمواصلة هذا الحوار الثري الذي يستنفر العقل لاستكشاف هذه التحولات العميقة في الأخلاق والشرعية والقوة، وكيف يمكن أن نفهم “الفعل الأخلاقي” في عالم تتداخل فيه اللغة والسياسة والتاريخ بهذه الكثافة.
خالد عطية
23/3/2026
 
نائلة الوعري
عزيزتي غانية
رغم كل هذا القلق الذي نعيشه،
ورغم الوقت الذي نستنزفه في متابعة الأخبار،
والتحليلات السياسية وأصوات الصواريخ التي تعبر سماءنا،
وما تفرضه هذه المرحلة من توترٍ وضغطٍ يومي…مقلق
نحاول، قدر ما نستطيع، أن نقتطع من هذا الواقع المثقل لحظةً للتفكير والقراءة،
لأن ما يجري لا يُفهم فقط بالمتابعة، بل يحتاج إلى تفكيكٍ وقراءةٍ واعية.
ومن هنا، قرأتُ مقالك باهتمام،
والذي يقدّم مقاربة تحليلية عميقة لتصريح نتنياهو، بوصفه جزءاً من بنية خطابية أوسع تتجاوز حدود الزلة اللغوية، إلى مستوى إعادة تشكيل العلاقة بين الأخلاق والسياسة.
ما يطرحه المقال مهم، إذ يلفت إلى محاولة تفكيك الثنائية الأخلاقية الخير/الشر وإحلال منطق القوة محلّها كمعيار حاكم. وتكمن الخطورة هنا، حين تتحوّل الأخلاق من إطارٍ معياري سابق للفعل، إلى نتيجة تُشتقّ منه، فيُعاد تعريف العنف داخل خطاب يجعل القوة مصدرًا للشرعية.
وفي الحالة الفلسطينية، يتجلّى هذا التحول بوضوح، من خلال إزاحة الضحية عن موقعها الأخلاقي، وتحويلها إلى طرف ضمن معادلة قوة، بما يُضعف إمكانيات المساءلة، ويُربك مفهوم العدالة ذاته.
غير أن هذا التحليل، على أهميته، يفتح سؤالاً نقديًا موازياً:
هل نحن؟ أمام تحوّل مكتمل نحو “ما بعد الأخلاق”، أم أمام إعادة توظيف للأخلاق داخل خطاب القوة دون القدرة على إلغائها؟
ذلك أن استمرار استدعاء المفردات الأخلاقية ذاتها، يشير إلى أن الأخلاق لم تغب، بل أُعيدت صياغتها. وهو ما يعني أن المجال لا يزال قائمًا لاستعادتها كأداة نقد ومساءلة، لا كغطاء لتبرير الهيمنة.
وعليه، فإن الرهان لا يكمن فقط في تفكيك هذا الخطاب،
بل في إعادة تثبيت المعايير الأخلاقية بوصفها سابقة على القوة،
وقادرة على مساءلتها، حفاظاً على معنى العدالة، ومنعاً لتحوّلها إلى نتيجة تُفرض بقوة الأمر الواقع
مودتي
نائلة الوعري
24/3/2026

***

غانية ملحيس

عزيزتي نائلة
ممتنة جدا لقراءتك العميقة والثرية، ولهذا التعليق الذي يفتح أفقا حواريا يتجاوز التلقي إلى مساءلة الفكرة ذاتها.
أوافقكِ تماما أن ما نعيشه لا يُفهم بالمتابعة وحدها، بل يحتاج إلى هذا الجهد التفكيكي الذي يعيد وضع الظواهر في سياقاتها الأعمق. وقد لفتِّ بدقة إلى النقطة الأكثر حساسية في هذا النقاش: هل نحن أمام قطيعة مع الأخلاق، أم أمام إعادة توظيفها داخل خطاب القوة؟
في تقديري، نحن إزاء حالة مركّبة، حيث لا تختفي الأخلاق بقدر ما يُعاد إنتاجها داخل بنية القوة ذاتها، بحيث تتحول من معيار سابق للفعل إلى أداة مُلحقة به. وهذا ما يمنح خطاب القوة خطورته، لأنه لا يكتفي بإزاحة المعايير، بل يعيد تعريفها بما يخدم منطقه.
ومن هنا تبرز أهمية ما أشرتِ إليه: أن الرهان لا يقف عند حدود التفكيك، بل يمتد إلى استعادة الأخلاق كأفق نقدي مستقل، قادر على مساءلة القوة لا الانخراط في تبريراتها. وربما في هذا التوتر تحديدا - بين التفكيك وإعادة التأسيس- يتحدد مجال الفعل الفكري اليوم.
أثمّن كثيرًا هذا التفاعل العميق، الذي يثري النقاش ويدفعه خطوة أبعد
مودتي وتقديري لكاتبة متميزة نذرت حياتها لتطوير الوعي المعرفي الفلسطيني والعربي
غانية ملحيس
24/3/2026
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...