سعيد گنيش - إيران الصمود والمقاومة

يشتد العدوان على شعب إيران من طرف "كارتل ابشتاين". لكنه يختلف في دوافعه ونتائجه عن سابقيه جذريا. بدأ بالقتل والتصفية لمرشد الجمهورية الإيرانية الاسلامية ومعاونيه يوم 28/02/2026، وتحول أمام صمود إيران ومقاومتها شعبا وجيشا ودولة، إلى مأزق عسكري وسياسي لأمريكا والكيان في تحقيق أهدافهما من العدوان ، وينذر بخروج أمريكا مهزومة من المنطقة واغلاق قواعدها العسكرية ، وخنق شرايين مضيق هرمز كممر لنقل الغاز والنفط الرخيص.
إيران هي جزء من تاريخ الإقليم، تعتبر دولة مركزية لقومية استطاعت أن تبني وتوحد أمة فارسية منصهرة وحاضنة لمكوناتها التاريخية، وشعب تعداده كبير ومتعلم، يتوفر على قاعدة علمية أكاديمية تتفوق عن الكثير من خصومها، رافض للخنوع والاستكانة، يتطلع إلى انتزاع مكانته فوق الأرض وبين الشعوب وهو أمر مشروع؛ وهذا ما يناقض المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة ويعمل على تقويضه.
إن الأمر يتعلق بعدوان شامل على قوة إقليمية لتقويضها تماما، بدأ بالحصار الشامل منذ1979 ، إلى الحرب بالوكالة والاغتيالات والتخريب الاقتصادي والحرب الاعلامية، إلى عدوان مباشر أصبح وجودي لإيران، الكثير منه ينطلق من قواعد عسكرية أمريكية في أراضي عربية محتلة ومجاورة.
تجلس إيران على مساحة جغرافية كبيرة ومتنوعة التضاريس وثروات طبيعية لا تقدر قيمتها، وموقع جيو سياسي بمثابة مثلت. يربط آسيا بالخليج وبحر العرب وأوربا. تتحكم في أهم الشرايين المائية الطبيعية التي يمر منها النفط والغاز ومواد أخرى حيوية للاقتصاد الرأسمالي المعولم. يتغدى منها اقتصاد الغرب الاستعماري وصناعته العسكرية لتمويل حروبه التوسعية بلا مقابل يذكر.
هذا الوضع المتميز لإيران يحتم عليها الدفاع ومواجهة الكيان الصهيوني والغرب الاستعماري الذي أنشأه ويحميه ويدعمه بكل أسباب التفوق للهيمنة والتوسع. وبالضرورة، بناء أسباب القوة والمناعة للحماية في عالم حروب الامبريالية المعولمة ، بالاعتماد أساسا على قواها الذاتية. فالثروة والموقع والطموح، لا بد من قوة تحميها والعكس غير صحيح بدون سيادة واستقلال، هذا أولا.
أمريكا ظلت تقود العدوان على إيران منذ دخولها المنطقة من استيعاب ايران كحليف مضمون. واستطاعت بالتحديد بعد اسقاط حكومة محمد مصدق الوطنية 1953 وإعادة حكم الشاه محمد رضا المقبور.
اليوم فإن أمريكا التي تقود العدوان تريد استعادة هيمنتها الاقتصادية على العالم بالقوة الوحشية وهي تتبول على مؤسسات الأمم المتحدة والقانون الدولي، مثلما فعلت النازية سابقا، هذا تانيا.
لا يوجد تناقض في مصالح أمريكا مع الكيان الصهيوني والحكومات الاوربية. إنه لمسخرة أن يجتر الكثير من نخبنا الوضيعة لما يروج له في الاعلام الغربي المضلل وتردده ذيولها العربية، بأن العدوان هو مصلحة للكيان الصهيوني فقط، وأن المجرم النتن يجر ترامب إليها. أو الدخول في لعبة من يجر من المشخصنة، لا خفاء الأهداف الحقيقية للعدوان على إيران وطبيعة التناقضات التي تحكمه.
الكيان هو في خدمة مصالح أمريكا، وحمايته هي مصلحة عليا لأمريكا، كما صرح المجرم بايدن عشية طوفان الاقصى: "لو لم يكن لأوجدناه اليوم". مقاومة الكيان والاشتباك معه تعني مقاومة أمريكا باعتبارها العدو الرئيسي، والكيان عدو مباشر للشعوب العربية أولا وللإنسانية المحبة للعدل والتحرر والسيادة.
لقد فقدت أمريكا قوتها الاقتصادية وأساسها هو الإنتاج الصناعي المادي؛ وذلك مع العولمة وبسببها، وأصبحت تعيش على اقتصاد الخدمات والمضاربات المالية وتستهلك أكثر مما تنتج مقابل مديونية فلكية وسرقة ثروات العالم مقابل طباعة أوراق الدولار ببلاش.
لقد جرب أولا ترامب بالابتزاز والعقوبات التجارية على الدول الكبرى، واسترجاع استثمار الشركات الصناعية للداخل الامريكي رافعة قوة أمريكا الاقتصادي وفشل فشلا ذريعا.
بلا مواربة خرج وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي معلنا في مؤتمر برلين للأمن الاوربي: إن الرجوع لقيم تاريخ الغزو الاستعماري وفتوحاته، هي أساس ازدهاره وقوته بعد أن «استوطنوا قارات جديدة وبنَوا إمبراطوريات شاسعة حول العالم» وفق كلامه.
ويعتبر في خطبته مرحلة حركات تحرر شعوب المستعمرات التي انطلقت موجاتها العاتية بعد الحرب العالمية الثانية التي يصفها «بـالثورات الشيوعية الملحدة والانتفاضات المعادية للاستعمار» ، من أجل السيادة وتقرير مصير الشعوب والتنمية. هي النقيض و السبب في انحدار الغرب المستعمر. ويرى ماركو روبيو في الاحتلال والاستيطان خطة عملية في إعادة بناء وحدة الغرب الاستعماري-الأمريكي والاوروبي-والخروج من أزمته لترسيخ هيمنته على العالم. الامر الذي يقوم به يجسده رئيسه المجرم ترامب يوميا. (انظر مقال لي على صفحتي بتفصيل حول خطبة الرجل الأبيض العنصري بتاريخ:22/02/2026).
ليس ترامب وحده من يشن الحروب عل الشعوب، فكل رؤساء أمريكا يعدون الجمهور الأمريكي بالسلام أثناء حمالات الدعاية الانتخابية تم يشعلون الحروب. فالجوهر الامبريالي للرأسمالية هو صناعة الحرب والدمار. و هي من تغدي الرأسمالية الاحتكارية في سعيها المحموم لتعظيم الأرباح والتراكم من اقتصاد صناعة الحروب.
أما الرؤساء فلكل أسلوبه الاجرامي بحسب خلفيته. وخلفية ترامب هو ذهنية الرجل الرأسمالي العقاري الذي يتنفس بالكذب، بلا مساحيق نخبة واشنطن السياسية. مجرم ومغتصب أطفال وعنصري، متلهف للربح السريع من خلال الصفقات.
لقد وجدت الدولة العميقة واللوبي الصهيوني ضالتها في وحشية ترامب، لخوض الغزو الاستعماري. و إيران تراها فرصتها ، يمكن النجاح في استعمارها كأهم فتح قد تحققه الامبريالية الامريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن بمغامرة عسكرية خاطفة ومخطط لها. وإذا واجهها الفشل وهو أمر حتمي مهما كانت التضحيات، ستمسح جرائمها في شخصه، ويصبح مادة استهلاكية لأفلام هوليود، كما وقع مع جرائم فيتنام والعراق وافغتنستان والصومال وغيرها.
حتى اليوم تقف إيران بالأساس وحدها ثابتة صامدة في هذه المواجهة ومعها النهوض الجبار لمحور المقاومة. تتكالب عليها قوى الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية والاسلامية، وهذا أمر منتظر، لأن أمريكا لا يمكن أن تخرج للصيد بدون كلابها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...