علي سيف الرعيني - مبدعون خارج زمنهم!!

المبدع اليوم يشعر بإلانتماء الى زمن غير زمنه تجربة ربما شعر بها الكثيرمن المبدعين
في زوايا هذا العالم حيث يمرّ الناس على إيقاعٍ متشابه يولد أناسٌ مختلفون لا لأنهم اختاروا ذلك، بل لأنهم وجدوا أنفسهم كذلك دون استئذان. مبدعون يشعرون بأنهم لا ينتمون تمامًا إلى هذا الزمن، كأن أرواحهم جاءت من زمنٍ آخر، أو كأن هذا العصر لم يُفصَّل على مقاس رؤاهم
المبدع خارج زمنه لا يعاني من الغربة المكانية بقدر ما يعاني من الغربة الشعورية. يرى ما لا يُرى، ويحسّ بما لا يُحس، ويكتب أو يرسم أو يفكّر بلغةٍ تسبق محيطه بخطوات. لذلك، كثيرًا ما يُساء فهمه، أو يُتَّهم بالمبالغة، أو يُقابل بالصمت البارد الذي يطفئ الحماس في داخله. لكنه رغم ذلك، يستمر… لأن الإبداع ليس خيارًا، بل قدر
هذه الفئة من المبدعين تعيش صراعًا خفيًا؛ بين رغبتها في الانتماء، وحاجتها إلى الصدق مع ذاتها. فهم لا يستطيعون التنازل عن رؤاهم فقط ليكونوا “مقبولين”، ولا يستطيعون كذلك تجاهل ذلك الشعور العميق بأنهم يسيرون وحدهم في طريقٍ لا يشبه الآخرين. فيكتبون، يبدعون، ويتركون آثارهم كرسائل مؤجلة الفهم… قد لا تُقرأ اليوم، لكنها ستُفهم يومًا ما.

ولعلّ أجمل ما في هذه التجربة المؤلمة، أنها تصنع من المبدع إنسانًا أكثر عمقًا. فكل شعورٍ باللاانتماء يتحوّل إلى فكرة، وكل خيبة تتحول إلى نص، وكل وحدة تصبح مساحة خصبة للتأمل. وهنا، يولد الإبداع الحقيقي… من رحم الاختلاف، ومن وجع السبق.

ليس المبدع خارج زمنه غريبًا كما يبدو، بل هو مرآةٌ لمستقبلٍ لم يأتِ بعد. هو صوتٌ سابق لعصره، يزرع بذورًا في أرضٍ لم تستعد بعد لاستقبالها. لذلك، لا يُقاس نجاحه بمدى التصفيق الذي يناله الآن، بل بقدرته على البقاء… على أن يُفهم لاحقًا، حين يلحق به الزمن.

في النهاية، ربما لا يحتاج المبدع إلى أن يجد زمنًا ينتمي إليه، بقدر ما يحتاج إلى أن يؤمن أن اختلافه ليس عبئًا، بل رسالة. وأن كونه خارج زمنه… قد يكون بالضبط ما يجعل منه مبدعًا حقيقيًا !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...