دراسات نقدية عن سرد د. سيد شعبان... تحرير: المهدي نقوس / المغرب (ملف 2)

17- د. أيمن تعيلب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة (رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان

من المعروف أن السيطرة الفنية على أبعاد الشكل في الفن عموما وفن القصة القصيرة خصوصا مسألة فى غاية التعقيد والصعوبة لايستطيعها غير فنان متعدد القدرات التشكيلية والتوصيلية معا،كاتب قادر على السيطرة على أدوات فنه النتيجة الطبيعية للسيطرة على مطارح رؤاه وتطوحات أخيلته.
ونحب أن ننوه منذ البداية إلى أن فن القصة القصيرة فن مرهف مراوغ لا يستطيعه إلا من أوتى قوة الخيال وبراعة السرد وجزالة الأداء وسلاسة الروح، فالقصة القصيرة ليست ديباجة مرصعة، ولاألفاظا منسقة ، ولاأحداثا لافتة ولا حركة عنيفة، ولا عقدة دقيقة، ولا حبكة متينة ، بل هى همسة، أو لمسة حقيقية أو دمعة أو مسقط ظل أو إشعاع ضوء، ومن هنا كانت الصعوبة الجمالية التشكيلية الشائكة لدى كتاب القصة القصيرة. فإن أي خلل في شكل القصة القصيرة يؤدى إلى سقوطها بالكلية لأنها فن التكثيف اللغوى والتقطير الدلالى والتقشف التشكيلى، وإن أي خلل وإن دق يخل بالنسب الدلالية لمكونات الشكل الفني للقصة، الخلل هنا لا يجعل العمل الفنى شكليا فقط، وإنما يخل بالانسجام الجمالى والدلالى لمكونات التشكيل والتوصيل معا وكلاهما نتيجة طبيعية لاضطراب الرؤية لدى القاص فهى مشوشة لم تتبلور بعد في روحه ولم تنضج في لغته.
ولعل الذى دعانى أن أبدأ مع القارىء الكريم بهذه المقدمة قراءتى لقصة القاص الكبير الدكتور سيد شعبان المعنونة ( رجل يحرس الوطن) حيث تجلى مفهوم الشكل في القصة القصيرة في أبهى حلة وأدق تشكيل وأوجز توصيل إلى الدرجة التي جعلت من شكل القصة شكلا للرؤية نفسها التي أبدعها الكاتب.
بنى الكاتب شكله الجمالى والدلالى عبر ثلاث حركات لرجل يحرس الوطن، فقد استطاع الكاتب أن يبنى جملا قصيرة خاطفة بارقة لا يجمعها جامع سوى قدرة التخييل والترميز حيث يقود اللاوعى الجمالى الوعى التشكيلى فاتحا عبر كوى الخيال نوافذ رمزية لدلالات لاتنتهى،يبدأ الكاتب قصته بهذه الفقرة الرمزية الكثيفة
(منذ فترة تعاودني حالة من الخوف أنظر وجهي في المرآة فأجد أحدا غيري؛ عندما أحرك مقعدا من مكانه؛ يعود مرة ثانية؛ أسمع وقع خطوات في الحجرة المجاورة؛ يغلبني النعاس؛ تتحرك الجدران؛ تتراقص الأفلام؛ أردد الأدعية؛ تخرج من النافذة ثيابي؛ أدير مؤشر الإذاعة فأسمع صوتا يخرج من التلفاز يسخر من تلك الكلمات التي أدونها؛ حاولت الخروج من تلك الحالة؛ أخشى أن أصير خيال المآته؛ يبدو هذا لامفر منه؛ تراني النسوة في المدينة مثيرا؛ ألقت واحدة منهن بحبة برتقال أصابت وجهي؛ التفت إليها فإذا هي عرجاء؛ حين أمر من بوابة المدينة يطلب الرجل ذو النظارة السوداء بطاقة هويتي؛ يكاد يموت من الضحك؛ يشير إلى زميله؛ هذا الرجل بدون رقم؛ يطلب مني أن أخلع سترتي؛ ثمة وشم على ظهري؛ يشير إلى أنني كائن لاظل له!)
منذ اللحظة الأولى للقصة يتوطن الخوف،وهنا انفصلت الذات عن وجودها وانشرخ الوجود نصفين متصارعين لا يلتئمان أبدا، وهنا تتجلى البراعة البنائية منذ الكلمة الأولى للقصة،فمن هذه البداية المنشرخة سوف تتخلق أول بذرة لحالة الانقسام والانفصام والتمزق بين الوجه والمرآة، الرجل والوطن، يتبعها انشراخ الوجود وانقسام الكائنات وانفصال الموجودات ويعم الكون اغتراب سريالى عجيب، حيث تتقافز الثوب من النافذة ويخرج التلفاز من الكلمات، ويتجلى الإنسان بلا هوية بوصفه رقما مغيبا في غيابات التلاشى.
في هذه اللحظة تتخلى الأشياء عن مكنوناتها وتتلاشى الأسماء عن مسمياتها وتنقلب المعايير كلها رأسا على عقب،نرى ذلك في توالى هذه الصور السيريالية المتسارعة للذات المغتربة المترنحة( أمسكت بأغطية زجاجات الكولا؛ صنعت منها تاجا؛ زهوت بما فعلت؛ الآن أبدو أحد هؤلاء الذين يتصدرون المشهد؛ تتحدث عني نشرات الأخبار؛ ابتعدت خشية أن تنصب مفصلة تتدلى منها رقبتي! حالة من وسواس قهري؛ أحلام باتت تؤرقني؛ أبحث عن الحذاء؛ تتحرك أصابع قدمي كل في اتجاه؛ أرنبة أنفي تندس في النمائم؛ ينادي باعة الصحف على رجل تسرب من كتاب التاريخ)
هذه الذات التي انخلعت عن تاريخها وانطمست هويتها سوف تتفجر متشظية عبر شذرات تصويرية لا واعية علها تعيد بناء وجودها أو قل تعيد ترميم وطنها المتلاشى،ومن هنا جاءت الحركة الثانية في القصة حيث تتوالد التواريخ والأشياء والأحياء بصورة سيريالية مرعبة، إنها حالة انفجار الوعى الموازى لتلاشى الوطن ثم تسيد تيار اللاوعى بعد أن فقد الإنسان ظله وتلاشى وجوده، هنا يتخلق الوطن البديل في البناء القصصى حيث تتدفق من الذاكرة وجوه عديدة للوطن المتلاشى متمثلة في هذه الصور السيريالية المتلاحقة (يحوطه أولياء الله بألف دعاء وورد؛ يرجونه المهدي يخلصهم من قبضة الوالي؛ يعدو خلفي السياف؛ يقطر الدم من لحيته؛ إصبع يده مقطوع؛ تتدلى من شحمة أذنه سلسلة ذهبية؛ ينتابني الهلع؛ يوم كنت هناك؛ جموع تطوف حارات مصر عتيقة؛ جوعى وحدها أم هاشم تطعم المساكين؛ عطشى فمجرى العيون سكنته حيات تسعى! يدفعون بجواد أبيض؛ يحملونني فوقه؛ تمائم وابتهالات؛ تنبح خلفي كلاب سوداء؛ تسخر من ثيابي ابنة سيدنا الوالي!).
صور متلاحقة متدفقة مبنية على المفارقة بين صورة الولى الصالح المرجو للوطن وصورة الديكتاتور المتسلط على رقبة الرجل الصالح الموازى الجمالى للوطن الغائب، هذا التضاد بين المقدس والمدنس يبنى الحركة الثانية في القصة حيث الفن صراع وتوتر وهدم وبناء. وهنا تتجلى البراعة التشكيلية للقصة من حيث قدرتها على البناء والتشكيل وتوتير الجدل بين الشكل والدلالة،محققة بذلك مفاهيم التوازن والوحدة والاستمرار فى بنية الشكل القصصى بمعنى أن يتحقق فى النص هذا التوازن الحر الخلاق بين العناصر الجمالية والمعرفية المتصارعة التى تتفاعل من خلال وحدة انطباع إنسانى خاطف في القصة وهو حارس الوطن،وعندما تتحقق هذه المقدرة البنائية للقصة نرى الرمز القصصى ينفتح في نهاية القصة على دلالات لانهاية لها، فالفن الخلاق هو الظل الحائر المنتشر لا الشكل الواضح المحدد.نرى ذلك في الحركة الثالثة والنهائية للقصة، في قول الراوى:
(ألمح طيف أمي وسط تلك الجموع؛ تشير إلى جهة بعيدة؛ مغارة في جوف الجبل الأحمر؛ عليها جند غلاظ! يجوب الميدان رجل يشبه عمي أبوطيفة؛ ذلكم الرجل الذي جاء من زمن الأولياء؛ أشبه بالنخلة يتطوح ذراعاه في الهواء؛ يخرج من جلبابه لفافة التبغ؛ يردد أغنيته؛ أسمع نشيجه؛ كأنه جمل أصابه الحنين؛ ينادي على الذين عطروا المحروسة؛ يجري حتى يدرك مقام الحسين؛ أمكنة طاهرة؛ تفرد حمامة جناحيها؛ تتمايل ست الحسن والجمال؛ عند ضفة النهر قريبا من الميدان كانت صلاة الفجر؛ أبحث عنها تمسك بيدي؛ نظل بصدورنا نحرس حلم الوطن حتى تشرق الشمس!
هنا تتخلق ذات أخرى للوطن المتخيل بعد أن تلاشى الوطن الواقعى، وهنا تتجلى دلالات العنوان كأجلى ما يكون التجلى حيث يتجلى حارس الوطن فتشير خيالات الأمومة من بعيد من طرف خفى إلى صورة الوطن الغائب، الوطن الغارق في مغاراته البعيدة، الوطن الذى يذكرنا بعطر المحروسة حيث أولياء الله الصالحين وأجنحة الحمائم المرفرفة وبياض صلوت الفجر، وهنا يتجلى الشكل الرمزى للقصة بكثافة خصيبة حيث الشكل هنا ليس فى الرموز وليس في الاستعارات وليس في الصور والكلمات بل هو التعبير الكلى للرؤية والنمو العضوى للدلالة، (فليس المخطط الهندسى للقصة ـ هو شكل القصة ـ بل الشكل فى العمل الأدبى التعبير البنائى وليس المخطط الهندسى) كما يقول الناقد السورى خلدون الشمعة.

- ناقد مصري عميد أداب جامعة قتاة السويس سابقا


================


18- د. مصطفى السعيد - محاولة لقراءة "الولد ميمون"

ما بين "اعترافات كذاب" و"ورثة إبليس"، و"أقزام طوال" جاء هذا النص المبهر.
لم أجد في مفرداتي أبلغ من تلك العناوين -لألج أبواب تلك السردية الفريدة- والتي هي على الحقيقة لافتات لشاعر السخرية المدهشة أحمد مطر.
فالسارد هنا هو صاحب الاعتراف
يتساءل: هل يمكنني أن أكشف لكم سرا؟ ولا ينتظر الإجابة فهو يعني تقريرا "سأكشف لكم سرا"، ويمضي يردد مع مطر:
بملء إرادتي

ودونَما إرهابْ

أعترِفُ الآنَ لكم بأنّني كذَّابْ

ويعرض لنا مبرراته لهذا الاعتراف، وكأنه يتطهر مما اقترفه طوال سنين عمره المنصرمة خوفا من نهايته ويا لسخريته اللاذعة "وكل ما أخاف منه أن يقولوا: كان عظيما!"، وهو يكذب!
وخلال اعترافاته يقدم وصفا تفصيليا بل برنامجا نموذجيا مبينا الأهداف وخطوات التنفيذ مع الأمثلة المشروحة وكأنه من أولئك الذين علا طبلهم من أرباب "التنمية البشرية"!

وصاحبنا كما هتفت صاحبة "كشف المستور": على كل لون يا باتيستا!
فهو الإعلامي أرقط اللسان "يختزن مفردات لا قبل لأحد بها"، وهو الممثل المضحك الحاكم، وهو المخبر البصاص ذو الألف وجه، وكله من أجل الوطن.
ويراوغنا بين اعترافاته فهو الذي لا تخيل عليه ألاعيب الحاكم ولا يتملكه الوله بما يسبغ على نفسه من ألقاب وهالات تبهر أبصار غيره!
وها هو الحاوي الذي أتقن الرقص على شتى الحبال يصطنع بطولة زائفة، فلقد صار مطلوبا مطاردا من الحاكم!

وفي تغريبته لا تفارقه نفسه فهو هو المحتال صانع الأساطير المتعالي بها هنا وهناك "...، وصلت إلى هنا، في الحقيقة كل الأدوار التي أتقنتها هناك لم تؤد بصدق؛ يحلو لي الآن أن أكون حائك المدينة"! فهنا الذم المقصود به المدح.
وكأن مبدعنا جمع في اعترافات صاحبه الجميع في سلة واحدة: إعلام، وصحافة وسياسة كاشفا ما تحت الأقنعة مضمرا ما صرح به مطر:

وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه
وقال : " إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه"!

وما بين "وقت ناظره قريب"، و"الآلات والبطاقة الممغنطة" يمزج د. سيد شعبان ما بين الاقتباس من التراث وحداثة الحاضر وهو على ذلك في تضفير الحكاوي القديمة "القرد ميمون الذي يسرق الكحل من العين، و الفتاة التي تتحول إلى يمامة جميلة" مع "قناع الأناركية و القطار الآلي الذي يطير في السماء،... ويسابق الحيتان".
وكذا فهو "يضع طرف جلبابه بين أسنانه"، ويخدع الآلات الممغنطة!

وأختم بتلك الزخات الخارقة الحارقة والتي يطلقها أديبنا في لوحات تقطع نياط القلوب مميطة اللثام نزَّاعة لكل الأقنعة:
"..، ها إنها أكذوبة ترددها آلات الدعاية؛ يمجدون ذواتهم، يقدسون آباءهم، يرسمون من أوهامهم لوحات تعرض في صالونات القمار؛ يطول الليل بالجوعى؛ يفترس الشتاء قلوبهم، ومن ثم ينادون عاش الوطن!"
دام إبداعكم منيرا كاشفا.


---------
- أ. د. مصطفى السعيد
أستاذ الأمراض الجلدية والذكورة بطب المنصورة.
مهتم بالأدب والنقد
تلميذ د. إبراهيم عوض أستاذ الأدب والنقد بآداب عين شمس.






==============


19- أ. د. عبد المنعم الملك عثمان - غوص في قصة (ناعم يا ملح) للقاص المصري الدكتور سيد شعبان

السردية عند دكتور سيد شعبان بلا شواطئ، ليس لها بداية ولا نهاية، مترامية الأطراف أشبه بمناخ خلوي لبدو، احتلوا قطعة من الأرض ووضعوا متاعهم فيها، متناثرا، فوضويا، لكنه متآلف، وهم في خلاءهم هذا، لا تحدهم جدران ولا يظلهم سقف.
والسرد عنده يتتابع بلا اتساق، فالعبارة لا تجر أختها، ولا الحدث يحدث عن بعده، تتساقط الجمل والعبارات في سرده على رأسك مثل كتل الأخشاب والقش والرمل، التي يجرها سيل التداعي.
فلا وجود لمتن حكائي عند دكتور سيد شعبان، إذ استبدله بمبنى حكائي خاص به، وهو استبدال يسم نصوصه ويعطيها ميزة.
والسرد عنده يجافي المنطقية، فلا بداية له، ولا توسط ولا نهاية، والأحداث السردية عنده تناوبية، يمكن رجها ونسفها وإعادة ترتيبها عشوائيا دون حدوث خلل.
ومعظم شخصياته طلسمية، غامضة، مفعمة بعبق التاريخ مثقلة بالحكمة، غيبية، ملامحها أحيانا تبدو مخيفة .. يصاحبها ضجيج مؤذي، وأحيانا مؤتلفة رائقة.
الألوان عنده لها دلالاتها الصارخة، ففي قصته (الببغاء) التي يقول فيها: (يبدو أن امرأة جاءت مسرعة في ليلة سوداء، تركب سيارة سوداء ؛ ترتدي نظارة سوداء؛ معها حقيبة سوداء، كل هذا السواد سهل لها أن تنزع سر حياتي؛ استدارت في سخرية؛ ثم قالت: الآن ما عاد منك نفع).
هنا يسرقك السواد إلى عوالم مدهشة، أو عوالم ساحرة، أو عوالم لأشخاص لهم مقدرات فوق التي يتمتع بها البشر، إنهم قادرون، وفاعلون ويحركون الأحداث،
والزمن عنده بلا ملامح، فهو يبتدر قصته بعبارة ليست لها تلابيب لتمسك بها، إذ يقول: (يرن الصوت في تتابع)، لكنه لا يبين لنا أي صوت هو، العلاقات الدلالية عنده تزاوج بين كائنات ليست من جنس واحد، (تلال الخوف والفقر)، القص عنده يوردك موارد الطلسمية، ويجرك جرا لعوالم غيبية، ويختلط الملح الأبيض الناعم بخشونة الحياة التي تتصبب عرقا، فجل رواته جدة تتعلق بالكرامات، وشيخ يبيع الحكمة.
(يرن الصوت في تتابع، يلفح الصيف وجوه المارة، لا وجود لصريخ ابن يومين)، عبارات رمى بها القاص في وجهنا لا نكاد نتبين منها إلا معنى واحدا: أن الحياة تمضي، رغم رتابتها، حتى أن كلاب السكك الضالة تلهث وتعب من بركة الماء الصفراء، كان ثمة فيضان، منذ أعوام لم يتجدد ماؤها، فالأحداث العظام هي من تجدد الرتم، وتحث الإيقاع.
والكاتب هنا مشارك في الأحداث، لقد سبق أن اتهم الطيب صالح بأنه مصطفى سعيد في موسم الهجرة للشمال، فلماذا لا يكون سيد شعبان هو الشاهد الصغير الذي بذاكرته التصويرية يسجل وينقل لنا هذه التفاصيل، إنه يستخدم ضمير المتكلم أحيانا، عندما يقول: نتجمع حين يهدنا التعب عند ضفة النهر، لن تخرج الجنية؛ إنه شهر مبارك، تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلا.
ولكنه في ذات الوقت يستخدم ضمير الغائب، عندما يصف مآلات وتصرفات شخوصه: فها هو هنا يصفها في لغة شعرية، قائلا عنها: تأتي في وهج الظهيرة، تحمل وعاء من خزف، تتمايل في دلال، يناغم بصوته: ناعم يا ملح!
تتراقص في مشيتها.
وهو تارة يدمج بين الأسلوبين، أسلوبي المتكلم والغائب، فيتشبب، ويسبق على النص دفقة من الرومانسية تخفف من وطء الطوطمية التي تمسك بعنقه: يتورد خداها، مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى! ابنة عشرين عاما، حلوة، بل أجمل البنات، نظل نجري ونلعب.
فهو سارد يسير خلف شخوصه أحيانا، يصفهم بأدق التفاصيل، يغوص في دواخلهم ويتبنى مشاعرهم، بل يتخذ موقفا منهم: (من بعيد يأتي حاملا عصاه، إنه لا يعرف رمضان، يمسك بنا، تتابع ألفاظه مثل كوم السباخ سكنته الفئران، نجري في الحارة، لكننا لا نسكت، نظل نغني: مصلح يا ملح)
وهو يصاحبهم أحيانا أخرى مستخدما ضمير المتكلم، يتكلم عنهم بحياد لا يتبنى موقفا تجاههم، ولكنه يصف مظاهرهم، ولا يقول لنا لم كانوا هكذا: (يأتي صوت عجوز وقد أخرجها الخوف، تضرب الأرض بعصاها، تدوي في التراب خطواتها، تتماسك، تبتلع ريقها، تلوذ هربا).
تتخلص سرديات الدكتور سيد شعبان من مفهوم الحبكة، فلا وجود لحبكة تقليدية ولا حبكة عكسية ولا حبكة تنطلق من أسرها في منتصف المتن، ففضاؤها حر، وشخوصه بلا أدوار محددة، صناعة الموقف وبناء الحدث عندهم يمتثل للفعل المضاد تارة، وتارة يجري خلف صناعته، والقصة في تفاصيلها متناثرة يحتاج جمعها وتأملها إلى وقفات ووقفات.
ولك أن تحتار في قبض بطل قصته متلبسا بالسيطرة التامة على الأحداث، فالبطولة تطفو وتغطس حسب موقعها من الأحداث، ففي قصته هذه (ناعم يا ملح) كل شخص فيها يصلح أن يكون بطلا ومهيمنا، القاص نفسه، بائع الملح، الجدة، الجميلة المميلة التي لعبت بتوجهات النص، فأبدلت قتامتها تفاؤلا، واسترقت منه التفاتة من الغزل المريح.
ونسأل هل هناك توافق بين الصورة والرؤية عند سيد شعبان: حقيقة يمكن القول: إنه لا يمكن الحكم بسيطرة الصورة الخاصة بالقاص على السرد، أو على رؤى شخصياته من خلال قراءة في نص أو نصين.
لكن يمكن تبين أن الطقس العام لنصوصه ينطلق من تصور خاص للعالم من حوله، وأن البيئة التي تنطلق منها شخوصه، هي بيئة ذات ملامح واحدة متشابهة في معطياتها وشخوصها، لكنها متباينة في ردود أفعالها، ومتمايزة في ردود أفعالها عن البيئات الأخرى، مما يعطى القص عنده صفة الخصوصية، إذ يستنطق عوالما وأبعادا، ويصف حراكا لا علاقة له بجلبة العالم المتحضر ولا بصداماته المادية، فالصدام عنده تغلب عليه الميتافيزيقيا وتسيطر عليه الروح التلباثية.
ختاما: تخلص الكاتب من كثير من قيود القص، كالعقدة والحبكة والإثارة والتشويق وصناعة الفجوة الدرامية ثم سدها تدريجيا، ومن استنهاض المفارقة والطرافة في المواقف، معتمدا على تكثيف العبارة والوصف المتحيز مع أو ضد. والبعد عن الملمح التقليدي للقص سيظل يشكل خطورة على مدى فاعلية التلقي، وعلى الكاتب أن يتجاوز ذلك من خلال الوصف المتعمق واللغة الساخرة والناقدة على ألسنة الشخوص، إذ يلاحظ على الكاتب ميله لإشاعة جو من الغموض والطوطمية والتلباثية في فضاء أقاصيصه.
وتبقت الإشارة إلى حقيقة التألف بين النوبة شمالها وجنوبها في الطوطمية والطقوسية والغيبية والثقافة فقول: أم رمضان وراء الكوم تزرع ثوم!
يا خالة يا أم رمضان قومي اتسحري، بالجرجير والعيش الطري.
هو قول يقابله في السودان:
يا صائم رمضان قوم اتسحر
يا فاطر رمضان نوم اتندل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ناعم يا ملح
قصة قصيرة بقلم الكاتب المصري
د . سيد شعبان

يرن الصوت في تتابع، يلفح الصيف وجوه المارة، لا وجود لصريخ ابن يومين، بل حتى لا يفكر في مغادرة بيته المنزوي وراء تلال الخوف والفقر، حتى كلاب السكك الضالة تلهث وتعب من بركة الماء الصفراء، كان ثمة فيضان، منذ أعوام لم يتجدد ماؤها، تقال حكايات: إنهم بنوا سدا عاليا عند بلاد النوبة، ستأتي الخيرات لاحقا؛ هذه تميمة جدتي : كف مبتور مخلوط بدم أضحية العيد، لكنه يأتي على أية حال، وراءه سر يغلفه بألف حكاية، الفقراء يدخلون الجنة مبكرا، هذه كلمات الشيخ في ليلة النصف من شعبان، حين يتوقف المكان بسكانه، تزدحم أبواب السماء بأدعية المبتهلين، أراه كل يوم يجوب الحارة، يجتاز الأزقة المسكوكة عمدا؛ تنتهي بباب سد، يحمل جوال الملح، وللعرق في الصيف عناء، تلفح وجهه النار، تدفعه الحاجة إلى أن ينادي على بضاعته الكاسدة؛ ترى من يشترى الضنى وقد امتلأت الحياة رهقا: يا مصلح يا ملح!
صغيرا تبعته مثل ظل أعواد الذرة كنت أنا ذلك المغطى بكساء أزرق مثل النيل يوم كان يتهادى يحب المحروسة، يقبل شفتيها
ينظر إلى نافذة نصف مشرعة، تخرج يد بيضاء حلوة مثل حليب بقرة جدي، منديل يهفو به ألوان زاهية، حواشيه مطرزة بالخرز الفضي اللامع.
ينادي مرة ومرة، مصلح يا ملح!
تأتي في وهج الظهيرة، تحمل وعاء من خزف، تتمايل في دلال، يناغم بصوته: ناعم يا ملح!
تتراقص في مشيتها.
تصدر أبواب الحارة صريرها، تخرج همهمات والهة، تحدق عيون عطشى، ينساب العرق قطرات حارقة، يأتي صوت عجوز وقد أخرجها الخوف، تضرب الأرض بعصاها، تدوي في التراب خطواتها، تتماسك، تبتلع ريقها، تلوذ هربا.
يترك ملحه، يجرى في الناحية، يسقط منه كيس نقوده، تتناثر قروشه، نجري وراءه، نلهو بكلماته:
مصلح يا ملح
ناعم يا ملح!
يتورد خداها، مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى!
ابنة عشرين عاما، حلوة، بل أجمل البنات، نظل نجري ونلعب، يأتي رمضان نلهو بكلماته، نسهر طوال الليل، فالحارة آمنة من العفاريت، لقد ربطها بسلسلة أكبر من قضيب القطار المصري؛ هكذا قال مولانا في الكتاب٠
أم رمضان وراء الكوم تزرع ثوم!
يا خالة يا أم رمضان قومي اتسحري، بالجرجير والعيش الطري.
نتجمع حين يهدنا التعب عند ضفة النهر، لن تخرج الجنية؛ إنه شهر مبارك، تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلا.
ننزل الماء، نمسك بالأسماك الصغيرة، نتذكر حكاية بائع الملح، نقلد حركاته، تضحك كما لو أن السماء أخرجت عصافير الجنة الخضراء تلهو .
من بعيد يأتي حاملا عصاه، إنه لا يعرف رمضان، يمسك بنا، تتابع ألفاظه مثل كوم السباخ سكنته الفئران، نجري في الحارة، لكننا لا نسكت، نظل نغني: مصلح يا ملح
تاعم يا ملح!
مضى أربعون شهرا، واحدا وراء آخر، بي للعب حنين؛ أرتدي الثوب الأزرق بلا سروال، أطلق ساقي تدب، ترى أين هي الآن؟!
أما تزال حمراء الخدين؟
يبدو أن الملح صار مجعدا مثل صوف الشاة، ضمر ثدياها، كانا مثل حبتي الرمان، تمزق منديلها ابتلعه البحر بملوحته.
انطفأت بلادي.
أم رمضان ما عادت تأكل الخبز الطري، مثل أعواد الحطب تذروها الريح كل مكان.




***


20- أ. د. فراس عبد الرزاق السوداني - قراءة في قصة «في شارع شُبرا»

خلَعَ المُبدع الدكتور شعبان على سرده «في شارع شُبرا» حُللَ الحُسن والبهاء مِن كلّ صنف ولون، بما أوتي من خيال القاصّ الموهوب ولغة الأديب المشبوب، فجاء نصّه هذا واسطة عقد نصوصه التي اطَّلعت عليها مذ جمعتنا صداقة فَسْبكيّة مباركة.
دقّةُ الوصف والتشخيص السمة الأبرز لهذا السرد، مع تشويق تنقطع دونه الأنفاس بكثرة التنقّل بين المشاهد المتوالية من جهة، والانتقال من وصف المشهد إلى الغور في أعماق الشخوص وترجيع صدى حواراتهم الداخليّة، أو نقل الحديث على ألسنتهم، من جهة ثانية.
والنصّ زاخر بالنقد محشوّ بالنصوص اللاذعة، وبعض هذا النقد يدلّ على وعي نادر من القاصّ بشتّى مناحي الحياة..
تأمّلوا معي نقده لحُمّى الإعلانات في مُدننا، إذ يقول: «لوحات الإعلانات تُخاطب أناساً لم يرهم مِن قبل»..
ثمّ ينتقل لنقد عِمرانها، قائلاً: «تبدو العِمارات على الجانبين بقايا جبال في مشهد يضج بالعبث»..
ويثنّي في ذات السياق قائلاً: «افترسَت المدينةُ التي بلا قلب شبابه»..
هذه النصوص الناقدة عجيبة مُعجبة، فقد استطاع بوعي الفنّان أن ينقد مآلات المدينة في نسيجها العِمرانيّ ومشهدها الحضريّ!!
أعجبني كثيراً تداخل الزمان والمكان في سرده، كقوله: «الآن.. غير بعيد منه» وأمثالها، وتقابل التشبيهات في نصّه وهو يصف محصّل التذاكر (الجابي) بقوله: «اقترب من نهاية الخدمة كما الحافلة التي تتداخل حوائطها»، فهذه التداخلات تشعرك باندماج الإنسان بزمانه ومكانه وبالجمادات من حوله، حتّى إنَّ نفحة من روحه لتضفي عليها شيئاً من روح!
فالجمادات عنده امتداد لحياة مَن يعيش فيها وبينها، فتتوهّم من مثل قوله: «يسرقان لحظة من حافلة مصابة بالخرس» بأنَّ الأصل في الحافة أن تتكلّم وتنطق وتعبّر. و«الحافلة -عنده- تتمايل طرباً» و«لوحات الإعلانات على جانبي الطريق تحاصر...» السائق.
وربما كان شغف القاصّ هنا بتحريك الجمادات وإنطاقها من نقده الخفيّ لأنماط عيشنا المعاصرة بتكنولوجيتها التي قرَّبت البعيد وأبعدت القريب، فلا يكاد الزوج يحكي مع زوجه ولا الولد مع والديه ولا الأخ مع أخيه ولا الصديق مع صديقه، ويجمعهم مكان واحد وتفرّقهم هواتف محمولة يتواصلون عبرها مع الأباعد من الناس!
وقد لاذ القاصّ بالكنايات، ليؤدّي الأغراض البلاغيّة من جهة، وليحافظ على مستوى نصّه الذوقيّ، من جهة ثانية..
تأمّلوا قوله: «كان ميتاً وحياته أن تأتيه أنثى تحرِّك ساكنه» وقوله: «يداعبها بعينيه» وأيضاً في قوله: «عيناه تقتحم خلوتهما المتوهَّمة».
في النصّ مقابلات مُبدعة أضفت على النصّ حياةً بما احتوت من مفارقة، كقوله: «تجاوب مع الفتى حين كان يُعابث الفتاة اللاهية.. امتعض من لحية الشيخ ذي العمامة»، فـ«عبث الفتى» ينفخ في مستكنّ الجمر تحت رماد الشباب الذاهب، و«لحية الشيخ» توقظه من هذا الشرود وتعيده إلى رشده الذي يؤرّقه، ولسان حاله يقول:
فلا يُبعد الله الشبابَ وقولَنا ** إذا ما صَبونا صَبوةً: سنتوبُ!
ويؤكّد على هذا المعنى من طرف خفيّ آخر، بقوله: «الفتى الذي كان يُعابث الفتاة يتصَّدر المشهد.. يحدث الركّاب عن مُتعة الحياة؛ أن يبحثوا عن الأمل.. ينهره الشيخ: الموت نهاية الأحياء».
ولا يخلو هذا النصّ الأخير من لمحة ناقدة لبعض دُعاة الدين المعاصرين الذين يقتلون في الناس الأمل بذكر الموت حيث يجب أن تُذكر الحياة، والحياة في سبيل الله أوّل مقاصد الشرع الحنيف؛ إذ الحياة خلقه والعيش فيها قيام بحقّ تكليفنا فيها!
آنسني كثيراً تضمينه البارع من فلم «Speed» الهوليوودي الشهير، في قوله: «على الشاشة نبأ عاجل: على المارين في شوارع المدينة توخي الحذر.. حافلة فقد السائق السيطرة عليها!»، وهي دليل آخر على وعي هذا الفنّان وتكريسه لمخزونه الثقافيّ في خدمة نصوصه.
هذه الثقافة التي يؤكّدها عدد من نصوص سرده هذا، فالسائق «يخرج عن وقاره في وصلة من موال الصَّبا»، والصّبا نغم حزين؛ لكنّ الحزن فيه مُطرب، وأصل الطرب في الحزن والفرح، كما هو معلوم.
ادّخر القاصّ نقده السياسيّ إلى آخر السرد، والتأخير كالتقديم يؤدّي معنى الاهتمام والتوكيد..
«توشك الحافلة أن تكون حديث المدينة، النسوة يحاولن ركوبها، يسابقهم الرجال.. وجدها المسئولون فرصة، أفسحوا لها الطريق!».
والرأي عندي أنَّ هذا النصّ الأخير هو مفتاح هذا السرد وغايته في آن، وإنّي لأتوهّمُ به «الحافلة» حياتنا المعاصرة بتناقضاتها، ومفارقاتها، وإيقاعها السريع، وحيرة أولي الأمر في إدارتها، ومحاولتهم لاستثمارها بما يضمن لهم كراسيّهم ومناصبهم، لا بما يؤدّي عنهم أماناتهم!!
ويأتي الختام ليزيّن لي وهمي الذي بُحت به إليكم هنا، فليس «بائع الأشياء الصغيرة» إلا واحداً من أولئك المسؤولين الذين يمكرون ويُغافلون ويسلبون، مُتَّكئين في ذلك كلّه على غباء الشعوب وغفلتهم..
«على حين غفلة شدَّ بائع الأشياء الصغيرة مقبض الحافلة.. توقَّفت، بعدما سلب عقد المرأة المتصابية!».
هذا نصّ مفعم بالحيويّة والنقد، موّار بالحياة، ولا غرو.. فالأديب من صُنّاع الحياة، والله تعالى أعلم بمراده من ذلك كلّه!


****



21- د. أحمد مجذوب الشريفي - قراءات نقدية متاهات السرد المجزأ وقـوانين الربـط والتجاور الدلالي

كتابات د. سيد شعبان عندما تقرأها تجد نفسك قد دخلت في متاهات، فالنص عادة متشعب الأحداث، دروبه قصيرة، يقفز بك من حدث ليقربك الي حدث آخر ثم يبعدك تماما من الحدث الأصلي ، قبل أن تلتقط أنفاسك تجده قد أعادك الى حدث سابق فلاحق فسابق، حتي تجده قد أوصلك الى فكرته الأساسية التي بني عليه نصه، صورة قريبة وأخري أقرب، يصور لك المشهد بوصف دقيق كأنك تراه، يجعلك تنازع الروح بسرد عجيب فتحتار أيكتب قصة؟ ، نعم هي كذلك و ان ابتعد بها عن القواعد المعروفة، ثم تبعد القصة كلية من تفكيرك و أنت تقرأ لتقول لنفسك لا هذا سرد نثري لأحداث نمت وتطورت من حدث واحد أو قل لا شيء، سرعان ما تتجمع لديك مقاطع تكون موضوعا.
اذا تتميز كتابات د. سيد بالتجزئيي و التقطيع غير المترابط (ظنا) ، لكنه مترابط من حيث الانتقالات بين الأحداث التي تعبر عن روح المكان بكل حركاته و انفعالات مجتمعه بشخوصه وحيواناته وجماده، و كأنه يفلت الحبل من هنا ليقبض ذاك الحبل ، فالمجتمع الريفي حركي ، فحدث هنا يربط حدث هناك، صورة هنا و أخري بعيدة "وحدة موضوع" لكنها تختلف في فهم د. سيد فوحدة موضوعه "الريف" ، "القرية" ، شخص واحد، لكنه كأنه يمثل القرية كلها، الهم، الفكر، الأكل، كل نمط الحياة واحد، لهذا يتموضع القارئ زمنا في انتظار ما سيحكيه السارد، وهذا ما يبدوا واضحا في كل كتابات د. سيد السردية، فقارئه يكون في حالة شبه مطمئنة، حين يرافق السارد، غير أن هذا الاطمئنان سرعان ما يتلاشي لصعود و هبوط السرد و تغير الزمان و المكان مرة نحو الماضي(استرجاع زمني)، ثم الحاضر و عين ترقب نحو المستقبل.
حيث تجد الانسان الريفي بكل مدلولاته العميقة المتجذرة في البعد الريفي، فحكاياته التي يسردها بوحدة و تعدد مواضيعها موغلة في التراث الشعبي والفلوكور المحلى ، نعم هو يفصح عن هذا بصورة مباشرة ، لأنك تجد انسانه وموضوعه بسيط، معفر بالتراب ، موشح بالطين، متسربل بما يلبسه جديدا كان أو قديما، و اغلبه قديم، منغمس في عالم السحر و الدجل و الشعوذة، و أولياء الله الصالحين، يرتدي الطين ثوبا ، يلفحك عرقه النقي الذي لا تشم رائحة العفن فيه ، فهو عرق فلاح ، عامل بناء ... الخ ، لاستمرار حركته لا يركد عرقه ، فتبخره الشمس سريعا ، ثم تتجدد جداوله ليخر في الجسم عرقا جديدا..
سرديات د. سيد شعبان تصلح لبناء دراما فكاتباته قريبة جدا الى كتابات السيناريو ، وانتقالات الكاميرا و مقاطع الصوت بكل مؤثراته ، يظهر ذلك جليا اذا قرأت بحواسك كلها و انت تستحضر المشاهد و كيفية معالجتها، فلديه مسألة تجزئة النص وتقسيمه إلى أجزاء إحدى المسائل الأساس في بناء عمله السردي، الذي يسمح فيه عالم الفيلم المجزأ إلى وحدات من الصور، بعزل أي جزئية يمكن لها أن تتمتع بنفس القدر الذي تتمتع به الكلمة، وبالتالي يمكن فصل أي صورة منفردة عن سياقها وتركيبهـا مع صـور أخـرى وفق قـوانين الربـط والتجاور الدلالي، بالتالى تكون سردياته تأخذ الاتجاهين الصوري و الكلامي ، فقد برع أن يحيل صورة المشهد الجامدة الى كلام، تفهم منه ثم تنتقل الى الصورة فيرسخ المشهد في ذهنك.
فمن سردياته "حدث مرة" نجد هذا الترابط في شخصياته " وإمعانا في الغرابة؛ ارتديت تلك الثياب، صرت رجلا آخر، احتفى بي المارون، بالغوا في احترامي؛ جاءوا إلي بحصان أبيض أركبوني فوقه، تجمع العشرات حولي، صاروا يتنادون: لقد عاد عرابي من جديد، أتحسس وجهي فإذا شارب كبير قد نبت، رأسي يعلوها طربوش سلطاني أحمر، أحقا عاد عرابي؟ "
لنقرأ من "رجل يسكن القمر" ونادرا ما يحدث هذا؛ يقال إنها شجرة تحفها عناية الله؛ تربض تحتها جنية منذ مئات الأعوام، جلس تحتها قطز وبيبرس يوم أن هزموا جحافل التتار، آوى إليها عبد الله النديم حين اختفى عن عيون الوشاة؛ في بلاد يتجمع فيها الفرح والقهر في مشهد واحد؛
و نقتطف من "التائه" (طافت بي أمي عيادات الأطباء، أزارتني مقامات الأولياء، ثم بعد غادرت الدنيا ولما ترى لي لسانا مثل كل الأطفال) لا ينتهي توهان السارد هنا بل في رجل يسكن القمر تستمر حالته كتائه " سرت أشبه بريشة تذروها الريح، هل أنا التائه من عالمه أو الهارب من أيامه؟ "و كذلك " جئت إلى هنا وحيدا، لم يكن يسمع بي أحد، في عالم مصاب بالجنون تبدو الأشياء بلا نفع"
اذا هكذا د. سيد شعبان ، سرده لا يخاطب العامة ، و كذلك لا يخاطب الخاصة ، اذا من يخاطب ، في تقديري يخاطب نفسه على الورق، فالانسان عندما يخاطب نفسه يصدقها، فعادة ما يركن الانسان الى نفسه لحظات الضيق و حتي الفرح، بالتالى يكتب بصوت مسموع ليفرغ تراكمات مجتمعات ريفية عاشها ، أشخاص علي هامش الحياة مر بهم أو مروا به ، لهذا قلت سابقا يدخلك في متاهات ، و متاهاته ليست اعتباطا لأن حياة هولاء الذين شغلوا فكره فكتب عنهم ، نفسها متاهات ، فالعامة لا يستهدفها بكتاباته هذه ، فالمتاهات التي يكتب بها تجعلهم يجفلون من القراءة و قد يحدث لديهم حالة من "الغبش الفكري" ، و لا الخاصة ، لأن للخاصة قواعد يصعب الخروج عنها فتكثر تساؤلاتهم ،عن و عن فيحدث هرج ذهني ، و علي هذا يتحاشي د. سيد هذا و ذاك فيكتب أو كأنه يكتب لنفسه ، محتفظا بمسافاته الجمالية لكل حالة سرد.
بين تفاصيل هذا السرد تتشكل المسافة الجمالية التي يقدمها ، بوصفه جنساً سردياً، تتحدّد هويته الفنية في تشكيلات العلاقة وماهيتها بين السرد والتلقي ، و ما هو متروك للقارئ المتلقي وفق مزاجه و ثقافته و اهتمامه ، فتتمدّد الدلالات باستخدام اسلوب الاستدعاء الحر ، أى التذكر أو الاسترجاع الحر وهو نموذج أساسي في الدراسة النفسية للذاكرة. وهنا هو ذروة الصراع المتشتت في هذا السرد ، من هنا قاد د.سيد شعبان نصوصه بتمدد دلالاتها و لم يضيع البوصلة بل فتح للقارئ استدعاء حر من خلال صور ومواقف واشتباكات ، قد تكون متشتتة ، ولكنها تلتصق بخيط خفي داخل السرد.





*****-



22- أ. د. حسام عقل عن القصة القصيرة 'شعبور،'

بلغت خطوات فساحا ً ، لاحد لإدهاشها وجمالها السردي المصقول ،، نمط السرد العجائبي ، الذي توظفه انتجاع لمساحة شديدة البكارة والجدة ،، القطط عند السواقي والمأذنة الخضراء وابنة الحاكم الممسوسة ، و غيرها من المكونات الغرائبية ، رسمت لوحة متعرجة مثيرة ، تخاطب الوعي و اللاوعي معا ،، أداؤك اللغوي الجامع بين الفحولة و العصرية و طزاجة المعجم الناضر ، أضاف ضميمة أسلوبية، لجمال اللقطة و غوايتها!
شعبور
ليتني كنت رساما؛ ساعتها كانت لغة الألوان تعبر أفضل من تلك الحروف، على أية حال تتداخل أجزاء حكايتنا لتكون لوحة عجائبية، أصوات مرعبة تتناهى إلى سمعي، واهنة لكنها تجسد رعبا؛ لم تكف الجدات عن تلك الحكايات الموغلة في الماضي.
ثمة ساقية تسكنها القطط الحمراء، لها عيون تومض بريقا في العتمة، تخرج تلك عند منتصف الليل تتمسح بأرجل القادمين، يقال إنها تتطاول حتى تبلغ حجم بقرة الهنادوة؛ أولئك قوم يعرفون بالطيبة وبسطة الجسم، ﻻيردون سائلا ولا يخذلون محتاجا، الناس في كفرنا يحتاطون منها، يعدون السمك ﻷجلها، رغم أنها لا تتناول طعاما ولا تحتاج إليه، يخافون منها، حين كنت صغيرا نازعتني نفسي أن أمسك بواحدة منها، يحلو اللعب بها، كمنت حتى إذا أظلمت الدنيا، خرجت أحمل سلة، أمسكتها بإحكام، أخذت معي حبلا وقناعا؛ حتى لا تعرفني أمها، في هذه الساعة لا يأمن الطفل على نفسه.
تسللت كنملة تدب دونما تصدر صوتا، جاءت واحدة نافرة شعرها، تمشي على رجليها الخلفيتين، لها رأس عنزة كبيرة، أذناها تتدليان يشبهان غطاء ماعون كبير.
تملكني الرعب؛ تشجعت، كيف لفتى أن تخيفه قطة، حين اقتربت منها، أحاطتني برجليها الأماميتين، تقفازت مسرعة مرة أمامي، أخرى من خلفي، يبدو أن خطرا يحيط بي، سردت لي جدتي حكاية لأنام:
رغيف خبز يتمدد كلما اقتربت منه أيدي الجوعى، يتسلل الواحد منهم من وراء أخيه، يحشون بطونهم بتلك الأرغفة الشهية قبل أن يأتي زمن الجوع المنتظر، يعدون لاحتفالية كبيرة، أضواء تختطف الأنظار، زينة في كل ناحية، يبدو ذلك من أبعد مسافة، فثمة مأذنة ضوءها أخضر كأنما هي جبل يشعلون به نارا، فالوالي يجهز قصرا كبيرا، يسرق الحرفية ويلقى بهم هناك، سيكون هناك سوق للشعر وآخر للعبيد وثالث تجري فيه الخيول، لن يدخله إلا التجار والأشراف، يتسارع الناس عند ديوان الوثائق؛ يبحثون عن سلسلة نسب شريف.
تكمن عند بوابة المتولي قطط وكلاب، الحراس يرقبون العابرين بعيون لا تطرف؛ يخشون من حادث غير متوقع؛ ميلاد ابنة حاكم المدينة، تجار الحلوى قدموا عرضا غير متوقع؛ باعة ألعاب الأطفال خفضوا أسعارهم، مراجيح مولد السيدة أم هاشم فيها اللفة بنصف ريال، لم يهتم بائع الخبز بكل هذا الاحتفاء، إنه يعاني كثيرا، الرغيف لا يقبل الاشتراك في الأعياد؛ بالخبز وحده يملأ الجوعى بطونهم، يتجرعون شربة ماء ثم يزهون بالحمد.
يبدو متعبا، ينام من الليل قليلا، لديه واجبات لابد أن يؤديها؛ يستطيع الناس أن يستغنوا عن الحلوى ولعب الأطفال، لا يمكن حدوث ذلك لصاحب الخبز، تجمع تجار المدينة، وشوا به إلى الحاكم؛ إنه لا يشعر بأهمية الاحتفاء بتلك المناسبة النادرة!
انحنى ظهره؛ خمسين عاما ويزيد يشعل الفرن بالفحم، تعلوه حدبة أشبه بحجر طاحونة الرحى، يدور رغيف في إثر رغيف، تتلقف بطون المجاورين في الأزهر؛ درب الأتراك يفضي إلى درب الجماميز، والقلعة سجن يقف على بابه أغوات يتوعدونهم بالعصي؛ يتلقونهم بسياط تترك وشما أزرق على أجساد المنفيين في دروب المحروسة.
انتهزها فرصة لينظر أيهم أكثر نفعا، طلب إليه الحضور، لم يأت بعد، زادت شكاية الآخرين؛ إنه يهزأ بتقاليد مولانا، يتكبر؛ يبدو مصابا بمرض العظمة، أسرها الحاكم في نفسه، يشعر بمرارة لا تنتهي، توسوس إليه زوجته: أصدر أمرا باستدعائه مربوطا في حصان البلدية، حافيا أو عريانا؛ فالناس هنا تتساءل: هل صار الخباز هو حاكم المدينة؟
أخذ يفكر في تلك الوشايات، يتحدث عن أثرها عليهم، يتناقلون شائعة: الخباز يحتال ليغير مجرى النهر؛ يعد لهذا الأمر منذ سنوات، يخدعنا بصنعته تلك؛ يوجد سرداب خفي يبدأ من خزانة الدقيق وينتهي عند مدخل الصحراء، يستخدم لتلك المهمة البدو والغجر، يبدوان متحاربين في الظاهر؛ عكس هذا يتعاونان ﻷجل هدف غامض، يطوف بمدينتا شعبور الساحر؛ يجمع أخبار الحاكم؛ يتعرف على موضع الضعف في مجرى العيون، يخفي أوراقا وأقلاما في عمامته.
أخذت الحادثة تسيطر على أذهان سكان الحارات القريبة من بوابة المتولي؛ كل يوم يخرج الخباز إلى النهر يأتي بالماء ليعجن أرغفة شهية؛ تتراقص في أفواه الجوعى؛ تمدهم بطاقة الحياة، يفرحون بها؛ تجعل بطونهم ممتلئة؛ يتجرعون الماء، يتناقص النهر كل يوم شبرا، فالسماء لم تأت بمطر جديد، باعة الحلوى يشتكون من بوار سلعتهم؛ لا حاجة لسكان حارة المغربلين أو السروجية بل ولا درب الهوى حتى درب سعادة بشيء منها؛ منع الحاكم إقامة موالد ﻷهل البيت؛ فالنهر في خطر!
صار شعبور ذلك النمام الذي يتسمع الأخبار، يضع أذنه حيث يكمن تحت نوافذ البيوت؛ فالمدينة أشبه ببلدة تتجاور، الحاكم يشغل كل شعبور ممزق الثياب، تبدو ريالته صنبور يدفع بالماء من سبيل أم عباس، تتقافز قرود الجبلاية المؤدية إلى الجبل الأحمر.
يتمايل شعبور في نواحي المحروسة، له شارب يقف عليه الصقر، تتدلى من رقبته خمسة وخميسة؛ أذنه اليمنى مثقوبة؛ يقولون: أمه لم يعش لها أولاد، جاءت به قومها في أمشير؛ كانت ليلة شديدة الريح، اشتعل فرن الخباز سبعة أيام، خرجت منه قطة سوداء لها ذيل طويل، زارها في المنام هاتف؛ أسميه شعبورا، له سر باتع، صنع الخباز فطيرة محشوة بالحمام، شعبور لا أب له، معاذ الله أن تكون حملت به من باب خفي؛ هجرها أبوه، كانت قطعة فحم تنتقل من بيت إلى آخر؛ توارث شعبور عنها زيغة العيون، والوشاية بمن أحسن إليه.
وسوس شعبور لحاكم المدينة؛ مقتلك في رغيف مخلوط بدم سلحفاة عجوز، أرسل في أنحاء المدينة أقتلوا كل سلحفاة أو ادفعوا به في فرن الخباز.
بنت الحاكم ممسوسة، عجز جن سليمان أن يداويها؛ شائعة أطلقها شعبور؛ بنت حلوة، خدها تفاح أحمر، شعرها يسبح في النيل،يتماوج في رقصة شمس الأصيل، جيدها أشبه بإصبع الموز، كيف لشعبور النمام أن يدخل القصر، أدار حيلة وراء أخرى.....


*********

23- خليل الجيزاوي - عن قصة: "مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ" للدكتور سيد شعبان

"المرأة امرأة ولو كانت وزيرة، والرجل رجل حتى لو كان مولانا الشيخ أبو الأرجاب، هكذا يدهشنا الدكتور سيد شعبان بسرده الماتع، يسرد كأننا نرى مشهدا حيا يتحرك أمامنا على شاشة سينما الحياة، ويأخذك بوصفه الشيق حتى تشتم عطر المعلمة توحه وتسمع شخللة الغوايش في يدها وهي ترحب بالشيخ القادم، عله يبل ريقها بشمة وطله بعد جفاف ريقها الأنثوي من يوم رحيل زوجها الخامس، قصة قصيرة بامتياز وسرد يجذبك ولا تستطيع الفكاك منه إلا وأنت تقرأ الجملة الأخيرة، ومدد يا شيخنا أبو الأرجاب الذي شرف الرجال.. كل الرجال. "مولانا أبو الأرجاب الثلاثة انتفخت أوداجه وطالت لحيته في هذه العشرية التى ضرب أثداءها الجفاف؛ هل تراه يعاني مما يضرب الناس بسوطه؟ يجري الناس هلعا فثمة طاعون يهز العالم من حوله، رجال مكممون ونساء منقبات، فالموت على الأبواب وفي الشوارع، أما هو فيمد رجليه ويتمطى في جلسة لا يحسن غيره إلا أن يقلده. أخذ يمد فمه الذي يشبه زلومة الفيل ويغمسها في قدرة المعلمة توحة التي تقف عند ناصية حارة البهلوان في كفرنا السارح في النسيان؛ بنت بلد وتعرف الطريق إلى احتواش جنيهات نسوة الكفر أقراص الطعمية جعلتها موضع حديث النسوة؛ سر خلطتها لايعرفه غير مولانا أبو الأرجاب، شملولة وتخطف حلاوتها العين؛ وقف عند قدرتها وفتل شاربه الذي تساقطت منه بضعة شعرات؛ يقال ثمة صرصور يأتي بالليل ويقتنص واحدة كل آونة؛ حصيلة قدرتها تزيد كل يوم؛ تشخشخ بها الفضية. ضربة بغمزة عين؛ تزهو المعلمة التي تعرف كيف تصطاد حبات الفول من قدرة تعج بالعدس- - يمين الله يا سيدنا أبو الأرجاب لتنزل من على حمارك المحروس ذي الطلعة البهية؛ ادخل ياسيدنا وبارك مطرحنا؛ خمسة أرغفة في عين الحسودة تفيدة. تمطى أبو الأرجاب الثلاثة، في جنبه كتاب اصفرت أوراقه وتهرأت حواشيه؛ تمتم بكلمات سمعتها المعلمة احمر وجهها؛ تعرف مقصوده، سرت رعدة في جسدها؛ منذ أن ترملت بعد حسونة فحلها الخامس ضربتها الملوحة؛ لمعت عيناها في مرآة بجوارها؛ سرى الدم في خديها؛ فكت ضفيرتيها؛ أزاحت قمطة رأسها: حلو يا شال مولانا آه منك يا قلم أبو الأرجاب! ترش الملح سبع مرات، تعطر المطرح بماء الورد، مولانا سره باتع؛ في حارة البهلون العانس يفك بختها ويصرف كيد شيطانها، والمطلقة يحضر لها ابن الحظ؛ دارت به الأرض من حلاوتها؛ حصالة تلمع وأنثى تروي عطشه. ما ترك وليمة إلا وتصدرها؛ ينهش بأصابعه ويمرغ وجهه بدهنها؛ تنتفخ بطنه فيحبس بكوب من شاي معتق ينعدل به مزاجه. تخطو المعلمة فتبدو قدمها المحناة بدم غزالة؛ تتغنج فيلامس لحيته؛ يهتز ردفاها فتلمع عيناه؛ يهتف بصوته المتماوج: مدد يا أم هاشم! تسارع إلى حصالة فضيتها فتفرقها بين يديها فتبرق منها عيناه، يعتدل في جلسته؛ يظهر تمنعه، ترمي بشباكها: أنا الطبيب لكن عين الهوى جرحاني! عز الدوا ومن هواها شفائي! أطلق عليه أبو الأرجاب منذ وطئت قدمه كفرنا؛ بعضهم يراه مجذوبا يأتي بأفعال المجانين؛ يرفع عجيزته وقد يوشك أن يخلع هدومه؛ ساعتها ترجو النسوة أن الأرض لو تنشق فتبتلعهن! غير أن توحة المعلمة تنظر من طرف خفي؛ ترجوه فحلا ومن غيره في كفر البهلوان يصلح لها وقد اعتصرت قبله خمسة رجال. تتراقص في يديها غوايش الذهب وتتدلى شراشيف عقدها ذو الكف أبو خمسة وخميسة. يجري أبو الأرجاب فتنفك تكة سرواله؛ يبدو وتده عصاه الثانية يتوكأ عليها؛ تطرح كل واحدة من نسوان حارة البهلوان طرف جلبابها فتغشاه ساترا لعينيها؛ فضيحة على مرأى الجميع، غير أن توحة تشتهي بطرف خفي؛ سبجعلها عروسا بنت العشرين وقد أوشكت سن اليأس أن تضربها بمعولها الذي تذبل منه العيدان الغضة. تمني نفسها بليال مخملية؛ سترقص ما وسعها الجهد؛ تعرف أشكالا من زينة؛ ستغريه برائحة عطر اشترته من رضا العطار؛ هل تراها ستنال غرضها؟ تلطم خديها؛ لقد صارت حصالة نقودها صفرا تدوي فيه الريح!


"مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ"
للدكتور سيد شعبان

انتفخت أوداجه وطالت لحيته في هذه العشرية التى ضرب أثداءها الجفاف؛ هل تراه يعاني مما يضرب الناس بسوطه؟
يجري الناس هلعا فثمة طاعون يهز العالم من حوله، رجال مكممون ونساء منقبات، فالموت على الأبواب وفي الشوارع، أما هو فيمد رجليه ويتمطى في جلسة لا يحسن غيره إلا أن يقلده.
أخذ يمد فمه الذي يشبه زلومة الفيل ويغمسها في قدرة المعلمة توحة التي تقف عند ناصية حارة البهلوان في كفرنا السارح في النسيان؛ بنت بلد وتعرف الطريق إلى احتواش جنيهات نسوة الكفر أقراص الطعمية جعلتها موضع حديث النسوة؛ سر خلطتها لايعرفه غير مولانا أبو الأرجاب، شملولة وتخطف حلاوتها العين؛ وقف عند قدرتها وفتل شاربه الذي تساقطت منه بضعة شعرات؛ يقال ثمة صرصور يأتي بالليل ويقتنص واحدة كل آونة؛ حصيلة قدرتها تزيد كل يوم؛ تشخشخ بها الفضية.
ضربة بغمزة عين؛ تزهو المعلمة التي تعرف كيف تصطاد حبات الفول من قدرة تعج بالعدس-
- يمين الله يا سيدنا أبو الأرجاب لتنزل من على حمارك المحروس ذي الطلعة البهية؛ ادخل ياسيدنا وبارك مطرحنا؛ خمسة أرغفة في عين الحسودة تفيدة.
تمطى أبو الأرجاب الثلاثة، في جنبه كتاب اصفرت أوراقه وتهرأت حواشيه؛ تمتم بكلمات سمعتها المعلمة احمر وجهها؛ تعرف مقصوده، سرت رعدة في جسدها؛ منذ أن ترملت بعد حسونة فحلها الخامس ضربتها الملوحة؛ لمعت عيناها في مرآة بجوارها؛ سرى الدم في خديها؛ فكت ضفيرتيها؛ أزاحت قمطة رأسها: حلو يا شال مولانا
آه منك يا قلم أبو الأرجاب!
ترش الملح سبع مرات، تعطر المطرح بماء الورد، مولانا سره باتع؛ في حارة البهلون العانس يفك بختها ويصرف كيد شيطانها، والمطلقة يحضر لها ابن الحظ؛ دارت به الأرض من حلاوتها؛ حصالة تلمع وأنثى تروي عطشه.
ما ترك وليمة إلا وتصدرها؛ ينهش بأصابعه ويمرغ وجهه بدهنها؛ تنتفخ بطنه فيحبس بكوب من شاي معتق ينعدل به مزاجه.
تخطو المعلمة فتبدو قدمها المحناة بدم غزالة؛ تتغنج فيلامس لحيته؛ يهتز ردفاها فتلمع عيناه؛ يهتف بصوته المتماوج: مدد يا أم هاشم!
تسارع إلى حصالة فضيتها فتفرقها بين يديها فتبرق منها عيناه، يعتدل في جلسته؛ يظهر تمنعه، ترمي بشباكها: أنا الطبيب لكن عين الهوى جرحاني!
عز الدوا ومن هواها شفائي!
أطلق عليه أبو الأرجاب منذ وطئت قدمه كفرنا؛ بعضهم يراه مجذوبا يأتي بأفعال المجانين؛ يرفع عجيزته وقد يوشك أن يخلع هدومه؛ ساعتها ترجو النسوة أن الأرض لو تنشق فتبتلعهن!
غير أن توحة المعلمة تنظر من طرف خفي؛ ترجوه فحلا ومن غيره في كفر البهلوان يصلح لها وقد اعتصرت قبله خمسة رجال.
تتراقص في يديها غوايش الذهب وتتدلى شراشيف عقدها ذو الكف أبو خمسة وخميسة.
يجري أبو الأرجاب فتنفك تكة سرواله؛ يبدو وتده عصاه الثانية يتوكأ عليها؛ تطرح كل واحدة من نسوان حارة البهلوان طرف جلبابها فتغشاه ساترا لعينيها؛ فضيحة على مرأى الجميع، غير أن توحة تشتهي بطرف خفي؛ سبجعلها عروسا بنت العشرين وقد أوشكت سن اليأس أن تضربها بمعولها الذي تذبل منه العيدان الغضة.
تمني نفسها بليال مخملية؛ سترقص ما وسعها الجهد؛ تعرف أشكالا من زينة؛ ستغريه برائحة عطر اشترته من رضا العطار؛ هل تراها ستنال غرضها؟
تلطم خديها؛ لقد صارت حصالة نقودها صفرا تدوي فيه الريح!



**********


24- منى مصطفى: د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد

د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد لا تسمح لك بترك القصة إن بدأتها حقيقة لم أقرأ قصة قصيرة كالتي يكتبها ... ربما ينسج من حدث واحد يُكتب في سطر واحد قصة ذات مشاهد مثيرة وكثيرة يذكرني بقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (وإني لأقرأ الجملة الواحدة من التاريخ فأنسج حولها قصة كاملة ) ثم هو ينقلك من بيئة لأخرى بفن عجيب بل ينقلك من حالة الحزن للفرح للتعاطف للغضب في نفس المشهد وأنت لا تملك الا الاستسلام الكامل للسير معه فيما أراد أن ينقلك إليه... يعتمد على العاطفة في التأثير لا على كثرة أحداث القصة مما يجعل القاريء لا يتسرب اليه ملل ثم هو يرسم لك كل بيئة كأنه ابنها الذي لم يعرف غيرها ... وفي كل هذا يستخدم لغة راقية تأتمر بأمره دون أن تخذله في رسم المعنى أو الصورة أو العاطفة وكل ذلك في بيان جميل



****


25- عبد الرحمن الخضر‎ - عن : شجرة الليمون والحرباء ".للدكتور د.سيد شعبان .


ما إن تلج إلى نصوصه حتى تشعر بزعانف على جانبيك , وبأنك تسبح في الماء .
قلم سهل , أخاذ , مقتدر .
حين تقرأ له فأنت تكتب
واقرأ " الحرباء وشجرة الليمون " . هذه القصة القصيرة التي تبدأ كانفلاق عين الكاميرا على الفضاء : ماذا هناك ؟ كل شيء هناك .
لكن شعبان يأتينا هنا وبين يديه حرباء وليمون . هذا كل شيء في المشهد .
الحرباء ميكرو المجتمع هذا الذي صار يشتغل على البروباجندا لتلميع القبيح وتعطير العفن , وتمجيد الوضاعة .
تلك هي الفارقة الابتدائية : الحرباء تتسلل بين أغصان وأوراق الليمون , بين حيواتنا , لتتسيد أخيرا كل المشهد . إنها في كل مكان , إنها هؤلاء البشر الذين نعيش في مساحاتهم , في الورق , في الحبر , في الإعلان , في المناسبات , وفي بيوتنا , في الدولة وفي المجتمع .
القصة هنا حفلة كرنفالية للحرباء , وتكاد لا تمسك بلون في مساحة أو زمن من الحكاية , فالحرباء تستبد لونها في كل مرة .
اللغة في الحكاية أريحية , تنتقل سرديا كمن تلعب الباليه
ذنب الحرباء أو ابنها ؟
انتفخت واحدة منها كبرا, يتبعها صغيرها , أو ذنبها , يلتصق بها , هذا الذنب أو الصغير لا يعرف إلا التبعية , يعيش ظلا وتابعا وذليلا .
الحديقة صارت ملآ بالحرابي وصغارها , الحرابي تتسيد المشهد دون غيرها
" الذين مروا بحياتي يجيدون طلاء وجوههم، لقد ملؤوا الأزقة والحواري وباتوا كائنات لزجة "
" ورثت عصاه التي تساند عليها , سأضرب بها الحرباء "
" حين تصفحت جريدة الصباح ظهر وجه حرباء يمجد الذي أكل المن والسلوى وحده "
مشهد الحديقة هو افتتاحية النص , يحيلنا على زمن الأب , كيف رتب كل شيء على طريقته هو . لنكتشف أن كل هذا الشيء سينهار إن لم نقلد ونعيد حرفيا ماكان يفعله : علينا أن نعتني بذات الأشياء , أن نتّبّع ذات الخطوات , أن نستخدم ذات الوسائل والأدوات , وفي ذات الإطار القديم لانتجاوزه .
هل هذه هي وسيلتنا لنتعامل مع هذا الواقع ؟
يشتغل الكاتب هنا أساسا على ثقافة المجتمع , هذه التي مثلت الخصوبة المفرطة لتوليد هذه الحرابي . فلو أردنا غير ما فقهناه من الأجداد : فهاهي الأشجار تتساقط , وورق الليمون أصفر يغطي التربة ( ماكان هذا ليحدث من قبل ) .. ( بعد الله كنت أتكئ عليه ) .. ( لقد رحل وتركنا نتدبر أمرنا ) . وهنا الفاجعة فنحن لم نتعلم أو نجرب كيف ندير شأننا مع كل جديد . ( يتساقط الليمون في غفلة منا – لانحسن مثل الأب تقدير الامور ) .
لماذا لانحسن نحن تقدير الأمور كما آبائنا , بل وأفضل بما أنا اكتسبنا من التجارب ومقتضيات التطور بما هو أكثر مما توفروا عليه؟ . ويظل يصر البطل هنا على عجزنا في مقام الأب هذا الذي يمثل ثقافتنا المنقولة حتى بعد مغادرته لنا : ( وحده يعلم أن الحرابي تسعى , تتلون , تمشي حذار القوم )
تحيلنا الحكاية على وجهين: التلوّن في الواقع والتقليد في تعاملنا مع هذا الواقع وذوا قيمة واحدة.
الحرباء أذكى وأكبر فعالية في تغيير جلدها , في استبدال الأقنعة , ولذلك فهي تخدع الجميع في حين تقتات على الليمون .
هل علينا أن نغير شيئا فينا كما تفعل الحرباء ؟
نحن هنا بصدد منظومة لاتؤازر بعضها بعضا , هي فوق ذلك , أربط جأشا وأعمق وأعم وأفصل , هي متلاحمة تلد بعضها بعضا على طريقة البكتريا: الأب ( سلطة الأسرة ) – الحاكم ( سلطة الدولة ) – مثقفين وصحفيين وعلماء السلطة ( البروباجندا ) هي ذاتها تلد ذاتها .
استعارة الحرباء هنا استعارة تقليدية , عكف عليها الكثيرون سابقا ولازالوا كدالة رمزية على هؤلاء الذين يغيرون دائما ولاءاتهم , وانتماءاتهم وآراءهم وفق مقتضى الحاجة , ودائما مع الحاكم القائم على السلطة
لكن الدكتور استخدمها ببراعة حين صارت وحدها الحرباء من تتسيد المشهد في الحديقة , وكأن علينا نحن أيضا أن نلون بصيرتنا وفق المقتضى ذاته الذي تعنيه ألوان الحرباء الراهنة , وكأن هذه هي طبيعة الأشياء في ظل نظام شمولي.
الترميز بالحديقة يوحي بإمكان التعديل والتحسين فيها , لكن التغيير ليس سهلا . التغيير قد يتطلب تدمير كل ماهو قائم . هل ندمر حديقتنا ؟ ما البديل ؟ وإلى متى ننتظر لتأتي أكلها؟ وهل كل ماهو قائم يتطلب التغيير؟ هل يمكننا عمل خليط بين القديم والجديد ؟ حتى عملية الخلط هذه ستتطلب إزالة بعض مما سبق وكم حجمه وكم هي مساحته؟ . أم أن علينا أن نصنع فاصلا بين هذا وذاك ؟
. (أمسكتُ بالعصا فثمة أقاويل أن الحرباء تتبعها أفعى )
هل يريد أن يقول لنا البطل في عبارته هذه بأنه وصل في موقفه من المشهد حد المبالغة , أنها حتى مواقفه , حتى استنتاجاته هذه ربما أنها ليست حقيقية بالمطلق , وأن علينا أن نبتكر طرائق ذكية معاصرة لمواجهة هذا الواقع , والتغيير في هذا المشهد ؟
الحرباء يراها البطل في الممرات وعلى شاشات التلفاز وفي حافلة النقل العام وفي العمل , وحتى : ( حين تصفحت جريدة الصباح ظهر وجه حرباء " يمجد الذي أكل المن والسلوى وحده " )
صار هؤلاء أكثر حضورا في المشهد من أي شيء آخر , الحرباء تتسيد المشهد . هي ثقافتنا إذن هذه التي تمجد الحاكم وتزين التسلط وتبرر قمع كل شيء , هذه الثقافة التي صارت تشتغل على تقنيات حديثة.
وهاهو البطل المثقل بالإرباك , المرتهن إلى الماضي , ينتفض أخيرا ليمزق – عند عودته إلى البيت - : ( كل " الأوراق " التي تربطني بكل حرباء عرفتها ذات يوم ) .
لقد اتخذ قراره : أن يقطع صلته بالحرابي مطلقا .
وهنا سنسأله : وإلى أين ستذهب .
الأمر هنا يشبه الثورة . وماذا بعد ؟
هذه الأسئلة تعنينا نحن . وعلينا أن نفكر . " هذا ماتخلص إليه الحكاية"



***

25- أ. د. عبدالكريم حسين - القارئ العربي : الغرائبية اللغوية في تراكيب د. سيد شعبان في قصة 'سيدنا الوطواط'


ظننت الفتى سيد الشعبانية سيكتب مقامة همذانية، ما لبث بعد إيماءته إلى ذلك أن عاد إلى سفينة الدراويش الاجتماعية فأذهلني بغرائبية الصور وكثرتها في نص قصير: 1- ممر النسيان، وبين النسيان والشيبان والنسوان مناغاة أو تناد..
2- أرباب الخدر اللذيذ (المتصوفة وأهل السرد سواء أكانوا متفرقين أو مجتمعين) وكلاهما أفيون يخرجك من الدنيا إلى الوهم وأنت فيها
3- في غبش الظلام متعتهم(ظلام الجهل تحت ظلام الطبيعة، ومتعة الوهم لحافها متعة الفرج)
4- خيمة خيوطها من ذهب(ولاية ذهبية في دعوة لطلاق الدنيا =الكذب والاحتيال، هي خيمة ولا خيمة النابغة كان فيها عروق من ذهب بيد أن خيمة الوطواط كانت ذهباً خالصاً، وأنتم تنظرون)
5- (ابن الوليد فعل هذا وليلى صارت إليه) رواية كاذبة ككذب الأولياء على الناس فابن الوليد لم يقتل مالكاً اليربوعي بل قتله ضرار بن الأزور، وليلى بنت عصمة الرياحي تزوجها خالد بن الوليد سيف الله المسلول على الظالمين من باب تكريم الفارس (الجفول، والخيل تجفل منه في ميدان المعركة) وتكريم زوجه في انتقالها من بيت كريم إلى بيت كريم، ومن بيت قائد عظيم إلى بيت قائد عظيم، وقبله لما جاءت صفية بنت حيي بن أخطب أسيرة الحرب في السبايا كانت بنت سيد قومها فجاءت إلى بيت سيد المهتدين محمد عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه وعلينا معهم، فصارت أم المؤمنين مما ينضوي تحت يافطة شرف الخصومة عند العرب، وليس هناك بهجة الشهوة الحيوانية التي يلهث خلفها أهل الشهوات من العرب والغرب,
,6- وَلْدنَةُ الغلام يكفرها مولانا صاحب الصولجان فملك المغفرة حق الله في غفران الخطايا صارت ملكاً لمولانا يبيع الغفران سيدنا صاحب الصولجان.
.7- (له ناب من ذهب وأخرى من ياقوت، آبار الكنز تجري بين يديه) أنياب من ذهب وأخرى من ياقوت لمولانا.. ثمة بشر ليست من صنع الله أنيابهم، ولا أحوالهم من فقه دين الله
8- الربط بين الذهب وآبار النفط تستدعي ربط الرواية بطُرنب..(بالمناسبة البدو عندنا يسمون مضخة البئر طرنبة) فطرنب أخو طرنبة يمتص كل شيء..الولي النصاب يأخذ أموال الغلابى في البنى التحتية، وطرنب يشربها بالامتصاص من البنى الفوقية.. فصارت مجتمعاتنا هوائية مائة بالمئة وأنتم تشهدون ..هذا جزء من الغرابة، فلم أقف على جعل العنوان للشخصية؛ ليهرب المؤلف من تعلقه بالمكان إلى لفت النظر إلى الشخصية، ولو أنصف لسماها ممر النسيان وزرع فينا أملاً بالخلوص من المخدرين والخدر نفسه، ليتحولوا من عالم المحس إلى عالم الوهم في صناديق النفس.


***


26- أ. د. أحمد السري ، الأستاذ بجامعة صنعاء. الأديب المؤرخ الدكتور السيد شعبان:

سارد سريالي من مصر
وهو سارد وناقد، مغمور بعشق اللغة، فهو ( درعمي)يعيش في مملكة اللغة ملكا متوجا، محاطا بما تهبه من جواهر وأسمار، ريفي عتيق تشرب من هواء الغيط النقي ونسمات النجوع السحرية.
يكتب حكايات، قصصا قصيرة، يرصد لحظات تمتد في كلماته دهورا، وهي لحظات اجتماعية مميزة لا تتيسر رؤيتها إلا لذوي بصيرة خاصة، لحكاياته مقاس واحد، كأنه ألزم نفسه بعدد من الكلمات تفي دوما لاحتضان معانيه وأفكاره، رموزه واستعاراته البلاغية.
أبرز ما يميزه أنه سارد لا يشبه أحدا ( في حدود قراءاتي على الأقل) إنه سريالي بكلمات وألوان خاصة به، يلاعب حواسك بألوان مذهله، ويصر على جعل الحيرة والتسآل هدفا للوحاته الاجتماعية المتنوعة، وكأنه يستوقفك لتنشد ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
يبدأ سهلا واضحا، ثم يأخذ بلبّك، ويدور بك في شعاب التراث وقد اختلط بحاضر عاق، فلوث نقاء الأحلام بتجاعيده ونزواته، بتكبره وخربشات أظافره، يتيه بك شعبان عمدا، فينسيك البداية الأنيقة وترى نفسك وسط أسواق وموالد وبخور ورقصات وجد، تجد نفسك في عالم جديد مشوه ومقهور، ترسمه سرديات شعبان، ثم يتوقف فجأة عند نهاية الحيز الذي اختاره لسردياته.
تتوقف متسائلا، فتعيد القراءة لترى أنه أدخلك من بوابة صغيرة سحرية، إلى عالم روائي كامل مشبوك بخيط حريري دقيق لا يكاد يرى إلا عند أهل الذوق وعشاق السرد والعرفان.
اخترت لكم من سردياته هذه الحكاية ، بعنوان: بنت من دسوق عساها تروق لكم

بنت من دسوق!
يقال إن الراحلين مروا بكفرنا في سنوات الفيضان الذي غمر قرانا حتى ملأ الوادي.
تركوا أثرا في ذاكرة الذين يجتمعون كل ليلة يتبادلون في مسامراتهم حكايات عنهم.
يمثل لي طيف غريب، فارس ملثم تتبعه نخلة عند شاطيء النهر.
ألمح طيف امرأة وجهها يشبه القمر حين يكون بدرا، تحمر وجنتاها، أتبعها فبي ولع بذوات الخد والنهد!
يغلبها حياء الأنثى.
تخطر المراكب راقصة حتى ترسو قبالة دسوق، يتبعني طيف البنت التي تشبه خد القمر، أتمعن في وجوه اللواتي يتهادين في شارع سعد، هذه أعابثها وتلك أغازلها، ثياب تكاد تضج فتنة، شعور متهدلات كأنهن أغصان الصفصاف.
يتردد في سماء دسوق صوت المداح يتملكني الوجد، أخلع عمامتي وأتطوح يمنة ويسرة!
إنها هي تتبع ظلي، في زمن العنوسة تقام سوق الفحول، يجوب الشوارع الخلفية حملة البخور فتعبق المدينة أريجا، لم يغب صاحب المولد، في دسوق حفيد لسيدنا النبي، عمامة خضراء ومسبحة ذات تسعة وتسعين حبة يردد أهل الطريق طالبين المدد!
حينما كنت صغيرا حكوا لي عن بنت حلوة جاءت من بلاد بعيدة، كانت تزورني يوم العيد ترتدي ثوبا فضفاضا.
من يومها وأنا أبحث عن البنت التي تنير في ليالي الشتاء المظلمة، سرقها الغجر ودقوا لها وشما أخضر، بدت كأنها عروس مولد الدسوقي، شيوخ وبهاليل يزحفون، تلك البنت تعشقها القلوب.
في الليلة الفائتة تعاركت القطط والكلاب لم يغمض لي جفن، يبدو أن حدثا ما تلوح بوادره في الأفق، نظرت من ثقب في الباب الذي سكنه الزمن، مقبضه النحاسي ذو الكف النحاسي كم أمسك به أبي!
كان يطرق به كلما أحس بالخطر، لم يعد أحد بعده يحذرنا أو يحدب علينا ما أوجع يتم الكبار!
تتهادى البنت ذات الخد القمري، تتراقص حمامة بيضاء جوار مقام الدسوقي، تدوي صافرة قطار الصحافة منتصف الليل، يهرول باعة الأطعمة الشهية، يرتد صدى القطار فتهتز أبنية المدينة العتيقة.
على مقربة من شاطيء النهر يسكن شيخ مبارك تخرج من الماء كائنات غريبة:
أسماك ذات زعانف صفراء ولها ذيول خضراء، أوراق وأقلام ودفاتر يرسم فيها الصغار سبع لوحات تزدان بسنبلات خضر وأبقار تقودها قطط بيض، يشع وجه الولي نورا، تمطر السماء فوق المدينة فتخرج الأسماك فرحة تتراقص في رحبة الميدان الكبير، يعابث يوسف الصغير أمه التي تتهرب من شواغل البيت متعللة بالصيام؛ يخبرنا بأنها صارت من الأولياء كأبيها الذي يشبه الإمام الشافعي، في بيتنا أحجية يصعب حل ألغازها.
يمد الرجل ذو اللحية البيضاء يده فتقبلها المرأة ذات الخد يشبه حبة التفاح، تزغرد الأسماك العجيبة، تطوف جموع الدراويش بمقام الدسوقي يطلبون المدد، كلما خطوا تقاصرت ثيابهم فبدت سيقانهم كأعواد الذرة ضربتها شمس بؤنة الحجر.
أنظر فلا أجد غير طيف المرأة التي زراتني ليلة العيد، أمسك به فينبح خلفي كلب أسود، في دسوق تكثر الأحلام التي تشبع الجوعى في ليالي الشتاء الطويلة


***

27- كنانة عيسى مقالة حول قصة " عيون بلقيس"

هذا النص المتقن
هو نص الأديب الناقد لنفسه الذي يواجه مخاوفه وهو مدرك لخياراته العقلية وإن أقضت مضجعه حرية الكلمة فإن ما يعتمل من خذلان قديم في أعماق ماضيه ومخزونات نفسية مرتبطة بعواطفه وأفكاره. يثبط وسواس القلم الذي ابتلي به فلا هو قادر على(تعاطي الحروف سرًا) ولا هو قادر على قتل منتوجه الأدبي
(حنظلة ناجي العلي) (بلقيس نزار) حتى لا يغتال كما حدث مع سواه من المبدعين. من انكسارات واغتيال للحلم.
نرى التقابل الضدي في مفهومين متشعبين طرحهما الكاتب على شكل رمزي و بلاغي، فلدينا الجرذ الذي يستمر بالنمو وهو رمز الانحلال الفكري بسبب الخوف المتجذر في لحظة الإبداع، ولدينا نظرة الكاتب لنفسه فهو صوفي الوجدان
هو المخلوع من بلاد فيها (المفردات جريمة) وأصحاب الحكمة والعقل تائهون في متاهات الأولياء، فقد حكم على نفسه بالتهميش لأنه ربط وجوده بحريته. التي لا يستطيع الوصول إليها حرية الإبداع الفكري بعيدًا عن الشهرة والمكسب المادي و قوانين المجتمع.
الكاتب الناقد لنفسه، يترك لنا دليلا خفيًا ليزيد تعلقنا بأوجاعه وهموم كتابته فقد ربط مفهوم الكلمة بالسلام وأعطانا أول حرف منها كبصيص نور.
أهي كلمة(حب)؟ أليس الإبداع المبتور حبًا؟
أبدع الكاتب.... و أبدعت في خياراتك الجميلة.
نص ممتع للغاية.



***

28- إلهام الغذاني - الدكتور سيد شعبان جادو

الدكتور سيد شعبان جادو أديب مصري، له مجموعات قصصية رائعة، تشرفت صفحتي أن تتناولها بالتعريف من أجل امتاع المهتمين بالفن القصصي.
نجد "القمر عند تلة جادو" مجموعة قصصية طبعت سنة2022، تضم أربعًا وثلاثين قصة، يقدم فيها سيرة أمه، رحمها الله، مثل قصة "وارتحلت الطيبة" التي افتتح بها بعد المقدمتين، يقول السارد: "آن أن تكون صفحة أمي بيضاء نقية، كان من يمن نقيبتها أن كان اسمها هو كنيتها، أم السعد في حياتها سعد على أبي وبركة. أنجبت له البنين، وعاشت الحياة قسوتها ومرارتها رافقته في رحلة جهاد يعجز الرواة أن يدونوها سردا، كانت ابنة الصاوي البنا راعي الغنم، فتعلمت منه الصبر والجلد...."صفحة 9.
وكذلك "صفحات من حياة أبي" مجموعة قصصية طبعت سنة 2022، يقدم فيها سيرة أبيه، رحمه الله، يفتتح بقصة "الصفحة الأولى"، يقول السارد:" بدأت الأيام حين تفتحت عيناي على الدنيا، صداره يعلو جلبابه، شمر عن ساعديه، فكان قدره أن يكد ليطعم أفواه صغاره وقد خرج بهم إلى دنيا الله، لا يمتلك غير همته، ولا يتوكأ بعد ربه إلا على عزيمته، يهرول بي إلى المدرسة..."صفحة9.
ثم "حكاية زين" مجموعة قصصية تضم أربعين قصة، يفتتحها بقصة "الببغاء" يقول السارد:" وضعت يدي في فمي لأتحسس لساني فما وجدته، هذه حادثة لا يمكن أن تمضي دون أن أكشف عن أسبابها، تعودت أن أتكلم كثيرا، أترنم بآيات الذكر الحكيم كلما خلوت بنفسي؛ أواسيها بسيرة يوسف أو بصبر أيوب..."صفحة 17.
وسنجد اهتمام مجموعة من النقاد بعمل الدكتور سيد شعبان جادو، ودليله الكتاب الذي قدمه الدكتور فراس الرزاق السوداني، هذا الكاتب والشاعر والناقد، قدم قراءات مختلفة لمجموعاته القصصية مختارا بعضا منها، في كتاب جامع عنوانه "على نصوص سردية للقاص المصري الدكتور سيد شعبان"، تحدث فيه عن لغة وأسلوب الدكتور سيد شعبان من خلال قصته "الرواية القبضة" قائلا:" لسرد شعبان سمات تميزه عن غيره، يعرفها من قرأه جيدا، من أهمها: سلاسة التركيب، وتداعي الصور، واتزان النقد في متعة قصّ نادرة. لكن هذا النص يشعرك من بين نصوصه الكثيرة بنشوة عجيبة، فتغيب بغَوْله المخيف وراء سُكر مأنوس..."صفحة 18.
ويقول الناقد كذلك في قصة "ناعم يا ملح": "دقة الوصف والتشخيص سِمتان بارزتان في نصوص شعبان، وهذا النص في صُلب ذلك، مع تشويق تنقطع دونه الأنفاس بكثرة التنقل بين المشاهد المتوالية، معولا في ذلك كله على الفصل لا الوصل كما في جل أعماله السابقة" صفحة 41.
بعد هذا التعريف الموجز لأعمال الدكتور سيد شعبان، ندعو لأستاذنا بالتوفيق والنجاح، ومزيدا من التألق والعطاء في مجال الفن القصصي.

الأستاذة إلهام الغذاني


***

عبدالفتاح أحمد الشيخ سليمان: أخذتني كتاباتك بعيدا ،،،، بعيدا حيث تمنيت دائما أن أعيش.

لم تكن حكاية تروى، بل مكانًا يفتح ، دخلته بلا استئذان، ومشيت في حواريه كأني واحد من أهله.
رأيت الخالة فضة، وشممت نعناعها، وسمعت موال الصبر قبل أن أفهم معناه.
كلماتك لا تصف الناس بقدر ما تقيمهم في القلب ، تجعل البساطة ثراء، والرضا بطولة، والفقر كرامة لا تنحني.
وأحسب أن سر جمال ما تكتب أنك لا تحن إلى المكان فحسب،
بل تعيد خلقه لمن لم يعشه
فتمنحنا وطناً من سطر، ودارًا من حكاية،
ونخرج من النص ونحن نحسد أهله، لا على ما ملكوا،
بل على ما كانوا عليه

***

د. مدحت عبد الجواد - قراءة نقدية لقصص فارس السرد العربي د.سيد شعبان قصة (جاء بالله)


إذا أردت أن تستمتع بجماليات البناء السردي فعليك أن تطالع عوالم السرد، والتعرف على المكونات المختلفة للنظريات وهي تتكاتف معًا في اللوحات البديعة لفارس السرد العربي .
يسلك الفارس طرقًا جديدة؛ لإحياء الكلمات العربية؛ وإضفاء الحيوية على صور جديدة من إبداعه ، لوحات ليست مكرورة أو معتادة في العمل القصصي، بل هي من وحى إبداع وتخييل فريد يصنعه الماتع الفريد، ويحاكي به واقع لعالم الحقيقة، ويتحول معك إلى مجتمع مألوف يعشق القاريء دخوله والحياة فيه؛ ليصنع معجمًا لغويًا خاصًا ، وعوالم غير مألوفة في عالم القصص، لوحات خالدة خاصة بصاحبها؛ لتصنع علامة فارقة على طريق السرد العربي .
إن التركيز على الشكل يضر بكل من الناقد والقاص ، ومن الأفضل التحرر من الأشكال التقليدية والتخيلية، بل من الأفضل التحرر من القصص التقليدي ، وإن تنوعت التقنيات ، وهذا ناتج عن تنوع التجربة نفسها، فيعتبر القصص سجلًا حافلا للمشكلات التي تواجه الأفراد في بنية اجتماعية مستقرة، أو للمشكلات التي يواجهها الأفراد حين يتعرضون لظروف اجتماعية مختلفة ، كما يخبرنا القصص عن الأحوال النفسية والإنسانية ، كما يسجل المناورات والسلوكات الاجتماعية التي يمارسها الأفراد؛ ليحققوا أهواءهم وأغراضهم أو يخفوا نزعات أنفسهم.
جاء بالله
العنوان يأسرك منذ اللحظة الأولى، ويضعك في حيرة من أمرك، هل أنت أمام جملة فعلية ؟ ! وماذا تعني لدى القاص؟ ! يدفعك الفضول المعرفي أن تفك رموز المسألة، تتابع القراءة، لتجد نفسك في خضم التيار، تجرفك أمواج القصص لتسبح في نهر من عسل القصص ينبع من سطور المارد العملاق، عسل الكلمات وشهد اللوحات الفنية من صنع الأديب، كلما فتشت عن الأسرار زادت حيرتك.
هذه المرة يفجأنا فارس السرد العربي بالتبئير الداخلي ممتزجًا بالواقع، البطل يتحدث عن واقع عاصره وخالطه، ومنذ اللحظة الأولى يجعلنا نتعلق معه بالقصة ( طبعًا أنتم تعرفون حكايته ....)، وهذا يجعل من لايعرف يتطلع إلى المعرفة ؛ حتى لايترك نفسه فريسة للجهل، فيندفع القارئ دفعًا من داخله وبإرادته نحو مواصلة القراءة...ثم يبعث برسالة شديدة اللهجة ونقد لازع للثرثرة في الإعلام دون فائدة ( يطعمون الجوعى بكلامهم المعسول )، وكأنه يحذرهم من تكرار الأمر وينبه الناس لخطورة الأمر.
ينتقل الأديب إلى قضية أخرى، ألا وهى دور القصص و الشائعات في تشكيل فكر وثقافة العامة خاصة في الريف المصري ، وأجاد الفارس صنعًا بأن استخدم هذا التكنيك في تشكيل أبعاد شخصية البطل والنظر إليها من زوايا مختلفة ، فالحكاية صارت أعمق لأن الشخصية ظهرت أعمق من عدة زوايا ، الأولى : نظرة القاص نفسه ( أنا بدوري سمعت به ) ، والثانية : ( نظرة المجاذيب ) والثالثة: ( الدراويش ) والرابعة ( حديث الأب ) والخامسة ( دور النساء والأطفال ) .
لكن الأعجب أن لكل قصة أبعادًا مختلفة وظلالًا عميقة ، واستخدام الرمز والتكثيف في كل لوحة جعل من كل لوحة عالمًا قائمًا بذاته ، وتتلاقى الصور جميعها لتشكل اللوحة الكلية .
( إنه برجل واحدة ,عين واحدة ) وكأنه يحدثك عن المسيح الدجال ، ثم أنظر إلى تعارض هذا المشهد مع ( يمرح في الكفر ، ويجري ويلعب مع الصغار ) وكأنك تطالع صورة لصاحب معجزات يجري رغم أن له رجل واحدة ، أليس هذا عجيبًا لكن هذا العجب يزول إذا علمت أنها حكايات نسجت حوله ولا يستطيع القاص الجزم بصدقها.
السمكة الذهبية وهى ترمز في تفسير الأحلام للرزق الوفير الذي يصب على أهل الكفر مثل النهر .
ومما يدهشك وصفه ( بجمل السنباطي ) وهو خيال يشبه ( طلعها كأنه رؤوس شياطين ) فكما لم ير أحدنا رأس الشيطان، فينطلق الخيال؛ ليصور لصاحبه أبشع الصور ، كذلك لم ير أحدنا جمل السنباطي ولنا أن نطلق العنان للخيال وكل منا يتخيل ما يشاء حول شكل هذا الجمل .
أما صورته عند الأطفال فهى صورة مخيفة مفزعة لكن اللوحة ترمز للشقاء الاجتماعي الذي يعيش فيه أهل الكفر .
( البيت الأبيض ) تهب القصة رموزا وإسقاطا آخر ، ينحو بنا نحو تملك من نوع آخر ، نبع من تقديس أهل الكفر له وتطلعهم ، وهنا يأتي البعد المعبر عن نوازع النفس البشرية وأطماعها وقد سلك الرائد في ذلك مسلكا متنوعًا فجعل الأطماع متضاربة ومتشابة ، فأهل القرية الذين يطمعون في عطاياه وبركاته وهؤلاء يعبرون عن شريحة اجتماعية ( شريحة العامة )، تختلف كليًا عن أكابر الكفر الذين يتصفون بالانتهازية والاستغلال وهى أطماع من صورة أخرى تتمثل في استغلال جاء بالله واستدراجه لمنصب العمدة ليثبوا من خلفه ( طبقة اجتماعية تمثل الملاك والأثرياء) ، في الوقت ذاته تنبثق أطماعه الشخصية لتقابل أطماعهم ، وتمتزج الأطماع في لوحة فنية واحدة تمثل دون شك صراعات إنسانية من نوع جديد .
إسقاط من نوع آخر يثري الأحداث ( عار أن تكون بلدة بلا عمدة ) ولكن العمدة هنا لا يقيم العدل لكنه يعود بنا إلى عصور الريف المصري، وكأنه ينقل لنا صورة العمدة الذي اعتاد عليها الناس ولطالما جسدها القصص والتراث؛ ولذا أشار لقصص الطيب صالح في إشارة لتعميق المعنى .
ثم ينتقل ليربط القصة بالنهر الذي كان منبع الخيرعلى أهل القرية وقد جف بفضل حكمة جاء بالله وهنا يسخر من بعض عادات التبرك والتمسح التي جلبت الخراب على الكفور والقرى .
قد نجد أنفسنا أمام سرد قصصي تخييلي تحول إلى واقع من صنع المبدع ، ويعضد من قدرته على صنع عوالمه الخاصة الفهم المشترك للعادات والتقاليد بينه وبين القاريء الذي ألف مثل هذه التقاليد ، لكنه يحاكي هذه التقاليد بشكل ساخر منتقد، ويحاول تقويم سلوكات المجتمع وإعادة تشكيل الوعى ، فإذا أدركنا المقصود فإننا نتعرف على أهمية الخروج على المعايير، إن أهمية انتهاك التوقعات التقليدية في التجربة الأدبية تعادل أهمية إطاعتها ، وهذا يبرز أهمية علاقة الأدب بالحياة .
حفظ الله فارس السرد العربي وسدد خطاه .

***

حسين بافقيه - أقول لكم: لا تَبْتَئِسْ يا صديقي


الصَّديق العزيز د.سيد شعبان أستاذٌ وأديبٌ، مالَ إلى الأدبِ حتَّى استولَى عليه. غزيرُ الإنتاج، مُجَوِّدُه.
جَمَعَتْ بيننا صداقةٌ افتراضيَّةٌ متينة، وانعقدَتْ بيني وبينه المَحَبَّةُ في الله، وشَغَلَتْنا هُمُومُ الأدب والثَّقافة.
كان صديقي - كعادةِ كثيرٍ مِنَ الأساتذة - مسكونًا بِوَهْمِ ما يُسَمِّيه "الآباءَ المؤسِّسِين"! - يَعني بهذه العِبارةِ نَفَرًا مِنْ أساتذتِه في الكُلِّيَّةِ التي تَخَرَّجَ فيها - وكُنْتُ أرفضُ هذه العِبارةَ وأُشَدِّدُ عليها النَّكيرَ؛ فأساتذتُه، الذين كَتَبْتُ عنهم كثيرًا، ليسوا إلَّا مُقَلِّدين ومترجمين وناقلين! ولا يَجُوز، متى احترمْنا عُقُولَنا، تَسْمِيَتُهُمْ "مؤسِّسين"!
أَحْسَنَ الدُّكتور سيِّد شعبان الظَّنَّ بِي، وجَعَلَ يَذْكُرُني، كثيرًا، في منشوراتِه، ويَخْلَعُ عَلَيَّ مِنَ الصِّفاتِ أنبلَها وأجملَها.
لمْ يُعْجِبْ نَفَرًا مِنَ الطَّغَامِ كلامُه في شخصٍ فَنَّدَ بالعِلْمِ والمنهجِ أوهامًا شاعَتْ عُقُودًا، دُون أن يتنبَّهَ لها مَنْ عَطَّلُوا عُقُولَهم وتَحَوَّلوا إلى "مَجاذِيبَ" و"دراويشَ" لِمَن يَدْعُونَهُمْ "آباءً مؤسِّسين"، في ضَرْبٍ غريبٍ على ثقافتِنا التي تُعْلِي قِيمةَ العَقْل، ومِنْ أَظْهَرِ عُلُومِها "عِلْمُ الرِّجال"، و"عِلْمُ الجَرْحِ والتَّعديل" = وفي أسلوبٍ يُبايِنُ مَناهجَ أهلِ العِلْم، يُشْبِهُ أن يَكُونَ بقايا ثقافةٍ تقومُ على "عِبادةِ الأسلاف"!
حاوَلَتْ فِئةٌ مِنْ أولئك الطَّغَام مُناظَرَتي، وما أَشَدَّ فَرَحي بالمُناظَرةِ! لكنَّ أولئك الطَّغامَ انكسروا، لأمرٍ يسيرٍ، هو أنَّني - بفضلِ الله - تَسَلَّحْتُ بأخلاقِ طالبِ العِلْمِ، وأَقَمْتُ كلامي على الحُجَّةِ والبُرهان، أمَّا هُمْ فتَعَرَّوْا إلَّا مِنَ الجَهْلِ والتَّعالُمِ ورِقَّةِ الثَّقافةِ وسُوءِ الأدب، فلمَّا افتضحُوا، وعَرَفَ أهلُ العِلْمِ مِقدارَ ما هُمْ فيه مِنْ مَذَلَّةِ الجَهْلِ = لجأوا، لخَيْبَتِهِمْ وحِطَّتِهِمْ، إلى ما أَدْعُوهُ "عَنْطَزَةً" هي حِيلةُ مَنْ فاتَهُ قِطارُ الزَّمان، ولا يزالُ يسبحُ في خيالاتِهِ المريضةِ!
وما كان أولئك الطَّغام شيئًا، وإنْ عَلَتْ أصواتُهُمْ، ويأبَى الله إلَّا أن يَفْضَحَ جَهْلَهُمْ، وحينئذٍ جَعَلَ بعضُهُمْ يستعطِفُني ويَرْجُوني، وقدْ كان، مِنْ قَبْلُ، نَمِرًا، ولكنْ مِنْ وَرَق،


***


أ. د. محمد عطالله - تجليات الواقع في "جو النعسان" لسيد شعبان

يُعدُّ الواقع أقوي مؤثر في حياة الإنسان، فهو أهم محدد لفكره وثقافته، ومجمل سلوكه، وتصرفاته، وتستمدُّ الواقعية في الفن عناصرها من هذا الواقع، وعلاقات الفرد به، وتتأسس على رؤية جمالية، ومن ثم لا يُضحي الفن محاكاة حرفية للواقع، بل يستمدُّ عناصره التخيُّلية منه، والأدب – باعتباره من أهم أنواع الفنون- ينأى بجانبه عن النفعية، وينحو نحو الجمالية.
والسرد من أكثر الفنون الأدبية؛ وثيقة الصلة بالواقع، من خلال بحثه عن الظروف الخارجية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نتج العمل الأدبي في ظلالها.
وعالم القص لدى سيد شعبان؛ مرآة للواقع؛ يرصده من خلال التخيُّل السردي؛ فنعاين في فضائه السردي الواقع بكل تفاصيله، سواء الواقع المَرْضِي عنه، أم المسخوط عليه.
والنص الذي بين أيدينا؛ عنوَّنه شعبان " جو النعسان "، ويشير العنوان إلى ظرف سياسي يحيط بالنص؛ يتمثَّل في السباق الانتخابي بين " جو بايدن " ورئيس أمريكا السابق " ترمب "، والعنوان يكشف عن مفارقة؛ حيث يفوز " جو النعسان " – وهذا وصف أطلقه ترمب عليه- بينما يخسر منافسه صاحب الجلبة والصياح.
ويظل الفارسان صامتين في الملفوظ السردي؛ بينما يمثل المكان البطولة في النص؛ فيتحول الصراع إلى المكان الافتراضي " كفر النوَّام " أحد كفور وسط الدلتا؛ بدلالته على الثبات والسكون العقلي، والتخلف الفكري، والمكان بمساحته الضيقة؛ يتسع – عبر المسكوت عنه؛ ليشمل الوطن العربي كله.
ويبدأ السباق في الكفر من خلال عقد مزاد؛ يعلن عنه " مُزيِّن الصحة ".."من يراهن على جو النعسان ومن يؤيد المحمر ترامب... مازال السباق ممتدًا حول من يسكن البيت الأبيض"
وهذا المزاد غريب من نوعه؛ يحاكي الواقع العربي المتردي؛ فنساء الكفر دفعن بكل ما يمتلكن؛ فجاءت إحداهن " بثلاث بطات؛ وأخرى بعنزة؛ وثالثة ساقت خلفها قردًا يتراقص "؛ بينما تُدين " فهيمة " – التي بلغت من العمر مائة عام- المجتمع الذكوري؛ الذي يراهن على " ترمب "؛ طمعًا في ابنته " إيفانكا "، ويضم السارد صوته إلى صوت فهيمة؛ ممثلًا صوت الحكمة " رغم أن المحمر لم يرسل إليهم علب اللبن المجفف، ولا فاتنات الهوى ممن يعرفن الطريق إلى الكفر؛ لكنهم يؤيدونه؛ يكفي أن لديه ابنة ذات خصر نحيل تتراقص به".
إن السرد هنا يُدين الواقع العربي، ويُبدي سوأته، ويعرِّيه، فتحتل صورة " إيفانكا " المكانَ المقدس؛ فيغطيها شيخ المسجد - الموسوم في النص بالجِعِرِّ- بسجادة مجلوبة من البلاد المقدسة، بينما يستمتع برؤية الصورة في غيبة المصلين، فالشيخ و" إيفانكا "؛ يرمزان لتدنيس كل مقدسات الوطن.
الكلُّ في جانب ترمب؛ " خضير البطاط "؛ يراهن بثلاثة جنيهات؛ كل رجال الكفر يؤكدون أنهم سمعوا " أم قويق "؛ تغرد " ميلانا.. ميلانا ".
ومن هنا فَقَدَ المزادُ مشروعيته، فلم يُبصرْ " مُزيِّن الصحة " أحدًا في الطرف الآخر؛ فدبَّ مكره في جسد النص " لا تنسوا أن جو النعسان سيهبكم أجوبة لكل الأسئلة التي عجزتم عن حلها؛ متى ستتزوج النملة اليتيمة، وكيف نصنع فأسًا تعزق الأرض وحدها؛ جو يعرف الطريق جيدًا إلى ضروع الأبقار، وحلمات النسوة اللواتي يشتكين"
انضم " مسعود الأعرج " – الذي يشتكي صغاره قلة الخبز- إلى جانب "جو بايدن"؛ مراهنًا بحماره، وخمس كيلات من الذرة؛ لكن الأعرج سيء النية؛ خبيث الطوية؛ فإن خسر " ترمب "؛ لم يجد مَنْ يقامر على ابنته؛ فتكون من نصيبه؛ لكن أَنَّى له هذا، وبلاد النفط والغاز؛ قصورها من ذهب، وبيوتها من مرجان، وفيها كل ما تشتهي " إيفانكا ".
النص ساخط على الواقع العربي؛ يدين التبعية المقيتة، ويعرِّي تَقلُّب الأمزجة، وعدم الثبات على المبادئ؛ فالسير حسب تبدُّل الأشخاص، وتغيُّر المواقف؛ فعندما انهالت الدولارات على " الشيخ الجعر"؛ نسي" إيفانكا " وصورتها، وصلَّى وابتهل؛ ليفوز" جو النعسان ".
إن الصراع الدائر في " كفر النوَّام "؛ الذي أشعلته ربَّة الدولار؛ ما هو إلا محاكاة للحروب الدائرة في العالم الثالث؛ فالمشهد الذي يتصدره ( مُزيِّن الصحة – مسعود الأعرج – الشيخ الجعر )؛ سخرية من الواقع المتشظي.
وزمن السرد؛ الزمن الحاضر؛ حيث يشير إلى حدث سياسي في الوقت الراهن؛ إلا أن المكان واللغة السردية، يعودان بالمتلقي إلى ستينيات القرن الماضي، وهذا مقصود من السارد، وإشارة إلى ثبات الواقع، وتخلفه عن ركب الحضارة؛ فالعالم متغير ومتبدل؛ بينما يقف العالم العربي عند نقطة لا يتعداها في طرحه السياسي، والفكري، والثقافي.
فهذا التخلف الفكري، والجمود العقلي؛ سيحرقان الأوطان، ويمزقان وشائج الأمة، فكانت النهاية المأسوية؛ فالنار تحرق الكفر، ويظل السامر منصوبًا، والصراع محمومًا حول الفارسين " في الجهة القبلية لكفر النوَّام تهب ريح تشتعل الدور التي تعلوها أكوام القش؛ تحترق الدور وتفرُّ أزواج الحمام؛ يتبادلون الضربات حول جو النعسان أو المحمر ترامب ".
النص باكتنازه اللفظي، وكثافته الدلالية؛ حمَّال أوجه، ويثير كثيرًا من القضايا الشائكة، والشائقة في آن واحد؛ مما يجعله نصًّا ثرًّا ثريّأ؛ يعطي جديدًا عند كل قراءة؛ مع ذلك لا يُسْلم مقاليده؛ لأية قراءة؛ فلا تملك قياده؛ إلا القراءةُ الواعية، والرؤيةُ الثاقبة.

أ. د. محمد عبد الرحمن عطاالله

*** *

أ. د. حمدي النورج - عن قصة سيدنا الخضر عليه السلام لصديقي الدكتور سيد شعبان.

(لا ينقضي فعل الحكي تمثلا شعبيا حيث تحميل الحالة الكثير من آيات الكشف والتطهر والفرار... رغبة في التسلي أو التصبر أو حتي النقد الخفي اللاذع...فكرة الاطار تبدو ثابتة كثبوت الحدث يقينيا رحلة العودة والابتعاث وحلم القفز فوق مساحات الهم ....تتشكل لوحات صديقي الافتراضي القصصية... في إطار تجسيدي حي...وعبر رحلة اختزال متقنة لتفاصيل غاية في التراثية والدقة والاحتفاء بالموروث الشعبي المتشبع بآهات الشعوب وفنونهم وعالم المشاعر الصادقة....فقصص الحب بكر كما هي منذ لمح العاشق الأول سبساب شعر محبوبته غفلة...وحينما دق البطل علي صدره وشم القوة والسيف...رحلات البطولة...وحكي الأطفال وخيال السحر وحكم الأمهات....يترك المبدع مساحات للتأول ويسمح بناؤه السريع الجامع لأشتات الصور بفعل التحفيز والتغيبر...إنها لعبة التخفي الماكرة وراء فعل الحدث الملهي...لا تنخدع بجمال الصور بقدر معاودة فعل القراءة الذي تتكشف أسراره نقطة نقطة ...تحية للصديق الذي لا يزال يمتعني دائما بجميل قصصه علي الخاص ...)....دحمدي النورج.


****


الغربي عمران - شهادة الأديب اليمني الكبير


المبدع الصديق سيد شعبان ذلك الكائن المدهش جمع بين الدراسة الأكاديمية والأبداع الجميل، بل غلب عليه صفة المبدع النشط .
ومن ذلك غزارة تواصل أعماله سردا جميلا يلفت لقضايا اجتماعية يتناولها بعمق لافت.
هنا أسمح لي صديقي أن أتطرق لمسألة الناقد الأكاديمي هل كل أكاديمي متخصص في الأدب ناقد، أم أن النقد مثل الإبداع رغبة وملكة تعززها الدراسات المتخصصة. حين نتابع بعض النقاد نجدهم كمن يجدف بين أكوام أحجار.
بالطبع شهادتي هذه القصيرة في حق صديقي المبدع الجميل د سيد شعبان لاتمت بصلة لما ذكرت حول النقد، إنما هي سانحة أشير لما يعتور مشهدنا النقدي العربي خاصة ممن لا يتركون أثرا رغم جعجعتهم. فهو مبدع أصيل، ملكته الإبداعية طغت ليظهر كنور عذب يتدفق نصا بعد آخر. يدهش من يتابعه لذلك التواصل الجميل والإصرار على تحقيق الذات إبداعيا.
من اليمن هي تحية صادقة لمجلة بصراثا لهذا الجهد المتواصل في إثراء المشهد الإدبي العربي من الخليج إلى المحيط. بالطبع ربانها أستاذ عبد الكريم العامري. الذي أشقث عليه بما يتحمله من أعباء وجهد كبير وأتصوره مؤسسة حكومية من عشرات الموظفين هذا الأديب الذي يحمل هم الثقافة العربية بتعدد أنشطته وروعتها فشكرا من القلب له.
صديقي العزيز د سيد شعبان، كم أنت بهي بما تنتجه وتبدعه وكم شرف لي أن أكون ضمن صفوف طويلة يصفقون لهذا البهاء الذي تطالعنا يوما بعد يوم . استمر أيها النجم. فمثلك خلق لينير ما حوله بروعة قلبه.



-
=========

* دراسات نقدية عن سرد سيد شعبان (ملف)

1- محمد موسى العكادي - حول قصتي القصيرة ثرثرة العجائز
2- د. محمد موسى العكادي - سردية " في دفتر اليومية"
3- عمرو الزيات - كيف ننام ودسوق لا تنام؟!!
4- على أحمد: - جماليات السرد في قصص دكتور سيد شعبان
5- د. رامي هلال -قراءة في قصة (قرد إفريقي) للدكتور سيد شعبان.
6- أ. د. عزة شبل توظيف الحس الشعبي في بناء محلية القص 7- أ. د. أحمد فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
8- د. خالد سعيد - راو طيب وراو ماكر- قراءة في قصة شجرة المانجو للأديب سيد شعبان
9- محمود سلطان - د. سيد شعبان.. يفكك "أطر التقليد" ويبدع "فنا" جديدا!
10- د. آمال فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
11- محمد ناجي - السرد المموسق في سرد د. سيد شعبان:
12- د. محمد موسى العكادي - قراءة في "التائه" للكاتب: د.سيد شعبان
13- د. فائز أحمد:
14- د. مدحت عبد الجواد - قراءة لقصة (في شارع شبرا) للدكتور سيد شعبان
15- د هشام المنياوي - عن القصة القصيرة "ابن العنزة" لــ د. سيد شعبان
16- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)
17- د. أيمن تعيلب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة ( رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان
18- د. مصطفى السعيد محاولة لقراءة "الولد ميمون"
19- أ. د. عبد المنعم الملك عثمان - غوص في قصة (ناعم يا ملح) للقاص المصري الدكتور سيد شعبان
20- أ. د. فراس عبد الرزاق السوداني - قراءة في قصة «في شارع شُبرا» للدكتور سيد شعبان
21- د. أحمد مجذوب الشريفي - قراءات نقدية متاهات السرد المجزأ وقـوانين الربـط والتجاور الدلالي
22- خليل الجيزاوي - عن قصة: "مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ" للدكتور سيد شعبان
23- منى مصطفى: د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد
24- عبد الرحمن الخضر‎ - عن : شجرة الليمون والحرباء ".للدكتور د.سيد شعبان .
25- أ. د. عبدالكريم حسين - القارئ العربي : الغرائبية اللغوية في تراكيب د. سيد شعبان في قصة 'سيدنا الوطواط'
26- أ. د. أحمد السري ، الأستاذ بجامعة صنعاء. الأديب المؤرخ الدكتور السيد شعبان:
27- كنانة عيسى مقالة حول قصة " عيون بلقيس"
28- إلهام الغذاني - الدكتور سيد شعبان جادو

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...