هدى حجاجي - قراءة سردية في نص "وجع العدالة: خلف الأبواب الموصدة" للأديب والمستشار بهاء المري

يقدّم النص مشهدًا إنسانيًا كثيفًا يتجاوز حدود الواقعة القضائية ليغوص في أعماق النفس البشرية، حيث لا تقف العدالة عند حدود القانون، بل تتشابك مع الألم والندم والخيبة. فالكاتب لا يروي حادثة فحسب، بل يكشف طبقات من الانكسار الإنساني الذي يتولد حين تتحول العاطفة إلى أداة انتقام.
منذ العتبة الأولى للنص، يظهر العنوان "وجع العدالة" كإشارة دلالية قوية؛ إذ لا يطرح العدالة بوصفها مفهومًا مجردًا، بل كحالة شعورية مثقلة بالألم. فالعدالة هنا ليست ميزانًا باردًا، بل جرحًا إنسانيًا يتكوّن في لحظة الحكم، حين يصطدم القانون بقلب الإنسان.




يبني الكاتب المشهد السردي عبر تقنية التدرّج الدرامي؛ إذ يبدأ القصة من علاقة سرية نسجتها العاطفة في الظل، ثم تنقلب تلك العلاقة إلى فخٍّ قاتل حين يتحول الحب إلى وسيلة ابتزاز. هذا التحول الحاد يمنح النص توترًا سرديًا واضحًا، ويجعل القارئ يتنقل بين التعاطف والصدمة، بين فهم الدوافع وإدانة النتائج.
ومن أبرز ما يلفت في النص استخدام الكاتب للصور البلاغية المكثفة، مثل تشبيه وجه الشاب بـ مرآة سقطت من علو شاهق؛ وهي صورة تختصر رحلة السقوط من الوجاهة الاجتماعية إلى الانكسار الأخلاقي. فالكاتب لا يكتفي بوصف الشخصية، بل يحوّلها إلى رمز لانهيار الإنسان حين يسقط من علياء المكانة إلى ظلال الجريمة.
في المقابل، يرسم النص صورة المرأة بقدر من التعقيد النفسي؛ فهي ليست ضحية مطلقة ولا مذنبة كاملة. يظهر ذلك في قول الراوي إنه لم يعفها من "مسؤولية ناعمة"، وهي عبارة ذكية تعكس رؤية متوازنة ترى الخطأ الإنساني دون أن تختزل الشخصية في حكم أخلاقي قاسٍ.
كما يوسّع النص دائرة الألم لتشمل أطرافًا أخرى: الأب الذي يقاوم دمعة الندم، والأم التي تحتمي بابنها أو تحميه من الحكم. هنا يتحول الحدث من قضية فردية إلى مأساة عائلية، حيث يصبح الحكم القضائي نقطة ارتطام بين القانون ومشاعر البشر.
اللافت في النص أن الراوي ــ وهو القاضي ــ لا يظهر كصوت سلطة جامد، بل كإنسان يعيش صراعًا داخليًا بين الواجب والوجدان. ففي اللحظة التي ينطق فيها بالحكم، يتحول صوته الداخلي إلى بكاء مكتوم، وكأن العدالة نفسها تدفع ثمن تطبيقها.
هذه الثنائية بين القانون والقلب تشكل العمود الفقري للنص؛ فالقاضي يدرك أن العدالة القانونية قد لا تكون شفاءً للجرح الإنساني. ولذلك تأتي العبارة المؤلمة:
"ليتني أعيد الزمن، لا أن أعد سنوات الحبس."
وهي جملة تختصر فلسفة النص كلها: فالقانون يستطيع أن يعاقب، لكنه لا يستطيع أن يعيد الزمن أو يصلح ما كسرته الأخطاء.



أسلوبيًا، يعتمد الكاتب على لغة شاعرية كثيفة، تتداخل فيها المفردات القضائية مع الصور الأدبية، مما يمنح النص طابعًا سرديًا تأمليًا. فالقصة لا تُروى بوصفها واقعة جنائية، بل بوصفها تجربة إنسانية تتأرجح بين الحب والخداع، بين الخطأ والعقاب.
وفي خاتمة النص، يتحول القلم إلى شاهدٍ على عذابات القاضي نفسه، حيث يطرح سؤالًا وجوديًا عميقًا:
هل يدرك الناس أن القاضي قد يحكم على نفسه وهو يحكم على الآخرين؟
هكذا يترك الكاتب القارئ أمام حقيقة موجعة:
أن العدالة ليست دائمًا نهاية القصة، بل قد تكون بداية وجعٍ جديد…
وجعٍ يسكن ضمائر البشر، حتى بعد أن تُغلق ملفات القضايا.

بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي احمد

النص كما ورد

وجع العدالة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

"خلف الأبواب المُوصَدة"

نسَج الشابُ صاحب الوظيفة المرموقة - سابقا - خيوطَ علاقةٍ سريةٍ ووعد بالزواج مع جارته المعيدة فائقة الجمال. وحينما نبضَ جنينُ الخطيئة في أحشائها، سقطَ القناعُ ليكشفَ عن وجهِ الانتقامِ القبيح، أطلقَ العنانَ للتهديد بنشر صور وفيديوهات فاضحة كانت يومًا أسرارَ العشاق.

ما بدأ همسًا خلف الجدران، انتهى صراخًا مدويًا في محكمة الجنايات. صارت المشاعرُ أدلة إدانة، وأضحت الأبواب الموصَدة شاهدا على سَحق الكرامة تحتَ عجلاتِ الانتقامِ، وتحوّلَ الحب إلى فخٍٍّ مميت.

كانت الجلسةُ سرِّية، كأنَّ الحياءَ يُرتِّلُ آياتِه في صَمت، وكأنَّ التفاصيلَ، إن نُطقت، ستُدمِي آذانَ المدينة. لكن مَن يُخفي الوجَع؟ ومَن يحجبُ ارتعاشَ العيون، وصدى الأسئلةِ التي تتكسَّر بلا أجوبة؟

من أخطأ أولًا؟ أكان الحُسنُ فخًّا؟ أم الوعدُ خديعةً في ثوب مَلاك؟ وأيُّ الدروبِ أظلَم؟ الذي بدأ بالانبهار، أم الذي انتهى بالعار؟

كان الشابُ أمامي، كأنَّ في ملامحه ذكرى لَـمعَانٍ قديم، بهاءٌ مكسور، وجهٌ يُشبه مرآةً سقطتْ من عُلوٍّ شاهق، وكلُّ كسرٍ فيها يروي سقوطه. كان يمكن أن يكون مَنارةً، لكنه اختارَ أن يكون ظِلًّا في دفتر القضايا، ذكرى… لا تُروَى إلا في صالات الانتظار.

أما هيَ، فكانت تنظرُ إلى الأرض، كأنها تَبحثُ عن أنثى تَبعثَرتْ بين بلاط المحكمة، كأنها تَنبشُ عن ذاتٍ أغرقتها دموع الخيبة. لم أُعفِها من مسؤوليةٍ ناعمة، ولم أقدِر أن أُسْلِمها لرحمةٍ تعَجزُ عن اجتراح الغفران.

رأيتُ والدها، يُقاومُ دَمعةً ساخنة، يختبئُ خلف صمتٍ يخنقُ الندم. ورأيتُ أمَّ الشاب، تحضنه كأنها تعيدُه إلى رحمها، تحتمي به من الحكم، أم تحميه منه؟ لكن العدالةَ لا ترتدي وشاحَ القلب، ولا تُصغي لأنينِ الأمهات.

وقفتُ، وقلبي ليس باردًا كمنصة القضاء، بل يرى الوجعَ في كلا الكفَّين، يرى الفتنةَ والسقوط، يرى التراخيَ والخداع، يرى الحُب حين يصيرُ سكينًا، والوعود حين تتحوَّل إلى قضبان.

نطقتُ بالحكم… والصوتُ بيني وبيني كان بكاءً، لكن بيني وبينهم… كان عدلًا، لأنه القانون. أما القلب فقد صاحَ صرخةً صامتة: "ليتني أُعيدُ الزمن، لا أن أعُدَّ سنواتِ الحبس."

لحظةُ الصمت بعد النطق بالحكم لم تكن ثواني، كانت أعمارًا تنكسر، كانت جراحًا لا تُشفَى بالوقت، كانت هواءً أثقلَ من أن يُتنفَّس، وأثقل من أن يُكتَب.

خرجتُ من القاعة، لا يصحبني حُرَّاس، بل صرخةٌ سقطت من عينِ أمّ، وزفرةٌ من صدرِ أب، تتبعني كظلٍّ بلا نهاي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...