د. غانية ملحيس - الفخّ المركّب: الحروب الحديثة كأنظمة متشابكة. لماذا تفشل في الحسم؟

غانية ملحيس
27/3/2026

ملخص تنفيذي:
تُظهر الحروب الحديثة المعاصرة في منطقتنا "الشرق والأوسط" وفي أماكن أخرى، أن الصراعات لم تعد مجرد مواجهات عسكرية أو أزمات محدودة، بل أصبحت أنظمة متشابكة من الفخاخ، حيث تتفاعل العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والإعلامية والهوياتية لإعادة إنتاج نفسها باستمرار. مفهوم الفخّ المركّب يقدم إطارا تفسيريا لفهم هذه الحروب، إذ القوة وحدها لا تكفي، بل يجب فهم البنية التي تشكل الواقع الصراعي.
الشروط البنيوية للفخ المركّب تتضمن: تداخل الأزمات، تعذر الحسم، إعادة إنتاج الصراع، تحول في وظيفة القوة لإدارة الصراع لا لإنهائه، وقابلية لاحتواء الفعل، مما يعيد إنتاج منطق الصراع بدل كسره.
المقال الثامن في سلسلة الفخ المركّب يدرس ستة أبعاد:
1. الفخ الأخلاقي: عندما تُؤطّر الحرب كصراع بين الخير والشر، تتحوّل الأخلاق إلى أداة تصعيدية، حيث الأهداف المطلقة تجعل الوسائل ثانوية، وتصبح محاولة الحسم أكثر صعوبة.
2. الفخ الزمني: الوقت يتحول من أداة إدارة إلى عامل مأزق، فكل قرار يُنفذ أو يؤخر يتضمن كلفة مرتفعة، مما يجعل الزمن جزءا من الصراع نفسه.
3. الفخ الطاقوي: الطاقة لم تعد مجرد مورد، بل أصبحت أداة لتعطيل النظام العالمي، حيث أي خلل أو تهديد في إمدادات الطاقة يخلق تأثيرات اقتصادية وسياسية تتجاوز ساحات الحرب التقليدية.
4. الفخ الخطابي: اللغة تتحول إلى ساحة حرب، فالتحكم في المعنى يهيمن على الرأي العام ويبرر استمرار الصراع، مع توليد تناقضات بين الخطاب والواقع تزيد من مأزق الحسم.
5. الفخ الإدراكي: النخب تصدق خطابها الخاص، مما يولّد سوء تقدير مستمر للقدرات والأهداف، ويخلق دورة مفرغة من القرارات التصعيدية والتأجيل المتكرر للخطوات الحاسمة.
6. الفخ البنيوي: رغم تغيّر القدرات العسكرية أو التحالفات، تظل البنية الأساسية للصراع متكررة، حيث كل دورة حرب تعيد إنتاج نفسها بسبب ترابط الأزمات، الأخلاق، الزمن، الطاقة، الخطاب، والإدراك.
الحروب الحديثة ليست أحداثا عابرة، بل نظم معقدة تصعب السيطرة عليها أو إنهاؤها. الفشل في الحسم ليس نتيجة عشوائية، بل جزء من بنية الصراع، حيث التصعيد شبه حتمي والقوة وسيلة لإدارة الأزمة لا لحلها. الفشل في الحسم ليس نتيجة عشوائية، بل جزء من بنية الصراع.
الفهم النظري للفخ المركّب يمكّن من تطوير تدخلات متعددة الأبعاد لمعالجة جذور الصراع، بدل التعامل مع نتائجه الظاهرية، ما يفتح المجال امام الفلسطينيين والعرب والمكونات الأصيلة في المنطقة لإعادة تعريف قواعد الحرب الجارية على أراضيهم، وتحويل إدارتها من مجرد بقاء في مأزق، إلى إمكانية تفكيك الحلقة المفرغة.

المقال الكامل: الفخّ المركّب: الحروب الحديثة كأنظمة متشابكة

تُظهر الحروب الحديثة المعاصرة في منطقتنا "الشرق الأوسط" وفي أماكن أخرى، أن الصراعات لم تعد مجرد مواجهات عسكرية أو أزمات عابرة، بل أنظمة معقدة من الفخاخ المتشابكة، حيث تتفاعل العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والإعلامية والهوياتية لتعيد إنتاج نفسها باستمرار.
الفخّ المركّب ليس مجرد وصف للحرب، بل نظرية لفهم الحروب الحديثة واستراتيجيات التعامل معها، حيث القوة وحدها لا تكفي، بل يجب فهم البنية التي تشكل واقع الصراع.
لا يكفي أن نقول إن “الفخّ المركّب” هو تداخل أزمات أو استمرارية صراع، بل هو مشروط بمجموعة من الظروف المترابطة التي لا يكفي تحقق أحدها بمعزل عن الآخر، بل ينبغي أن تعمل معا ضمن بنية واحدة:
1. تداخل الأزمات: لا نتحدث عن أزمة واحدة، بل عن تراكب أزمات متعددة: عسكرية، سياسية، أخلاقية، زمنية، اقتصادية وطاقوية، إدراكية، بحيث لا يمكن عزل أي منها عن الآخر. كل محاولة لمعالجة جانب، تعيد إنتاج التوتر في جانب آخر.
2. تعذر الحسم: تستمر الصراعات دون نهاية واضحة. لا انتصار حاسم، ولا هزيمة نهائية. حتى العمليات الكبرى، مهما بدت حاسمة، لا تُنهي الصراع، بل تعيد تشكيله.
3. إعادة إنتاج الصراع: لا تتجه الأزمات نحو الحل، بل نحو الاستمرار. كل تهدئة مؤقتة تتحول إلى مقدمة لجولة جديدة، غالبا بأشكال مختلفة.
4. تحول وظيفة القوة: لا تُستخدم القوة لإنهاء الصراع، بل لإدارته. يتم ضبط الإيقاع، لا إغلاقه. وتُمارَس الضغوط ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل دون أن تؤدي إلى استقرار.
5. قابلية احتواء الفعل: أي محاولة للتغيير - سياسية أو عسكرية أو حتى أخلاقية - يتم امتصاصها داخل البنية نفسها، بحيث تُعيد إنتاج منطق الصراع بدلا من كسره.
هذه الشروط الخمسة لا تمثل قائمة وصفية، بل شبكة مترابطة. فاستحالة الحسم ليست مستقلة عن تداخل الأزمات، وإدارة الصراع ليست منفصلة عن قابلية احتواء الفعل. ما يميّز “الفخّ المركّب” هو هذا الترابط الذي يجعل كل عنصر يعزّز الآخر.
يحاول هذا المقال الثامن ضمن سلسلة الفخّ المركّب تقديم إطار تفسيري للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على فلسطين ولبنان وإيران وعموم المنطقة، لفهم هذه الديناميات من خلال ستة أبعاد رئيسية: الفخّ الأخلاقي، الزمني، الطاقوي، الخطابي، الإدراكي، البنيوي.

أولا. الفخّ الأخلاقي: الحرب كقضية قيمية
1.1 من “حرب الخير والشر” إلى عجز الحسم: كيف تتحوّل الأخلاق إلى أداة مأزق؟
تأطير الحرب بوصفها صراعا بين “الخير والشر”، تعبيرا مكثفا عن بنية أعمق تحكم هذا الصراع. فحين تُقدَّم الحرب باعتبارها معركة أخلاقية مطلقة، لا تعود مجرد نزاع سياسي أو عسكري، بل تتحول إلى اختبار وجودي لا يحتمل التسويات. غير أن هذا الرفع الأخلاقي للصراع - الذي يبدو ظاهريا كأداة تعبئة وتحشيد- ينقلب، ضمن ما يمكن تسميته
بالفخّ المركّب، إلى أحد أهم أسباب استحالة الحسم.
2.1 الأخلاق بوصفها تصعيدا مفتوحا
في الخطاب التقليدي، تُستخدم الأخلاق لتقييد الحرب أو ضبطها. لكن في هذا النمط من الصراعات، يجري العكس تماما: الأخلاق لا تحدّ من الحرب، بل تُطلقها. فعندما تُعرَّف الحرب على أنها: حرب الخير ضد الشر، أو الحضارة ضد الهمجية، أو النور ضد الظلام، فإن أي تراجع، أو تسوية، أو حتى اعتراف بحدود القوة، يتحول إلى: تنازل أخلاقي وليس مجرد قرار سياسي. وهنا يبدأ الفخّ في التشكل: القوة التي ترفع سقف الحرب أخلاقيا، تفقد القدرة على خفضه سياسيا.
3.1 من تعريف النصر إلى استحالة تحقيقه
ضمن هذا الإطار الأخلاقي، لا يعود النصر مجرد تحقيق أهداف محددة، بل يصبح: استئصال “الشر”، وإنهاء التهديد نهائيا، وإعادة تشكيل الواقع وفق تصور قيمي مطلق. لكن هذا النوع من الأهداف يتجاوز بطبيعته حدود الممكن الاستراتيجي: فالطرف الذي يُعرَّف كـ “شرّ مطلق” لا يمكن التعايش معه، ولا يمكن احتواؤه، ولا يكفي ردعه. وبذلك تصبح الحرب: مشروعا مفتوحا بلا نهاية واضحة. بهذا، لا تعود الأخلاق إطارًا لضبط الحرب، بل تتحول إلى بنية ترفع سقفها إلى حدّ يستحيل تحقيقه.
4.1 المفارقة: الأخلاق التي تُنتج اللاأخلاقي
هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الفخّ المركّب خطورة: كلما ارتفع الخطاب الأخلاقي، ازدادت احتمالات الممارسات اللاأخلاقية. لأن: الأهداف تصبح مطلقة، الوسائل تصبح ثانوية، والنتيجة تبرر الفعل، فتغدو: ضرب البنية التحتية، استهداف البيئات الحاضنة، وتوسيع نطاق الحرب، ممارسات يمكن تبريرها ضمن منطق: “القضاء على الشر”. وبهذا، لا تعود الأخلاق ضابطا للحرب، بل تتحول إلى: أداة لإلغاء القيود الأخلاقية نفسها.
5.1 الفخّ الاستراتيجي: حين يصبح الأقوى أضعف
في هذا السياق، تتجلى إحدى القواعد المركزية للفخّ المركّب: كلما ارتفع سقف أهداف الطرف الأقوى، تقلّصت فرص تحقيقه. فالولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن خطاب “الخير والشر”، تحتاجان إلى: تغيير جذري في سلوك العدو المستهدف، أو إسقاطه، أو تحييده بالكامل.
بينما يكفي الطرف المقابل أن: يصمد، ويُبقي القدرة على الفعل، ويُفشل تحقيق هذا التحول. وهنا تنقلب المعادلة: القدرة على التحمل والصمود تتفوق على القدرة على الحسم.
6.1 فخّ التصعيد الأخلاقي
لا يقتصر الفخ على الأهداف، بل يمتد إلى مسار الحرب نفسه. فكلما تعثّر تحقيق “النصر الأخلاقي”، يصبح التصعيد هو الخيار الوحيد المتاح: المزيد من الضربات، توسيع الأهداف، استهداف بنى أعمق، الانزلاق نحو مواجهات أوسع. لكن هذا التصعيد لا يقرّب من الحسم، بل يعمّق المأزق، لأن كل خطوة إضافية: تزيد الكلفة، توسّع دائرة الصراع، وتُنتج ردودا غير متوقعة.

ثانيا: الفخّ الزمني: حين يتحوّل الوقت إلى مأزق استراتيجي
في الحروب التقليدية، يُفترض أن يكون الوقت موردا يمكن توظيفه: إمّا لتسريع الحسم، أو لإطالة أمد الاستنزاف وفق حسابات واضحة.
لكن في الحروب المعاصرة - وخاصة تلك التي تنخرط في بنية الفخّ المركّب - يفقد الزمن حياده، ويتحوّل من أداة إلى قيد، ومن عنصر إدارة إلى مصدر مأزق. أحد أكثر تجليات ذلك وضوحا يظهر في لحظات التأجيل المتكرر للقرار، حيث لا يكون التأجيل خيارا تكتيكيا بقدر ما يكون تعبيرا عن عجز بنيوي عن الحسم.
1.2 الفخّ الزمني: بين كلفة الفعل وكلفة عدمه
ضمن هذا السياق، يدخل الفاعل فيما يمكن تسميته بـ “الفخّ الزمني”، حيث يتحول كل خيار إلى عبء:
• تنفيذ التهديد في الوقت المحدد يؤدي إلى تصعيد واسع وكلفة مرتفعة.
• تأجيل التنفيذ يؤدي إلى تآكل المصداقية.
• إلغاء التهديد يؤدي إلى انكشاف العجز.
وهنا لا يعود السؤال: متى نتحرك؟ بل يصبح: هل يوجد أصلا توقيت منخفض الكلفة؟ والجواب في بنية الفخّ المركّب هو: لا.
2.2 من مهلة إلى أخرى: الزمن كإشارة على التردد
حين يتم الانتقال من مهلة محددة إلى مهلة أطول، مرفقا بتبرير غير متماسك، فإن ما يظهر ليس مجرد تعديل في التوقيت، بل: انكشاف العلاقة المأزومة بين القرار والزمن. فالقرار هنا لا يُؤجَّل لأنه غير ناضج، بل لأنه مكلف إن نُفّذ، ومكلف إن لم يُنفّذ. وبذلك يصبح التأجيل: محاولة لشراء وقت لا يقدّم حلا.
3.2 مثال تطبيقي: مهلات إيران والقرار المؤجل
في سياق الحرب على إيران، برزت أنماط منح “مهلات” للرد أو التفاوض، 48 ساعة، تبعه تمديد خمسة أيام، ثم عشرة أيام، أو إعادة صياغة للتهديد. لم يكن التأجيل الأمريكي المتكرر نتيجة تقدم فعلي في المفاوضات، بل انعكاسا لمعضلة القرار: تنفيذ التهديد مكلف داخليا وخارجيا، والتراجع عنه مكلف أيضا، والتأجيل لا يحل المعضلة، بل يؤجلها.
مع تكرار هذه الدورة، تحوّل الزمن من أداة ضغط إلى عامل يكشف حدود الفعل. فالمهل الجديدة لا تعزّز المصداقية، بل تساهم في تآكلها، وتعطي الطرفين مساحة أوسع لإعادة التموضع. بهذا المعنى، لا يعمل الزمن كحيّز محايد، بل كآلية تكشف المأزق البنيوي وتعيد إنتاجه.
4.2 الزمن بوصفه ساحة صراع
في هذه الحالة، لا يكون الزمن إطارا محايدا للصراع، بل يتحول إلى ساحة بحد ذاته. فالطرف المقابل لا يحتاج إلى الانتصار، بل يكفيه أن يطيل أمد التوتر، ويُبقي التهديد قائما، ويُفشل تحويله إلى فعل حاسم. وبذلك يصبح الوقت: أداة بيد الطرف الأضعف لإعادة توزيع الكلفة. كل يوم تأجيل يزيد الضغط السياسي على الطرف الأقوى، يربك الأسواق، ويفتح احتمالات جديدة للتصعيد.
5.2 بين الادعاء والإنكار: تفكك الزمن السياسي
حين يُبرَّر التأجيل بوجود “مسار تفاوضي وتقدم”، بينما يتم نفي ذلك من الطرف الآخر، فإننا لا نكون فقط أمام تضارب في الروايات، بل أمام: تفكك في الزمن السياسي نفسه. فالزمن هنا ينقسم إلى مستويين:
• زمن مُعلن: يوحي بوجود تقدم وتهدئة،
• وزمن فعلي: يتجه نحو مزيد من التأزيم.
وبذلك تصبح اللغة أداة لإعادة تشكيل الزمن، لا لوصفه.
6.2 الفخّ الأخلاقي للزمن
يتضاعف هذا المأزق حين يكون الصراع مؤطرا بخطاب أخلاقي مطلق. ففي هذا النوع من الخطاب: الزمن يجب أن يكون حاسما، والقرار يجب أن يكون فوريا، والتردد يُقرأ كضعف أخلاقي. لكن الواقع يفرض تأجيلا، ومناورة، وترددا، وهنا ينشأ تناقض عميق، الزمن الواقعي يفكك الزمن الأخلاقي. فكل يوم تأجيل لا يضعف فقط الموقف الاستراتيجي، بل يقوّض أيضا السردية الأخلاقية التي بُنيت عليها الحرب.
7.2 الزمن كجزء من الفخّ المركّب
تكشف هذه الحالة أن الفخّ المركّب لا يقتصر على تداخل العسكري والسياسي والاقتصادي، بل يمتد إلى بعد أقل ظهورا لكنه أكثر تأثيرا: البعد الزمني، حيث يصبح الوقت موردا نادرا، والتأجيل تكلفة، والتسريع مخاطرة. وبذلك يتحول الزمن من عنصر إدارة إلى بنية مأزق قائمة بذاتها. بهذا، لا يعود الزمن إطارا للصراع، بل يتحول إلى جزء من بنيته.
8.2 لا حياد للزمن في الحروب المركّبة
في الحروب التي تنخرط في الفخّ المركّب، لا يعود الزمن عاملا خارجيا ولا أداة محايدة، بل يصبح فاعلا استراتيجيا يحدد حدود الممكن. فكل قرار مؤجل لا يحل الأزمة، بل يعيد إنتاجها، وكل مهلة جديدة لا تفتح أفقا، بل تكشف حدودا. وفي هذا السياق، لا يكون التحدي هو إدارة الوقت، بل النجاة من الوقوع في فخّه.

ثالثا: الفخّ الطاقوي: حين تتحوّل الطاقة إلى أداة تعطيل للنظام العالمي
في الحروب التقليدية، كانت الطاقة موردا داعما للعمليات العسكرية: وقودا للجيوش، ومحركا للاقتصاد، ورافعة للاستمرار. لكن في الحروب المعاصرة - وخاصة تلك التي تنخرط في بنية الفخّ المركّب - لم تعد الطاقة مجرد مورد، بل تحوّلت إلى سلاح استراتيجي يعيد تشكيل ميزان القوة ذاته. فالصراع لم يعد يدور فقط حول من يمتلك القوة، بل حول من يستطيع تعطيل شروط عمل النظام العالمي.
1.3 من مورد إلى نقطة اختناق
تكشف التطورات المرتبطة باستهداف، أو التهديد باستهداف مضيق هرمز، ومنشآت النفط والغاز، والبنية التحتية للطاقة في إيران والخليج، أن الطاقة لم تعد عنصرا في الحرب، بل أصبحت: نقطة اختناق للنظام العالمي، حيث يمكن لفعل محدود أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، اضطراب في الأسواق، وإعادة تسعير المخاطر عالميا. وهنا تظهر المفارقة: التأثير الاقتصادي يتجاوز بكثير الفعل العسكري نفسه.
2.3 لا تماثل جديد: من القوة إلى القدرة على التعطيل
في الفخّ الطاقوي، يتجلى شكل جديد من عدم التكافؤ: الطرف الأقوى يحتاج إلى حماية النظام، بينما يكفي الطرف الأضعف أن يُحدث خللا متكررا، يزرع الشك في الاستقرار، ويُبقي احتمالية الانقطاع قائمة. وبذلك تتحول معادلة الاستقرار إلى مهمة معقدة، بينما التعطيل فعل منخفض الكلفة نسبيا.
3.3 الفخّ التصاعدي للطاقة
كما في بقية أبعاد الفخّ المركّب، لا يقدم التصعيد حلا، بل يعمّق الأزمة:
• استهداف منشآت الطاقة يؤدي إلى ردّ على منشآت أخرى.
• توسيع الضربات يؤدي إلى توسيع دائرة المخاطر.
• حماية مشددة تعني كلفة أعلى واستنزاف دائم.
وبذلك تدخل الحرب في حلقة: كل محاولة لحماية الطاقة تزيد هشاشتها، لأن كثافة الحماية تكشف أهمية الهدف، وأهمية الهدف تزيد من جاذبيته كهدف.
4.3 الامتداد البنيوي: من الاقتصاد إلى القرار السياسي
يتجاوز الفخّ الطاقوي حدود الإقليم، ليصيب بنية النظام العالمي: الصناعة والزراعة والاقتصاد عموما يعتمد على استقرار الإمدادات، الأسواق المالية حساسة لأي اضطراب، سلاسل التوريد مترابطة بشكل عميق. وبالتالي، فإن أي خلل يؤدي إلى تضخم، تباطؤ اقتصادي، إعادة ترتيب الأولويات السياسية. كما لا يقتصر تأثير الطاقة على ساحة الحرب، بل يمتد إلى القرار السياسي نفسه: فالتصعيد قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ضغط داخلي متصاعد، توتر مع الحلفاء، وبذلك تصبح الطاقة: قيدا على القرار، لا مجرد هدف له.
5.3 من السيطرة إلى الهشاشة
تكشف هذه الحالة تحوّلا أعمق: النظام العالمي الذي بُني على تدفق الطاقة أصبح هشا بسبب اعتماده عليها. فكلما زاد الترابط زادت الكفاءة، ولكن زادت الهشاشة أيضا. وهذا ما يجعل نقطة اختناق واحدة قادرة على التأثير في منظومة كاملة.
6.3 من مورد إلى بنية أزمة
ما تكشفه هذه الحرب هو أن الطاقة لم تعد مجرد عنصر في الصراع، بل تحولت إلى بنية أزمة قائمة بذاتها داخل الفخّ المركّب، حيث: التعطيل يتفوق على الحماية، والهشاشة تتفوق على السيطرة، والاقتصاد يصبح امتدادا لساحة الحرب.
7.3 الفخّ الطاقوي: حين تصبح الطاقة وقود الحرب وآليتها في آن واحد
لا يمكن فهم الارتفاعات في أسعار النفط والغاز بوصفها مجرد انعكاس اقتصادي، بل ضمن بنية أعمق: حيث تتحول الطاقة من “متغيّر تابع” إلى فاعل بنيوي داخل الحرب نفسها. فالاقتصاد لا يعكس الحرب فقط، بل يسبقها ويؤسس لها. التوتر يرفع الأسعار، الأسعار تموّل استمرار التوتر، استمرار التوتر يعمّق الاعتماد على الطاقة. وهكذا ندخل في دائرة مغلقة: حيث لا تكون الحرب سببا في أزمة الطاقة فحسب، بل تصبح الطاقة نفسها شرطا لاستمرار الحرب. بهذا، لا تعود الطاقة موردًا داخل الصراع، بل تتحول إلى بنية تنظّم إيقاعه وتعيد إنتاجه.
8.3 الطاقة كجزء من الفخّ المركّب
لا يمكن فهم الطاقة بمعزل عن بقية أبعاد الفخّ:
• مع الفخّ الزمني: كل تأخير يزيد القلق في الأسواق.
• مع الفخّ الأخلاقي: تُبرَّر الضربات رغم آثارها الواسعة.
• مع الفخّ العسكري: يصعب تحقيق حماية كاملة.
وبذلك تصبح الطاقة حلقة وصل بين كل مستويات الأزمة.
9.3 شواهد تطبيقية - كيف تعمل الطاقة داخل بنية الحرب
لفهم الفخّ الطاقوي بوصفه بنية متكررة، يمكن العودة إلى ثلاث محطات:
أ. العراق 2003: إعادة تشكيل بنية الطاقة
ب. أرامكو 2019: الهشاشة تُنتج صدمة عالمية
ج. أوكرانيا 2022: الطاقة تتحول إلى سلاح مباشر.
عبر هذه الحالات الثلاث، يظهر نمط ثابت: الطاقة لا تعكس الصراع فقط، بل تُسهم في إنتاجه، وتحديد مساراته، وإطالة أمده. رغم اختلاف السياقات بين هذه الحالات، فإن النمط البنيوي يتكرر بوضوح: كلما زاد الاعتماد على الطاقة كمورد للاستقرار، زادت قابليتها للتحول إلى أداة لتعطيله، بحيث يصبح التأثير الاقتصادي للصراع أوسع من ساحته العسكرية. ما يبدو تقلبا في الأسواق هو في حقيقته انعكاس لبنية أعمق، حيث تُدار الحروب عبر السيطرة على تدفقات الطاقة، بقدر ما تُدار عبر الجيوش

رابعا: الفخّ الخطابي: حين تتحوّل اللغة إلى ساحة حرب
في الحروب التقليدية، كانت اللغة تُستخدم لوصف الصراع، أو لتبريره، أو لحشد التأييد له. لكن في الحروب المعاصرة - وخاصة تلك التي تنخرط في بنية الفخّ المركّب - لم تعد اللغة انعكاسا للحرب، بل أصبحت: جزءا من بنيتها، وساحة قائمة بذاتها للصراع. فالكلمات لم تعد تشرح ما يحدث، بل تُعيد تشكيله، تحدد معناه، وتُعيد توزيع موازين القوة داخله.
1.4 من أداة إلى ميدان
حين تُصاغ الحرب بوصفها: “حرب الخير والشر”، “الدفاع عن الحضارة”، و “مواجهة الإرهاب”، فإن اللغة لا تعود إطارا وصفيا، بل تتحول إلى: ميدان اشتباك رمزي. في هذا الميدان: تُحدّد الشرعية، تُرسم الحدود الأخلاقية، ويُعاد تعريف الضحية والفاعل، وبذلك يصبح التحكم باللغة شكلا من أشكال السيطرة.
2.4 احتكار المعنى: من يعرّف يهيمن
في الفخّ الخطابي، لا يدور الصراع فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على المعنى. فمن ينجح في تعريف ما يحدث، تسمية الأطراف، وتحديد طبيعة الصراع، يكتسب قدرة هائلة على توجيه الرأي العام، شرعنة الأفعال، وتقييد خيارات الخصم. وهنا تتجلى قاعدة مركزية: الهيمنة تبدأ من اللغة قبل أن تُترجم إلى قوة.
3.4 اللغة كسلاح ناعم وتأثير صلب
قد تبدو اللغة أقل حدة من السلاح، لكن أثرها قد يكون أعمق وأكثر دواما. فمن خلال الخطاب يمكن :تحويل العدوان إلى “دفاع عن النفس”، تحويل القتل إلى “عملية دقيقة”، وتحويل القتل والدمار إلى “أضرار جانبية”. وبذلك تُعاد صياغة الواقع بطريقة تُخفي العنف داخل مفردات محايدة أو أخلاقية. وهذا ما يجعل اللغة: أداة لتطبيع ما لا يمكن قبوله.
4.4 الفخّ الأخلاقي للغة
يتقاطع الفخّ الخطابي بشكل عميق مع الفخّ الأخلاقي. فعندما تُستخدم مفاهيم مثل: الخير والشر، الحضارة والهمجية، الحرية والأمن، داخل خطاب الحرب، فإنها لا تبقى مفاهيم معيارية، بل تتحول إلى أدوات تعبئة تُجرّد الخصم من الشرعية الإنسانية. وهنا يحدث التحول الأخطر: الخصم لا يُهزم فقط، بل يُجرّد من حقه في أن يكون طرفا قابلا للفهم أو التفاوض. وبذلك تصبح الحرب: صراعا ضد “فكرة” لا ضد طرف سياسي
5.4 التناقض الخطابي: حين تنكشف اللغة
الاستخدام المكثف للغة يولّد تناقضاته الخاصة. فمع اتساع الفجوة بين الخطاب (ما يُقال)، والواقع (ما يحدث)، تبدأ اللغة في الانكشاف. فعندما تُعلن الحرب أخلاقية، بينما تُنتج آثارا إنسانية كارثية، فإن الخطاب يفقد تماسكه تدريجيا. وهنا يظهر بُعد أساسي من الفخّ: اللغة التي تُستخدم لتثبيت الشرعية، تصبح سببا في تآكلها. بهذا، لا تعود الأخلاق إطارًا لضبط الحرب، بل تتحول إلى بنية ترفع سقفها إلى حدّ يستحيل تحقيقه.
6.4 تعددية السرديات: تفكك الهيمنة
في الماضي، كان بالإمكان فرض سردية واحدة مهيمنة. أما اليوم، ومع تعدد الفاعلين والمنصات، فقد أصبح المجال الخطابي أكثر تعقيدا: روايات متضاربة، صور متناقضة، معلومات متدفقة. وبذلك لم تعد الهيمنة على الخطاب مضمونة، بل أصبحت ساحة صراع مفتوحة، حيث يمكن للطرف الأضعف أن يقدم سردية مضادة، يكشف التناقضات، ويؤثر في الرأي العام العالمي.
7.4 مثال تطبيقي: من “الدفاع عن النفس” إلى أزمة الشرعية
في الحرب على غزة، جرى تأطير العمليات العسكرية في الخطاب الأمريكي والغربي والإسرائيلي ضمن مفهوم “الدفاع عن النفس”. هذا التأطير لم يكن مجرد توصيف، بل أداة لإنتاج شرعية دولية، وتقييد أي اعتراض بوصفه انحيازا ضد “الحق في الحماية”.
غير أن استمرار الإبادة والتدمير واتساع آثارها الإنسانية خلق فجوة متزايدة بين الخطاب والواقع. ومع تصاعد صور الدمار والضحايا، بدأ المفهوم نفسه يفقد قدرته التفسيرية، وتحوّل من أداة شرعنة إلى موضع مساءلة. هنا يتجلى الفخّ الخطابي بوضوح: اللغة التي تُستخدم لتثبيت الشرعية، تتحول تدريجيا إلى عامل في تآكلها، حين تعجز عن احتواء الواقع الذي يفوقها تعقيدا.

خامسا: الفخّ الإدراكي: حين تصدّق القوة خطابها
في الحروب التقليدية، كانت النخب السياسية والعسكرية والإعلامية تعتمد على المعلومات المباشرة والتقارير الميدانية لاتخاذ القرارات. لكن في الحروب المعاصرة، وبالذات ضمن بنية الفخّ المركّب، تتعرض النخب نفسها إلى إيهام إدراكي مستمر، يجعلها ترى الواقع كما تتوقعه لا كما هو بالفعل.
أخطر ما في الفخّ الخطابي ليس مجرد استخدام اللغة، بل الوقوع في تصديقها. فعندما تبدأ النخب في التعامل مع خطابها كحقيقة، وليس كأداة، فإنها: تفقد القدرة على التقييم الواقعي، تبالغ في تقدير قدرتها، وتقلل من تعقيد الصراع. هنا يتحول الخطاب من أداة قوة إلى مصدر للخطأ الاستراتيجي. وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته
بالفخّ الإدراكي. الحرب لا تُضلّل فقط الطرف الأضعف، بل تخدع أيضا من يعتقد أنه الأقوى.
1.5 تفاوت المعلومات
• البيانات الميدانية محدودة أو مشوشة.
• المصادر معرّضة للتحيّز أو التضليل المتعمد.
• النتائج الأولية تُفسّر غالبا وفق الرغبة في تحقيق أهداف مسبقة.
2.5 الخطاب المكثف
• الخطابات الأخلاقية والسياسية تعمل على تكريس رؤية محددة للواقع.
• تصورات الخير والشر تجعل أي فشل يبدو مؤقتا أو متوقعا.
• هذا يعزز الاعتقاد بأن الوضع تحت السيطرة، خطابات ترامب ونتنياهو نموذجا.
3.5 الإطار الزمني المضغوط
• الحاجة لاتخاذ قرارات عاجلة تجعل النخب أكثر اعتمادا على الانطباعات والتقديرات غير المؤكدة. كل تأجيل أو إعادة تقييم يُنظر إليه على أنه ضعف أو تردد. وهكذا، تتشكل حلقة مفرغة، تفسير المعلومات وفق ما تريد النخب تصديقه يؤدي إلى تصعيد القرارات، وهذا بدوره يعزز الأوهام الإدراكية.
4.5 الأمثلة العملية: من إيران إلى مضيق هرمز في الحرب الأمريكية - الإسرائيلية الراهنة على إيران، يمكن ملاحظة الفخّ الإدراكي في عدة مجالات:
أ. تقديرات التأثير العسكري:
النخب الأمريكية والإسرائيلية توقعت أن تصفية القيادات، وضرب المنشآت الحيوية سيضعف الخصوم ويؤدي إلى استسلامهم، فشل ذلك تاريخيا، وفشل حديثا في غزة ولبنان واليمن، ويتكرر الآن في لبنان وإيران، فلم يسفر اغتيال القيادات واستهداف البنى التحتية بشكل حاسم عن دفعهما للانهيار، بل استمرحزب الله وإيران في شن هجمات محدودة، لكنها مؤثرة على إسرائيل، القواعد العسكرية الأمريكية والغربية، الطاقة، الموانئ ومضيق هرمز.
ب. الخطاب الأخلاقي والسياسي:
الحرب وُصفت بأنها مواجهة للشر، مما جعل أي تأخير أو عجز في الحسم يُفسّر داخليا على أنه “مرحلة استراتيجية”، بينما الواقع كشف محدودية النتائج الفعلية.
ج. التقدير الخاطئ للقدرة على الصمود:
ركزت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على ما تم إنجازه من إبادة وتدمير، متجاهلين قدرة الشعوب - حين تصمم على بلوغ حقوقها الأساسية في الحياة والحرية وتقرير المصير- على التحمل والصمود، وغافلين عن قدرة إيران الفعلية على إعادة الانتشار أو استهداف نقاط حيوية جديدة، مما أعطى إحساسا زائفا بالتحكم.
5.5 الديناميات النفسية للفخّ الإدراكي
يمكن تلخيص الميكانيزم النفسي في ثلاث نقاط رئيسية:
أ. التحيز التأكيدي: النخب الحاكمة تميل للبحث عن المعلومات التي تؤكد تصوراتها السابقة، متجاهلة البيانات المخالفة.
ب. التبرير الاستراتيجي: أي فشل يُعاد تأطيره على أنه مؤقت أو مرحلي، وان ما لم يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بمزيد من القوة، ما يعزز التمسك بخيارات غير فعالة.
ج. الضغط الزمني والميداني: القرارات العاجلة تفرض الاعتماد على المعلومات الجزئية، ما يزيد احتمالية سوء التقدير.
6.5 الفخّ المركّب والنخب: لماذا ينجرف الأقوى؟
ما يميز الفخّ الإدراكي عن مجرد سوء تقدير هو أنه جزء من بنية الأزمة نفسها:
• الأهداف غير المشروعة وغير الواضحة (الفخّ الأخلاقي).
• الزمن الضاغط (الفخّ الزمني).
• حساسية البنية التحتية والطاقة (الفخّ الطاقوي).
• اللغة والخطاب (الفخّ الخطابي).
كل هذه العوامل تتفاعل لتخلق بيئة تجعل النخب تصدق نفسها أولا، قبل أن يصدقها الآخرون. النتيجة: قرارات تصعيدية، استراتيجيات غير قابلة للتنفيذ، وتأجيل متكرر للخطوات الحاسمة. بهذا، لا تعود الأخطاء الإدراكية عرضًا في القرار، بل تتحول إلى جزء من آلية إنتاجه.
7.5 الانعكاس الأخلاقي: تصديق الذات كفخ
الفخّ الإدراكي له بعد أخلاقي واضح:
• حين تصدق النخب أنها على حق، تصبح أقل استعدادا لإعادة تقييم الخيارات.
• أي تراجع يُنظر إليه كفشل أخلاقي، وليس مجرد قرار سياسي.
• وهكذا تتحول الأخلاق، كما في الفخّ الأخلاقي، إلى أداة إضافية لتثبيت الفخّ الإدراكي وإدامته.

سادسا: الفخّ البنيوي: لماذا تعيد الحروب إنتاج نفسها
في دراسة الحروب الحديثة، تبرز ظاهرة متكررة: رغم التغير في القدرات العسكرية، التكنولوجيا، التحالفات، والاقتصاد العالمي، يبدو أن الصراعات الكبرى تتكرر في أنماط متشابهة. هذا ما يمكن تسميته بـ الفخّ البنيوي: البنية الأساسية للصراع تخلق ظروفا تجعل الحرب تعيد إنتاج نفسها مهما تغيّرت المراحل والتقنيات.
1.6 البنية المكوّنة للفخّ
الفخّ البنيوي ليس نتيجة خطأ فردي أو سوء تقدير لحظة معينة، بل هو ناتج عن تركيب معقد من الديناميات المستمرة:
أ. الرغبة في الهيمنة الكاملة.
ب. الأهداف غير المحددة بوضوح: دخول الحرب غالبا بلا تصور واضح للنتيجة النهائية، أي غياب لأهداف قابلة للقياس يؤدي إلى تمدد الصراع بلا نهاية محددة.
2.6 الفجوة بين الخطاب والفعل
• كما في الفخّ الخطابي والفخّ الإدراكي، غالبا ما يُقدّم الخطاب الحرب كواجب أخلاقي أو حاسم، بينما الواقع يفرض قيودا على التنفيذ.
• هذه الفجوة تولّد دوامة مستمرة من التبرير والتصعيد.
3.6 الزمن والهشاشة الاقتصادية
• كما أظهر الفخّ الزمني والفخّ الطاقوي، تأجيل القرار أو استهداف الموارد الحيوية يخلق تأثيرات متراكمة تجعل الخروج من الحرب أصعب.
4.6 الدورة الإدراكية للنخب
• النخب تعيد تقييم المعلومات باستمرار، لكنها غالبا ما تقع في الأوهام الإدراكية، مما يعيد إنتاج أنماط الفشل السابقة.
5.6 لماذا تعيد الحروب نفسها؟
عند دمج هذه العناصر، تظهر آلية مركبة:
• الحرب تبدأ بخيارات محدودة: هجوم سريع أو حملة محددة.
• الصراع يولّد نتائج غير متوقعة: مقاومة مستمرة، كوارث إنسانية، أزمات طاقوية واقتصادية، ضغوط سياسية داخلية. بهذا، لا تعود الحرب سلسلة أحداث متعاقبة، بل تتحول إلى عملية تكرارية تعيد إنتاج شروطها باستمرار.
• النخب تفسّر النتائج ضمن إطار سابق: “ما لم يتحقق بعد هو مؤقت”، “التأجيل تكتيك”، “الضربات فعالة جزئيا”. ثم يتم تصعيد العمليات، مع إعادة إنتاج نفس النمط الذي بدأته الحرب أول مرة. كل دورة تعيد إنتاج نفسها، لأن البنية (الفخّ المركّب بأبعاده المختلفة) تخلق ظروفا تجعل التصعيد شبه حتمي.
6.6 الأمثلة العملية: الحروب الأمريكية الحديثة
في حروب العراق، أفغانستان، وفلسطين ولبنان واليمن، واليوم في لبنان وإيران، نرى نفس النمط:
أ. الأهداف الكبيرة والغامضة: استئصال المقاومة، تغيير النظام، أو تحقيق “الاستقرار الدائم”.
ب. تأخر النتائج مقابل توقعات مسبقة: مقاومة الطرف الأضعف تفضي إلى تمدد الصراع.
ج. تكرار الأساليب السابقة: تكثيف الضربات، دعم الجماعات المسلحة المحلية الموالية، استراتيجيات اقتصادية أو طاقوية.
د. تصديق النخب نفسها: استمرار التصعيد على أمل أن تؤدي الإجراءات نفسها إلى نتائج مختلفة، رغم إشارات الفشل المتكررة.
رغم اختلاف الجغرافيا والظروف، يتكرر النمط ذاته: تدخل يبدأ بأهداف واسعة وتوقعات سريعة، يتبعه تمدد غير متوقع، ثم إعادة تفسير الفشل كمرحلة مؤقتة، وصولا إلى تصعيد يعيد إنتاج المأزق بدل حله.
7.6 الديناميات البنيوية: دوامة ذاتية التعزيز. الفخّ البنيوي يعمل كالتالي:
• العجز والتصعيد يفضي إلى مقاومة وتكاليف أعلى ومزيد من التصعيد.
• كل حل جزئي يولد أزمة جديدة تتطلب حلا جديدا بنفس الأساليب القديمة.
• وهكذا تتحوّل الحرب إلى عملية تكرارية لا تنتهي، ما لم تُعالج البنية نفسها.
8.6 من فهم البنية إلى إمكان كسرها
لا يكشف الفخّ المركّب عن تعقيد الصراعات الحديثة فحسب، بل يفرض أيضا قيودا على أي محاولة لفهمها أو التدخل فيها. الفخّ المركّب هو: نظام صراعي مغلق يعيد إنتاج نفسه عبر تفاعل أبعاده، بحيث تصبح كل محاولة للخروج منه جزءا من آلية استمراره في كل مرحلة، حيث لا يكون الفشل في الحسم عرضا طارئا، بل نتيجة منطقية، ولا يكون التصعيد خيارا استثنائيا، بل مسارا شبه حتمي. وهكذا تتداخل هذه الأبعاد لتعزّز بعضها بعضا، فتتحول القوة من أداة لإنهاء الصراع إلى وسيلة لإدارته ضمن حدود تمنع الانفجار الكامل دون أن تسمح بالاستقرار، وتغدو الحرب عملية تكرارية لا تنتهي ما لم تُعالج البنية نفسها. بهذا، لا يكون الفخّ المركّب توصيفًا لحالة صراعية، بل نموذجًا يفسّر لماذا تفشل الحروب في إنهاء نفسها.
غير أن خطورة هذا التشخيص تكمن في أنه قد يوحي بحتمية مغلقة، بينما تكشف دلالته الأعمق عكس ذلك: فمعرفة الفخّ ليست تكريسا له، بل الشرط الأول لتفكيكه. إذ لا تعيد الحروب نفسها لأن الأطراف لا تتعلم، بل لأن البنية التي تُدار ضمنها تجعل التعلم الجزئي غير كاف لكسر النمط.
من هنا، يصبح الانتقال من الفهم إلى الفعل الواعي ضرورة، عبر تبنّي مقاربة متعددة الأبعاد تراعي تداخل الأزمات، وتضبط إيقاع التصعيد، وتسعى إلى كسر الحلقة المفرغة من خلال رؤية شاملة، وتدخلات مدروسة، وخطط تنفيذية مدركة لطول أمد الصراع وتعالج الجذوربشكل تدريجي وتراكمي بدل إعادة إنتاج النتائج.
بهذا المعنى، لا يكون السؤال: كيف نُدير الصراع داخل الفخّ؟ بل: كيف نعيد تعريف قواعده بحيث لا يستمر في إنتاج نفسه؟ فإدراك آليات عمل الفخّ المركّب لا يفتح فقط أفق الفهم، بل يفتح أيضا إمكانية التجاوز، سواء عبر إعادة توزيع الأدوار والقدرات، أو عبر نقل الصراع بين ساحات مختلفة، أو تفكيك التزامن الذي يمنح هذه الفخاخ قدرتها على العمل كوحدة واحدة. وهنا يتحول الفخّ المركّب من إطار تفسيري إلى أداة استراتيجية: ليس فقط لفهم الحروب، بل للتفكير في كيفية الخروج منها. وعليه، لم يعد التحدي في توصيف المأزق، بل في كيف نعرف أننا داخل الفخّ فعلا، وإذا ثبت ذلك، فهل يمكن تفكيكه دون إعادة إنتاج منطقه؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي، وهنا ينتقل التحليل من حدوده التفسيرية إلى أفقه العملي، والتأسيس للانتقال من تحليل البنية إلى اختبارها، ومن فهم المأزق إلى البحث في شروط تجاوزه عمليا.

تعليقات

يحيى بركات

د. غانية،
لا أقرأ نصك كمن يقرأ مقالًا…
أقرأه كمن يدخل غرفة عمليات لا تُرى.
كل شيء على السطح يبدو واضحًا: حرب، جبهات، صواريخ، بيانات، انتصارات معلنة، وخسائر تُعاد صياغتها.
لكن تحت هذا السطح… هناك نظام يعمل بهدوء.
نظام لا يصرخ، لكنه لا يتوقف.
ما تكتبينه ليس عن الحرب…
بل عن الآلة التي تُبقي الحرب حيّة.
في نصك، لا تبدو القوة هي البطل.
بل الشبكة التي تُمسك بالقوة وتُعيد توجيهها.
الأخلاق ترفع السقف حتى يستحيل الوصول إليه،
الزمن لا يمر… بل يضغط،
الطاقة لا تُغذي الحرب فقط… بل تربك العالم كله،
اللغة لا تشرح ما يحدث… بل تعيد تعريفه،
والوعي نفسه… لا يرى كما يجب، بل كما يريد أن يرى.
ثم، في لحظة هادئة، يتكشّف المشهد:
ليست هذه عناصر متجاورة…
بل خيوط مشدودة داخل عقدة واحدة.
وهنا، يصبح السؤال مختلفًا.
ليس: لماذا لا تنتهي الحرب؟
بل: كيف يمكن أن تنتهي… وهي تُدار داخل بنية تُعيد إنتاجها مع كل محاولة لإنهائها؟
في هذا النوع من الحروب، لا يحتاج الأقوى أن ينتصر…
ولا يحتاج الأضعف أن يهزم.
يكفي أن تستمر اللعبة.
اللافت في نصك أنك لا تلاحقين الضجيج،
بل تذهبين إلى ما يصنعه.
لا تكتبين عن لحظة،
بل عن منطق يُعيد إنتاج اللحظة.
وهذا ما يجعل “الفخّ المركّب” ليس توصيفًا…
بل عدسة.
عدسة نرى من خلالها أن ما يبدو تعثّرًا… هو في الحقيقة طريقة اشتغال.
وأن ما يُقدَّم كتصعيد… هو أحيانًا إعادة ضبط للإيقاع، لا كسره.
نصك لا يشرح الحرب،
بل يكشف أنها… لا تُدار لتُحسم،
بل لتستمر دون أن تنفجر بالكامل… ودون أن تنتهي.
وهنا، يتبدّل الإحساس كله.
نحن لا نقف على حافة نهاية،
بل داخل دائرة.
دائرة تعرف كيف تعيد رسم نفسها… كل مرة.
يحيى بركات
27/3/2026

***

غانية ملحيس

الصديق العزيز يحيى

أكثر ما أسعدني في تعليقك ليس فقط عمق قراءتك، بل عودتك إلى فضاء الاشتباك الفكري، وأن أراك تعود من تلك المسافة الصعبة، لا لتستأنف الكتابة فحسب، بل لتعيد وصلها بهذا العمق الذي لا يأتي إلا بعد عبور كهذا.
حمدا لله على سلامتك، وعلى هذه العودة التي تثري الحوار وتمنحه معنى، وتعيد تنشيط أدوات التفكير النقدي، وتمنح النصوص حياة تتجاوز لحظة كتابتها.
قراءتك ليست تعليقا على مقال بقدر ما هي إعادة إنتاج له داخل أفق تأويلي أعمق، فهي لا تتعامل مع “الفخّ المركّب” كفكرة، بل كآلية اشتغال تُرى من الداخل.
وما أشرتَ إليه - خصوصا توصيفك للحرب كـ“نظام يعمل بهدوء” لا كحدث صاخب - يلتقط بدقة ما حاولتُ قوله: أن ما يبدو انفجارا مستمرا، هو في جوهره انتظامٌ من نوع آخر، انتظام يعيد إنتاج نفسه عبر شبكة من العلاقات التي لا تتفكك بسهولة.
وأكاد أتفق معك في معظم ما ذهبتَ إليه، إلى الحد الذي يصبح فيه الاختلاف معك ضرورة، لا اعتراضا. لأن القراءة التي تقترحها، في ذروتها، تقترب من استنتاج ضمني خطير: أن هذه البنية - بقدر ما هي محكمة - تغدو شبه مكتفية بذاتها. أي أنها لا تُدار لتُحسم، بل لتستمر، وأن الاستمرار هنا ليس عارضا، بل غاية كامنة في منطقها.
وهنا تحديدا أرى أن التحليل، إذا لم ينتبه، قد ينزلق من تفكيك البنية إلى إعادة إنتاجها على مستوى الفهم.
السؤال الذي تطرحه - بصيغة ضمنية عميقة - ليس فقط: لماذا لا تنتهي الحرب؟ بل: هل يمكن أن تنتهي أصلا، إذا كانت تُدار داخل بنية تعيد إنتاجها؟
وأنا أذهب أبعد من ذلك، لكن في اتجاه مختلف: نعم، الفخّ المركّب قابل للكسر، لكن ليس لأنه هش، بل لأنه متماسك. وهذه ليست مفارقة لغوية، بل نقطة ارتكاز.
كل بنية تُعيد إنتاج نفسها تفعل ذلك لأنها تقوم على نوع من الاتساق الداخلي بين عناصرها. لكن هذا الاتساق ذاته هو ما يجعلها مشروطة - أي قابلة للاهتزاز - إذا ما تم التدخل في منطق ترابطها، لا في مظاهرها.
بمعنى آخر، ما يبدو “دائرة مغلقة” ليس مغلقا تماما، بل هو نظام يعتمد على توازن مستمر بين مكوّناته. والتوازن، مهما بدا صلبا، ليس مطلقا.
الخطر في القراءة التي تُغلق الدائرة هو أنها تمنح البنية صفة الاكتمال، بينما هي في الحقيقة بنية اشتغال، لا بنية تحقق.
هي لا “تنجح” في إعادة إنتاج نفسها، بل تُضطر إلى ذلك، لأن كل بُعد فيها يدفع الآخر إلى الاستمرار. الفخّ المركّب لا يستمر لأنه قادر فقط، بل لأنه محكوم بأن يستمر.
وهنا يكمن مدخل الكسر. ليس عبر القوة، ولا عبر قلب موازين الصراع داخل نفس المنطق، بل عبر ضرب شروط إعادة الإنتاج نفسها.
إذا أخذنا الأبعاد التي أشرتَ إليها بدقة - الأخلاقي، الزمني، الطاقوي، الخطابي، الإدراكيّ - فإن كسر الفخ لا يكون بتفكيك كل بُعد على حدة، بل بتعطيل العلاقة التي تجعلها تعمل كنظام:
• في الفخّ الأخلاقي، لا يكون الكسر برفع السقف أو خفضه، بل بكسر منطق تحويل القيم - حين تُفرَّغ من مضمونها الإنساني وتُعاد صياغتها كأداة تبرير - إلى أداة تسمح بالتصعيد.
• في الفخّ الزمني، لا يكون بالخروج من الضغط، بل بإعادة تعريف الزمن خارج منطق الحسم بالقوة.
• في الفخّ الطاقوي، لا يكون بتأمين الموارد، بل بفصل الطاقة عن كونها شرطا لاستمرار الصراع، عبر استعادة سيادة الشعوب على مواردها ومساراتها.
• في الفخّ الخطابي، لا يكون بإنتاج خطاب مضاد داخل نفس الحقل، بل بكسر احتكار اللغة للمعنى.
• في الفخّ الإدراكي، لا يكون بتصحيح الأخطاء، بل بكسر الإطار الذي يجعل الخطأ ممكنا وقابلا للتكرار.
بهذا المعنى، الكسر ليس حدثا داخل الدائرة، بل خروجا من منطقها. وهنا أختلف معك في نقطة جوهرية:
حين نقول إن الحرب “لا تُدار لتُحسم”، فنحن نصف منطق اشتغالها الحالي، لكننا لا نصف حدود إمكانها. لأن هذا المنطق نفسه ليس طبيعيا ولا أبديا، بل هو نتاج بنية تاريخية وسياسية ومعرفية قابلة للتفكك.
الفخّ المركّب ليس قدرا، بل صيغة فرضها نظام الحداثة الغربي المادي العنصري المهيمن. وصيغة كهذه يمكن أن تستمر، ويمكن أن تبدو مغلقة، لكنها لا تصبح مطلقة إلا حين نعاملها كذلك، وحين نتجاهل أن النظام الذي أنتجها - بكل تمظهراته - قابل للاهتزاز والتراجع، وهو ما تتبدى مؤشراته.
قراءتك تذهب إلى عمق النظام، وتكشف كيف تعمل الدائرة.
لكن ما أحاول إضافته هو أن رؤية الدائرة لا تعني الإقرار بها، بل قد تكون الشرط الأول لتفكيكها.
لذلك، لا أرى أننا نقف داخل دائرة مكتملة، بل داخل نظام يعيد رسم نفسه لأنه لم يُكسر بعد. والفرق بين الاثنين ليس لغويا، بل وجودي واستراتيجي في آن واحد.
دمت، ودام حضورك الذي يثري الحوار ويطوّر الوعي المعرفي.
غانية ملحيس
27/3/2026



===$$$$$$$$====


يحيى بركات


د. غانية،
أعود إلى هذا الحوار…
لا كمن يكتب تعليقًا،
بل كمن يدخل مشهدًا بدأ يتّسع… ويتحوّل.
قرأتُ نصك،
ثم قرأتُ ما كتبه خالد…
ثم قرأتُ ردّك عليه… وردّك عليّ.
وفجأة، لم أعد أرى مقالات متجاورة،
بل أرى طاولة واحدة…
يجلس حولها سؤال واحد…
لكن كلٌّ يراه من زاوية مختلفة.
خالد التقط البنية…
ومدّها خارج حدود الحرب،
كأنّه يقول:
ربما المشكلة ليست في الصراع وحده…
بل في العالم الذي لم يعد يعرف كيف يُنهي صراعاته.
وأنتِ…
أعدتِ الإمساك بالخيط،
لا لتعيديه إلى نقطة البداية،
بل لتمنعيه من أن يتحوّل إلى يقين مغلق.
فتحتِ النافذة…
لكن أبقيتِ الهواء متحرّكًا.
أما أنا،
فكنتُ أنظر إلى المشهد من الداخل…
أرى الآلة وهي تعمل،
بهدوءٍ مُقلق،
بإيقاعٍ لا يعلو… لكنه لا يتوقف.
كنتُ أظن—أو أكاد—
أن ما نراه هو دائرة مكتملة،
نظام يعرف كيف يحمي نفسه بإعادة إنتاج نفسه.
لكن في ردّك…
حدث شيء يشبه انزياح الكاميرا.
لم تغيّري المشهد،
بل غيّرتِ زاوية النظر إليه.
ما بدا دائرة…
صار دورانًا.
وما بدا اكتمالًا…
صار اضطرارًا.
وهنا،
يتغيّر المعنى كله.
لأن الدائرة المغلقة… تُخيف.
أما الدوران… فيحمل تعبًا خفيًا،
احتمال اختلال،
لحظة ارتباك… قد لا تُرى فورًا.
خالد ذهب إلى السؤال الكبير:
أي عالم هذا الذي لم يعد يُنتج الحسم؟
وأنتِ أعدتِ السؤال إلى عمقه الأدق:
هل ما نراه نظام مكتفٍ بذاته…
أم نظام مضطر أن يستمر لأنه لم يُكسر بعد؟
أما أنا،
فأقف بين هاتين اللقطتين…
أرى الحركة،
وأصغي إلى ما تحتها.
أفهم الآن…
أن الخطر ليس فقط في الفخ،
بل في الطريقة التي نراه بها.
حين نراه مكتملًا،
نمنحه—دون أن نشعر—صفة الديمومة.
وحين نراه اشتغالًا مضغوطًا بتوازنه الداخلي،
نبدأ—ولو بصمت—في البحث عن اللحظة التي يختل فيها.
نصك فتح باب الفهم،
ونص خالد وسّع أفق السؤال،
وردودك أعادت ضبط الإيقاع…
حتى لا يتحول الفهم إلى استسلام،
ولا يتحول السؤال إلى يقين.
وهنا…
لا أعود أرى حربًا فقط،
بل أرى مشهدًا أطول…
مشهدًا لا يُحسم بالصوت العالي،
ولا يُكسر بضربة واحدة،
بل ينتظر تلك اللحظة…
التي يختل فيها التوازن،
ولو قليلاً.
هناك… فقط،
يمكن أن يبدأ شيء مختلف.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

***



غانية ملحيس


الصديق العزيز يحيى

ما كتبته لا يُقرأ كتعليق، بل كإمتداد للمشهد الذي بدأ يتشكّل بيننا، كأنك لم تكتفِ بتنظيم الجلوس إلى الطاولة، بل أعدتَ ترتيب الضوء فوقها.
توصيفك للفارق بين “الدائرة” و“الدوران” كما قال خالد ، ليس انزياحا لغويا، بل تفكيكٌ لبنية الإيهام التي يقوم عليها هذا النمط من الصراع. فالدائرة تفترض نظاما مكتملا، مكتفيا بذاته، بلا خارج.
أما الدوران، فيكشف عن نظام لا يستقر، بل يستمر، وهذا تحوّل في بنية الفهم نفسها. لأن أخطر ما يفعله الفخّ المركّب، كما أشرتَ بدقة، ليس فقط أنه يُعيد إنتاج نفسه، بل أنه يُقنعنا - ببطء- أنه مكتمل، مكتف بذاته ، بلا خارج.
وحين نُسلّم له بذلك، ننتقل - دون أن نشعر - من محاولة تفكيكه إلى التكيّف معه، حتى ونحن نظن أننا ننتقده.
لذلك، فإن “الاختلال الطفيف” الذي تشير إليه لا يبدو لحظة عابرة،
بل نقطة انتقال: من بنية مهيمنة، إلى بنية مُعرَّضة. أي اللحظة التي يبدأ فيها الفخّ بفقدان قدرته على إعادة إنتاج نفسه بالكفاءة ذاتها.
هنا يتقاطع ما فتحته أنت، وما أشار إليه خالد، مع ما حاولتُ الاقتراب منه:
لسنا أمام عالم فقد القدرة على الحسم فحسب، بل أمام أنماط من الصراع باتت تعتمد، في بقائها، على تجنّب الحسم. وهذا ليس استقرارا، بل توترٌ مُدار.
من هنا، لا يعود التحدي في كسر الفخّ بضربة واحدة، بل في تعميق هذا التوتر إلى الحد الذي لا يعود فيه قابلا للإدارة. أي: ليس فقط انتظار لحظة الاختلال، بل الاشتغال - فكريا وعمليا- على جعلها ممكنة، بل وتسريع شروط تحققها.
دام حضورك بهذا الإصرار على الاشتباك الفكري، الذي لا يكتفي بوصف البنية، بل يدفع التفكير إلى حدوده لقصوى، حيث تبدأ إمكانات تفككها بالظهور.


****
 
نائل التونسي


الأستاذة الدكتورة غانية ملحيس الفاضلة،
مع خالص التقدير لطرحكم العميق، يقدّم مقالكم إطاراً تحليلياً عميقاً ومتماسكاً لفهم الحروب الحديثة بوصفها “فخاً مركّباً” يعيد إنتاج نفسه، وهو إسهام فكري مهم يتجاوز المقاربات التقليدية التي تختزل الصراع في ميزان القوة العسكرية. ما يميّز هذا الطرح هو قدرته على تفسير لماذا تفشل القوة، رغم تفوقها، في تحقيق حسم نهائي، عبر تفكيك البنية التي تجعل الحسم ذاته شبه مستحيل.
وانطلاقاً من هذا الإسهام القيّم، تبدو أهمية البناء عليه في اختبار هذا الإطار ضمن الواقع الفلسطيني والإقليمي الراهن، لا بوصفه نموذجا تفسيرياً فحسب، بل كمدخل لتطوير رؤية عملية.
في الحالة الفلسطينية، يتجلّى “الفخّ المركّب” بصورة مكثفة وواضحة:
• أخلاقياً: يُؤطَّر الصراع كمعركة وجودية مطلقة، بما يغلق أفق التسويات ويُبقي الحرب مفتوحة.
• زمنيياً: يتحول الزمن إلى استنزاف طويل للمجتمع، مقابل قدرة مستمرة على الصمود تمنع الحسم.
• ميدانياً: لا يترجم التفوق العسكري إلى سيطرة سياسية مستقرة.
• خطابياً: تتآكل الرواية المهيمنة عالمياً مع اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع.
• بنيوياً: تتكرر دورات (تصعيد، صمود، تهدئة، إعادة تصعيد) دون كسر حقيقي للمسار.
غير أن التجربة الفلسطينية، كما تفضلتم ضمناً، تكشف أيضاً عن مفارقة مركزية:
الصمود لم يعد مجرد “بقاء داخل الفخّ”، بل أصبح أداة لتعطيل الحسم وإرباك الطرف الأقوى. إلا أن هذا التعطيل، على أهميته، قد يبقى ضمن منطق الفخّ ذاته إن لم يُترجم إلى استراتيجية أوسع قادرة على تفكيك بنيته.
إقليمياً، تتضح أبعاد الفخّ المركّب بشكل أكثر تعقيداً:
• انخراط أطراف متعددة بدرجات متفاوتة، تعمل في معظمها ضمن منطق إدارة الصراع لا حسمه.
• ترابط ساحات مثل فلسطين ولبنان واليمن وإيران، بحيث يصبح التصعيد موضعيًا قابلًا للامتداد دون أن يبلغ حد المواجهة الشاملة.
• تحوّل الطاقة والاقتصاد إلى قيود بنيوية تضبط إيقاع التصعيد.
• غياب رؤية إقليمية موحّدة، ما يساهم في إعادة إنتاج التوازن الهش بدل تغييره.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مركزي يفتح عليه طرحكم دون أن يدّعي حسمه:
هل يمكن تحويل هذا الترابط من عامل يعمّق الفخّ إلى عامل يساهم في تفكيكه؟
إن البناء على هذا الإطار النظري الغني يقتضي، كما يبدو، الانتقال من “إدارة الصمود” إلى “استراتيجية تفكيك”، تقوم على:
• توسيع ساحات الفعل خارج الإطار العسكري المغلق (قانونياً، سياسياً، إعلامياً)،
• إعادة تعريف الزمن كمسار تراكم استراتيجي لا مجرد استنزاف،
• استثمار التناقضات في الخطاب الدولي بدل الاكتفاء بكشفها،
• وربط الساحات إقليمياً ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، لا مجرد تفاعل ظرفي مع التصعيد.
إن القيمة الأعمق لمقالكم، برأيي، لا تكمن فقط في تفسير لماذا تفشل الحروب، بل في فتح أفق نظري وعملي لسؤال أكثر إلحاحاً:
كيف يمكن تحويل فهم “الفخّ المركّب” إلى أداة لإعادة تعريف قواعد الصراع، لا الاكتفاء بإدارته؟
وهنا تحديداً تتجلى أهمية هذا الطرح: كنقطة انطلاق للانتقال من تحليل المأزق إلى اختبار إمكان تجاوزه، ومن فهم الفخّ إلى البحث في شروط تفكيكه.
مع خالص التقدير لجهدكم الفكري القيّم.
نائل التونسي
27/3/2026

***


غانية ملحيس


الصديق العزيز نائل التونسي

أشكرك على هذه القراءة الدقيقة والعميقة، التي لا تكتفي بقبول الإطار التحليلي، بل تمضي خطوة أبعد في اختبار إمكاناته داخل الواقع الفلسطيني والإقليمي.
ما قدّمته هنا ليس تعليقا بقدر ما هو امتداد للنص في اتجاهه الأكثر إلحاحا: من التفسير إلى سؤال الإمكان.
أوافقك أن التجربة الفلسطينية تكشف مفارقة مركزية: أن الصمود، الذي كان يُفهم تقليديا كقدرة على البقاء داخل شروط الفخّ، بات - في لحظات معينة - أداة لتعطيل الحسم وإرباك منطق التفوق ذاته.
لكن، كما أشرت إليه بدقة، فإن هذا التعطيل، على أهميته، قد يظل يعمل داخل منطق الفخّ، ما لم يتحول إلى جزء من استراتيجية أوسع تستهدف بنيته لا مخرجاته.
وهنا تحديدا أرى أن التمييز الذي تطرحه بين “إدارة الصمود” و“استراتيجية التفكيك” هو مفتاح النقاش. لأن الفخّ المركّب، كما حاولتُ طرحه، لا يقوم فقط على تعدد الأبعاد، بل على ترابطها ضمن نظام يعيد إنتاج نفسه عبر توازن دقيق بين هذه الأبعاد.
وبالتالي، فإن أي فعل يبقى محصورا داخل أحد هذه المستويات - حتى لو كان فاعلا - يخاطر بأن يُعاد امتصاصه داخل الدورة ذاتها.
من هنا، يصبح السؤال الذي طرحته:
هل يمكن تحويل الترابط من عامل يُعمّق الفخّ إلى عامل يُسهم في تفكيكه؟ سؤالا مركزيا بالفعل.
وأظن أن الإجابة الممكنة لا تكمن في “توسيع الساحات” فقط، بل في إعادة تنظيم العلاقة بينها. بمعنى أن الربط الإقليمي، على سبيل المثال، يمكن أن يعمل في اتجاهين متعاكسين:
إما كشبكة امتصاص للصدمات تُبقي الصراع ضمن حدود قابلة للإدارة،
أو كشبكة ضغط متراكمة تُخلّ بتوازن النظام ذاته.
والفارق بين الحالتين لا يعود إلى حجم الفعل، بل إلى طبيعته البنيوية: هل يعيد إنتاج إيقاع الفخّ، أم يعطّل منطقه؟
ما أشرت إليه حول إعادة تعريف الزمن، وتوسيع الفعل خارج الإطار العسكري، واستثمار التناقضات في الخطاب الدولي، كلها عناصر أساسية - لكن فاعليتها، برأيي، تبقى مشروطة بقدرتها على الانتقال من مستوى “التراكم داخل المسار” إلى مستوى “إعادة تشكيل المسار نفسه”.
وهنا أود أن أضيف فكرة مكملة: أن تفكيك الفخّ المركّب لا يتحقق فقط عبر الضغط على مكوناته فقط، بل عبر كسر آلية التزامن بينها. أي تلك اللحظة التي تعمل فيها الأبعاد المختلفة - الأخلاقي، الزمني، الطاقوي، الخطابي، الإدراكي - ضمن إيقاع واحد يُنتج الاستمرار.
حين يختل هذا التزامن، لا يتفكك الفخّ دفعة واحدة، لكنه يفقد شرط استقراره.
بهذا المعنى، ربما يكون التحدي ليس فقط في بناء “استراتيجية تفكيك”، بل في القدرة على إخراج عناصر الفخّ من انسجامها البنيوي، وتحويل ترابطها من مصدر قوة إلى نقطة هشاشة.
أقدّر كثيرا هذا الاشتباك الفكري الذي يفتح المقال على أفقه العملي، ويعيد طرح سؤاله المركزي بصيغة أكثر تركيبا: ليس فقط كيف نفهم الفخّ، بل كيف نُربك منطقة
مع خالص التقدير لقراءتك وإضافتك النوعية
غانية ملحيس
27/3/2026
 
ناضل حسنين

مقالك سيدتي يعتبر تشخيصاً استراتيجياً عميقاً يتجاوز التحليل التقليدي. تكمن قوته في تفكيك بنية الصراع عبر ستة أبعاد (أخلاقية، زمنية، طاقوية، خطابية، إدراكية، وبنيوية)، محولاً الحرب من "حدث عابر" إلى "نظام معقد". إنه بيان استراتيجي لا غنى عنه لفهم استعصاء الحسم وسبل كسر حلقة الصراع المفرغة.

ناضل حسنين
27/3/2026


****


غانية ملحيس

الأستاذ ناضل حسنين

شكرا لك على هذه القراءة المتأنية والتقدير العميق. يسعدني أنك التقطت جوهر ما حاولتُ توضيحه: أن الحرب ليست مجرد حدث عابر، بل نظام معقّد يعيد إنتاج نفسه عبر أبعاد متعددة.

وهذا الفهم للفخّ المركّب هو المفتاح لتحديد نقاط الضعف وإمكانيات تفكيك حلقة الصراع المفرغة، بما يفتح آفاقا للتفكير الاستراتيجي والتخطيط العملي. ليس فقط عبر التعامل مع كل بُعد على حدة، بل عبر إخراج عناصر الفخّ من انسجامها البنيوي، وتحويل ترابطها من مصدر قوة إلى نقطة هشاشة، وكسر آلية التزامن بينها بما يُفقدها شرط استقرارها.

مودتي واحترامي

غانية ملحيس

27/3/2026
 
تابع

حيي بركات



د. غانية،
ما بين ما كتبه خالد…
وما أعدتِ أنتِ صياغته،
انزاحت الكاميرا قليلًا.
لم نعد ننظر إلى دائرة،
بل إلى حركة.
خالد سمّاها بوضوح: الفرق بين الدائرة والدوران.
وأنتِ التقطتِ ما وراء التسمية:
أن أخطر ما في الفخّ… ليس أنه يُعيد إنتاج نفسه،
بل أنه يُقنعنا أنه مكتمل.
هنا تحديدًا،
يتغيّر المشهد.
لأننا حين نرى دائرة،
نستسلم لها دون أن نشعر.
وحين نرى دورانًا،
نبدأ في الإصغاء إلى ما يتعب داخلها.

اليوم،
الصوت لم يعد نظريًا فقط.
أمام البيت الأبيض،
ناس في الشارع.
ليسوا جزءًا من هذه البنية التي نحللها،
لكنهم… يلمسونها.
يهتفون ضد الحرب،
ضد القرار،
ضد فكرة أن يُدار هذا العالم… من مركزٍ واحد،
كأنه ملك.
في هذه اللحظة،
الدوران الذي تحدّثنا عنه…
يصدر صوتًا.
ليس انفجارًا،
بل احتكاك.
في الداخل الأمريكي،
تتشكل رواية مختلفة:
أن هذه الحرب لم تكن ضرورة،
أن دونالد ترامب لم يدخلها لأن الخطر مباشر،
بل لأن هناك دفعًا… من حسابات أخرى،
يظهر فيها اسم بنيامين نتنياهو
لا كحليف فقط… بل كمحرّك.
وخارج هذا الداخل،
في الإقليم… وفي أوروبا،
تتشكل طبقة أخرى من الفهم:
أن المنطقة لم تُستشر،
بل استُخدمت.
وهنا…
ما بدا دورانًا متماسكًا،
يبدأ بفقدان صمته.
لأن بعض من داخل هذه الدائرة،
يكتشف فجأة…
أنه لم يكن جزءًا من مركزها.
وأن وجوده…
كان على الهامش،
حتى وهو في قلب الحدث.

أفهم الآن،
بشكل أقرب،
ما فتحتهِ أنتِ،
وما أضاءه خالد:
الكسر لا يأتي من خارج المشهد فقط،
بل من داخل الإيقاع نفسه،
حين يبدأ من يدورون…
في طرح السؤال.
ليس: كيف ندور؟
بل: لماذا ندور أصلًا؟
وهنا،
لا تتوقف الدائرة،
لكنها…
تفقد شيئًا من يقينها.
يظهر ذلك “الاختلال الطفيف” الذي أشرتِ إليه،
لا كحادثة،
بل كبداية.
بداية انتقال،
من نظام يبدو مكتملًا،
إلى نظام…
يُدرك أنه لم يعد كذلك.
وربما،
من هنا تحديدًا،
لا نخرج من الدائرة بعد…
لكننا نراها.
وأن نراها…
هو أول شرخ فيها.


***




د. غانية،
ما بين ما كتبه خالد…
وما أعدتِ أنتِ صياغته،
انزاحت الكاميرا قليلًا.
لم نعد ننظر إلى دائرة،
بل إلى حركة.
خالد سمّاها بوضوح: الفرق بين الدائرة والدوران.
وأنتِ التقطتِ ما وراء التسمية:
أن أخطر ما في الفخّ… ليس أنه يُعيد إنتاج نفسه،
بل أنه يُقنعنا أنه مكتمل.
هنا تحديدًا،
يتغيّر المشهد.
لأننا حين نرى دائرة،
نستسلم لها دون أن نشعر.
وحين نرى دورانًا،
نبدأ في الإصغاء إلى ما يتعب داخلها.

اليوم،
الصوت لم يعد نظريًا فقط.
أمام البيت الأبيض،
ناس في الشارع.
ليسوا جزءًا من هذه البنية التي نحللها،
لكنهم… يلمسونها.
يهتفون ضد الحرب،
ضد القرار،
ضد فكرة أن يُدار هذا العالم… من مركزٍ واحد،
كأنه ملك.
في هذه اللحظة،
الدوران الذي تحدّثنا عنه…
يصدر صوتًا.
ليس انفجارًا،
بل احتكاك.
في الداخل الأمريكي،
تتشكل رواية مختلفة:
أن هذه الحرب لم تكن ضرورة،
أن دونالد ترامب لم يدخلها لأن الخطر مباشر،
بل لأن هناك دفعًا… من حسابات أخرى،
يظهر فيها اسم بنيامين نتنياهو
لا كحليف فقط… بل كمحرّك.
وخارج هذا الداخل،
في الإقليم… وفي أوروبا،
تتشكل طبقة أخرى من الفهم:
أن المنطقة لم تُستشر،
بل استُخدمت.
وهنا…
ما بدا دورانًا متماسكًا،
يبدأ بفقدان صمته.
لأن بعض من داخل هذه الدائرة،
يكتشف فجأة…
أنه لم يكن جزءًا من مركزها.
وأن وجوده…
كان على الهامش،
حتى وهو في قلب الحدث.

أفهم الآن،
بشكل أقرب،
ما فتحتهِ أنتِ،
وما أضاءه خالد:
الكسر لا يأتي من خارج المشهد فقط،
بل من داخل الإيقاع نفسه،
حين يبدأ من يدورون…
في طرح السؤال.
ليس: كيف ندور؟
بل: لماذا ندور أصلًا؟
وهنا،
لا تتوقف الدائرة،
لكنها…
تفقد شيئًا من يقينها.
يظهر ذلك “الاختلال الطفيف” الذي أشرتِ إليه،
لا كحادثة،
بل كبداية.
بداية انتقال،
من نظام يبدو مكتملًا،
إلى نظام…
يُدرك أنه لم يعد كذلك.
وربما،
من هنا تحديدًا،
لا نخرج من الدائرة بعد…
لكننا نراها.
وأن نراها…
هو أول شرخ فيها.
يحيى بركات
28/3/2026



يحيى العزيز
ما كتبته هذه المرة لا يتابع الفكرة فقط، بل يلتقط لحظة تغيّر في حساسيتها.
الانتقال الذي أشرتَ إليه- من الدائرة إلى الدوران - لم يعد توصيفا للحركة، بقدر ما أصبح إصغاء لما يصدر عنها.
ولهذا بدت تسميتك لـ“الصوت” دقيقة إلى حد بعيد:
ليس كسرا بعد، بل احتكاكا يفقد معه النظام صمته، دون أن يفقد تماسكه بالكامل.
ما أضفته حول ما يجري الآن - في الداخل الأمريكي، وفي أوروبا، وفي الإقليم - يُظهر أن هذا الصوت لم يعد معزولا، بل يتوزّع على أكثر من مستوى:
احتجاج في واشنطن يطعن في السردية،
امتعاض في أوروبا يكشف هشاشة التماسك،
وإدراك متأخر لدى بعض الأطراف العربية بأنها كانت أقرب إلى الهامش مما ظنّت وجرى استخدامها.
لكن ربما هنا تحديدا يظهر السؤال الذي يفتح تعليقك ، لا الذي يغلقه:
هل تكفي هذه الأصوات، متجاورة، لكي تُسرّع كسر الدائرة؟
أم أن ما نراه هو ارتفاع في حدّة الاحتكاك، دون أن يتحوّل بعد إلى قوّة تغيّر اتجاه الدوران؟
بمعنى آخر، هل نحن أمام اختلالات متفرّقة،
أم أمام بداية ترابط بينها؟
لأن الفرق بين الحالتين دقيق، لكنه حاسم:
في الأولى، تستطيع الدائرة أن تمتصّ الضجيج وتعيد إنتاج نفسها بشكل أكثر مرونة.
أما في الثانية، فإن الصوت لا يبقى تعبيرا عن التصدّع، بل يتحوّل إلى ما يعيد توزيع الإيقاع من الداخل.
وربما، كما ألمحتَ،
نحن لا نخرج من الدائرة بعد، لكننا لم نعد نسمعها بالطريقة نفسها.
وهذا، بحد ذاته، قد لا يكون الكسر بعد،
لكنه بالتأكيد بداية فقدان يقينها.
وهنا بالتحديد تتبدى إمكانات وفرص تسريع الكسر .وهو ما يتوجب البحث في شروطه، لأن
ذلك هو ما سيحدد إن كنا نصف “بداية نهاية”
أم “مرحلة جديدة من الاستمرار”.
دمت شريكا لهذا الإصغاء، الذي لا يكتفي برؤية الحركة، بل يتتبّع ما يتغيّر في معناها .
غانية ملحيس
28/3/2026


***
 
التعديل الأخير:
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...