بقلم: خالد صالح عطية
28مارس 2026
إلى الدكتوره غانية ملحيس ، شريكة الفكر والمعنى في هذا الاشتباك المعرفي المتواصل،
يستحق هذا الجهد المتراكم، الدقيق والمثابر، وقفة تقدير حقيقية. فما يُكتب هنا لا يبدو مجرد تحليل لوقائع متحركة، بل عمل فكري صبور يسعى إلى تفكيك البنى العميقة التي تختبئ خلفها، وإعادة بناء أدوات الفهم في لحظة يزداد فيها العالم تعقيدًا والتباسًا.
هذا النوع من الاشتغال لا يُنتج نصوصًا عابرة، بل يفتح مسارات للتفكير، ويؤسس لحوار يتجاوز اللحظة نحو أفق أوسع، يكون فيه السؤال أكثر أهمية من الإجابة، والفهم أعمق من التفسير.
يقدّم نص الدكتورة غانية حول “الفخّ المركّب” واحدًا من أكثر المحاولات تماسكًا في تفكيك بنية الحروب المعاصرة، ليس بوصفها أحداثًا عسكرية أو أزمات سياسية، بل بوصفها أنظمة اشتغال معقّدة تعيد إنتاج نفسها عبر تداخل مستويات متعددة: الأخلاقي، الزمني، الطاقوي، الخطابي، الإدراكي، والبنيوي. ما يميّز هذا الطرح أنه لا يكتفي بتجميع هذه الأبعاد، بل يكشف ترابطها الداخلي، بحيث لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الآخر، وهو ما يمنح مفهوم “الفخّ المركّب” قوة تفسيرية تتجاوز الوصف إلى مستوى التأطير النظري.
في الفخّ الأخلاقي، تُظهر الكاتبة كيف تتحول القيم من معيار لضبط الحرب إلى محرّك لتوسيعها، بحيث يصبح رفع السقف الأخلاقي ذاته سببًا في استحالة تحقيقه. هنا لا تعود الأخلاق قيدًا على العنف، بل شرطًا لتصعيده، في مفارقة تعكس انزياحًا عميقًا في وظيفة القيم داخل الصراع. وفي الفخّ الزمني، يتم تفكيك العلاقة المأزومة بين القرار والوقت، حيث لا يعود الزمن موردًا يمكن توظيفه، بل يتحول إلى قيد يكشف حدود الفعل، ويحوّل كل خيار إلى كلفة، سواء تم اتخاذه أو تأجيله. أما الفخّ الطاقوي، فيفتح على مستوى آخر من التحليل، حيث تتحول الطاقة من مورد داعم إلى نقطة اختناق بنيوية قادرة على تعطيل النظام العالمي بأكمله، بما يجعل التأثير الاقتصادي يتجاوز الفعل العسكري ذاته.
وفي الفخّ الخطابي، تنتقل اللغة من كونها أداة وصف إلى كونها ساحة اشتباك قائمة بذاتها، تُعاد فيها صياغة المعنى، وتُنتج من خلالها الشرعية، بل وتُعاد عبرها تعريف مواقع الفاعلين أنفسهم. أما الفخّ الإدراكي، فيكشف بعدًا بالغ الخطورة، يتمثل في انخراط النخب في تصديق خطابها الخاص، بما يخلق دائرة مغلقة من التقدير الخاطئ، ويحوّل الخطاب من أداة قوة إلى مصدر خلل استراتيجي. وأخيرًا، يأتي الفخّ البنيوي ليجمع هذه المستويات كلها، موضحًا أن تكرار الحروب ليس نتيجة فشل عرضي، بل تعبير عن بنية تعيد إنتاج نفسها عبر كل محاولة للخروج منها.
بهذا المعنى، لا يقدّم النص مجرد تحليل لحروب بعينها، بل يقدّم نموذجًا تفسيريًا عامًا يمكن تطبيقه على أنماط متعددة من الصراعات المعاصرة، وهو ما يمنح هذا الاشتغال أهميته النظرية، لأنه ينقل النقاش من مستوى الوقائع إلى مستوى البنى التي تنتجها.
وانطلاقًا من هذا الطرح ذاته، يبرز سؤال يتجاوز حدوده دون أن ينفيها: إذا كان “الفخّ المركّب” يفسّر كيف تعمل الحروب بوصفها أنظمة تعيد إنتاج نفسها وتفشل في الحسم، فهل يكمن هذا العجز في بنية الصراع ذاته، أم في الإطار الأوسع الذي يحتويه؟
بمعنى آخر، هل نحن أمام حروب عالقة داخل فخاخها، أم أمام عالم لم يعد يمتلك الشروط البنيوية التي تسمح بإنتاج حسم أصلاً؟
في هذا المستوى، يمكن النظر إلى أبعاد الفخّ المختلفة—من تداخل الأزمات، إلى تحوّل وظيفة القوة، إلى قابلية احتواء الفعل—ليس فقط كخصائص للصراع، بل كمؤشرات على تحوّل أعمق في طبيعة النظام العالمي ذاته. تحوّل من نظام كان، رغم اختلالاته، قادرًا على إنتاج لحظات حسم، إلى فضاء أكثر سيولة، تُدار فيه الأزمات بدل أن تُحل، وتُستخدم فيه القوة لضبط الإيقاع لا لإنهائه.
وهنا تتضح القيمة الأعمق لهذا الطرح: أنه لا يقدّم فقط تفسيرًا لآلية اشتغال الحروب، بل يفتح—بشكل ضمني—أفقًا للتساؤل حول الشروط التي تجعل هذا الاشتغال ممكنًا. أي أنه لا يكتفي بتفكيك الفخاخ، بل يدفعنا إلى التفكير في البيئة التي تنتجها وتعيد إنتاجها.
بهذا المعنى، لا يكون “الفخّ المركّب” نهاية التحليل، بل بدايته:
نقطة انطلاق نحو سؤال أكثر جذرية—
ليس كيف تعمل الحروب داخل هذا العالم،
بل أي عالم هذا الذي لم تعد فيه الحروب قادرة على أن تنتهي.
مقال الدكتورة غانية ملحيس:
28مارس 2026
إلى الدكتوره غانية ملحيس ، شريكة الفكر والمعنى في هذا الاشتباك المعرفي المتواصل،
يستحق هذا الجهد المتراكم، الدقيق والمثابر، وقفة تقدير حقيقية. فما يُكتب هنا لا يبدو مجرد تحليل لوقائع متحركة، بل عمل فكري صبور يسعى إلى تفكيك البنى العميقة التي تختبئ خلفها، وإعادة بناء أدوات الفهم في لحظة يزداد فيها العالم تعقيدًا والتباسًا.
هذا النوع من الاشتغال لا يُنتج نصوصًا عابرة، بل يفتح مسارات للتفكير، ويؤسس لحوار يتجاوز اللحظة نحو أفق أوسع، يكون فيه السؤال أكثر أهمية من الإجابة، والفهم أعمق من التفسير.
يقدّم نص الدكتورة غانية حول “الفخّ المركّب” واحدًا من أكثر المحاولات تماسكًا في تفكيك بنية الحروب المعاصرة، ليس بوصفها أحداثًا عسكرية أو أزمات سياسية، بل بوصفها أنظمة اشتغال معقّدة تعيد إنتاج نفسها عبر تداخل مستويات متعددة: الأخلاقي، الزمني، الطاقوي، الخطابي، الإدراكي، والبنيوي. ما يميّز هذا الطرح أنه لا يكتفي بتجميع هذه الأبعاد، بل يكشف ترابطها الداخلي، بحيث لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الآخر، وهو ما يمنح مفهوم “الفخّ المركّب” قوة تفسيرية تتجاوز الوصف إلى مستوى التأطير النظري.
في الفخّ الأخلاقي، تُظهر الكاتبة كيف تتحول القيم من معيار لضبط الحرب إلى محرّك لتوسيعها، بحيث يصبح رفع السقف الأخلاقي ذاته سببًا في استحالة تحقيقه. هنا لا تعود الأخلاق قيدًا على العنف، بل شرطًا لتصعيده، في مفارقة تعكس انزياحًا عميقًا في وظيفة القيم داخل الصراع. وفي الفخّ الزمني، يتم تفكيك العلاقة المأزومة بين القرار والوقت، حيث لا يعود الزمن موردًا يمكن توظيفه، بل يتحول إلى قيد يكشف حدود الفعل، ويحوّل كل خيار إلى كلفة، سواء تم اتخاذه أو تأجيله. أما الفخّ الطاقوي، فيفتح على مستوى آخر من التحليل، حيث تتحول الطاقة من مورد داعم إلى نقطة اختناق بنيوية قادرة على تعطيل النظام العالمي بأكمله، بما يجعل التأثير الاقتصادي يتجاوز الفعل العسكري ذاته.
وفي الفخّ الخطابي، تنتقل اللغة من كونها أداة وصف إلى كونها ساحة اشتباك قائمة بذاتها، تُعاد فيها صياغة المعنى، وتُنتج من خلالها الشرعية، بل وتُعاد عبرها تعريف مواقع الفاعلين أنفسهم. أما الفخّ الإدراكي، فيكشف بعدًا بالغ الخطورة، يتمثل في انخراط النخب في تصديق خطابها الخاص، بما يخلق دائرة مغلقة من التقدير الخاطئ، ويحوّل الخطاب من أداة قوة إلى مصدر خلل استراتيجي. وأخيرًا، يأتي الفخّ البنيوي ليجمع هذه المستويات كلها، موضحًا أن تكرار الحروب ليس نتيجة فشل عرضي، بل تعبير عن بنية تعيد إنتاج نفسها عبر كل محاولة للخروج منها.
بهذا المعنى، لا يقدّم النص مجرد تحليل لحروب بعينها، بل يقدّم نموذجًا تفسيريًا عامًا يمكن تطبيقه على أنماط متعددة من الصراعات المعاصرة، وهو ما يمنح هذا الاشتغال أهميته النظرية، لأنه ينقل النقاش من مستوى الوقائع إلى مستوى البنى التي تنتجها.
وانطلاقًا من هذا الطرح ذاته، يبرز سؤال يتجاوز حدوده دون أن ينفيها: إذا كان “الفخّ المركّب” يفسّر كيف تعمل الحروب بوصفها أنظمة تعيد إنتاج نفسها وتفشل في الحسم، فهل يكمن هذا العجز في بنية الصراع ذاته، أم في الإطار الأوسع الذي يحتويه؟
بمعنى آخر، هل نحن أمام حروب عالقة داخل فخاخها، أم أمام عالم لم يعد يمتلك الشروط البنيوية التي تسمح بإنتاج حسم أصلاً؟
في هذا المستوى، يمكن النظر إلى أبعاد الفخّ المختلفة—من تداخل الأزمات، إلى تحوّل وظيفة القوة، إلى قابلية احتواء الفعل—ليس فقط كخصائص للصراع، بل كمؤشرات على تحوّل أعمق في طبيعة النظام العالمي ذاته. تحوّل من نظام كان، رغم اختلالاته، قادرًا على إنتاج لحظات حسم، إلى فضاء أكثر سيولة، تُدار فيه الأزمات بدل أن تُحل، وتُستخدم فيه القوة لضبط الإيقاع لا لإنهائه.
وهنا تتضح القيمة الأعمق لهذا الطرح: أنه لا يقدّم فقط تفسيرًا لآلية اشتغال الحروب، بل يفتح—بشكل ضمني—أفقًا للتساؤل حول الشروط التي تجعل هذا الاشتغال ممكنًا. أي أنه لا يكتفي بتفكيك الفخاخ، بل يدفعنا إلى التفكير في البيئة التي تنتجها وتعيد إنتاجها.
بهذا المعنى، لا يكون “الفخّ المركّب” نهاية التحليل، بل بدايته:
نقطة انطلاق نحو سؤال أكثر جذرية—
ليس كيف تعمل الحروب داخل هذا العالم،
بل أي عالم هذا الذي لم تعد فيه الحروب قادرة على أن تنتهي.
د. غانية ملحيس - الفخّ المركّب: الحروب الحديثة كأنظمة متشابكة. لماذا تفشل في الحسم؟
غانية ملحيس 27/3/2026 ملخص تنفيذي: تُظهر الحروب الحديثة المعاصرة في منطقتنا "الشرق والأوسط" وفي أماكن أخرى، أن الصراعات لم تعد مجرد مواجهات عسكرية أو أزمات محدودة، بل أصبحت أنظمة متشابكة من الفخاخ، حيث تتفاعل العوامل العسكرية والسياسية...
alantologia.com