د. أحمد الحطاب - لم يشبعوا من ظُلمِ الناس

ماذا أعني بعنوان هذه المقالة؟ قبل الجواب على هذا السؤال، دعوني أسَلَّطُ شيئا من التوضيح على مفهوم "الظلم". لُغوِياً واصطلاحيا، "الظلم" هو "وضعُ الشيء في غير محلِّه (موضعه)"، أو بعبارة أخرى، عدم احترام الحقوق والمبادئ الاخلاقية. وحين يُوضَع الشيءُ في غير محلِّه الطبيعي، أي المكان الذي اعتاد الناسُ على رؤية الشيء فيه، أو بعبارة أخرى، اعتادوا أن يروا هذا الشيءَ في نفس المكان. بل اعتادوا على تنظيم حياتهم الاجتماعية انطلاقاً من رؤية هذا الشيء، دائما، في نفس المكان. بل جعلوا من وجود هذا الشيء، دائماً، في نفس المكان، قاعِدةً من قواعد هذا التنظيم. فما الذي يحدث عندما "يُوضع الشيءُ في غير محلِّه الطبيعي"؟

ما يحدث هو تجاوزُ الأعراف وقواعد التنظيم الاجتماعي. وهذا مثلٌ حيٌّ لوضع الشيء في غير محلِّه الطبيعي.

فإذا كان الشيءُ ماديا، فحين يضع مُتظاهرون حواجزَ des obstacles لمنع السَّير la circulation والتنقُّل le déplacement في الطرق والشوارع والأزقة العمومية، فوضع الحواجز في هذه المسالك، يُعدُّ مخالِفا لما اعتاد الناسُ عليه من تنظيمٍ، أي التنقُّل، بحرية، في هذه الطرق والشوارع والأزقة. اعتاد الناسُ على أن يروا هذه الطرق سالِكة، أي خالِية من الحواجز.

وإذا كان الشيءُ معنوِياً، فمَنع الناس من التظاهر للتَّعبير عن غضبِهم وعن استيائهم، مخالفٌ لما اعتاد عليه الناسُ من حقوقٍ يضمنها الدستورُ والقانونُ.

فبماذا نُسمِّي هذه التَّجاوزات المتمثِّلة في إقامة الحواجز ومنع التظاهر؟ هذا هو "الظلم" l'injustice بعينه.

والآن، سأُجيبُ عن السؤال الذي طرحتُه في بداية هذه المقالة، أي "ماذا أعني بعنوان هذه المقالة؟ أعني به أن حكَّامَ الجارة الجزائر، مدنيون وعسكريون، مهما بلغ حجمُ عدائهم للمغرب، لم نسمع، في يومٍ من الأيام، أن هذا الحجمَ أشبعَهم، فكفُّوا وتوقَّفوا عن هذا العداء. بل كل يوم يمرُّ والعداءُ يزداد حجماً واتِّساعاً.

يكفي الأنصاتُ لنشرة أخبار الثامنة مساءً، في التلفزيون الرسمي الجزائري، للإطلاع على هذا الحجم. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا، هنا، هو : "كيف يطبِّق حكَّامُ الجزائر عداءَهم (ظلمَهم) للمغرب، على أرض الواقع؟ وهل لهذا الظلم انعكاسات سلبية بالنسبة للمغاربة والجزائريين؟

علماً أن الظلمَ نوعٌ من الجورِ l'abus de pouvoir وتجاوزٌ للحدود المادية والأخلاقية un dépassement des limites matérielles et morales، وفي نفس الوقت، إنه انتقالٌ من دائرة الحق le droit إلى دائرة الباطل la fausseté. كما إن الظلمَ انتهاكٌ لحقوق الآخرين une violation des droits d'autrui وإساءة المعاملة une maltraitance…

والظلمُ، كما هو متعارفٌ عليه، أنواعٌ ثلاثةٌ : النوع الأول هو ظلم العباد لله، سبحانه وتعالى، من خلال الشرك le polythéisme، مصداقا لقولِه في الآية رقم 13 من سورة لقمان : "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ". والنوع الثاني، هو ظلمُ الإنسان لأخيه الإنسان وظلم الإنسان لنفسه بارتكاب الذنوب والمعاصي. أما النوع الثالث، فهو ظلمُ الكَّام لشعوبهم.بالنسبة لهذه المقالة، سأركِّز على النوع الثالث، لأُجيبَ على السؤالين اللذَين طرحتُهما أعلاه، أي "كيف يطبِّق حكَّامُ الجزائر عداءَهم (ظلمَهم) للمغرب، على أرض الواقع"؟ وهل لهذا الظلم انعكاسات سلبية بالنسبة للمغاربة والجزائريين؟

بالنسبة للسؤال الأول، أي "كيف يطبِّق حكَّامُ الجزائر عداءَهم (ظلمَهم) للمغرب، على أرض الواقع"؟

لا اختيارَ لحكَّام الجزائر إلا اللجوء للاستبداد la tyrannie والقمع l'oppression والتلاعب بالقانون وإلهَاء الشعب عن قضاياه الأساسية المتعلِّقة بكرامة العيش.

بالنسبة للجوء للاستبداد والقمع، ما يُلاحظ هو وجود تفاوتاتٌ des décalages أو عدم التوازن في مُمارسة السلطة، مما يُحدث اختلالات بنيوية تجعل من السياسة الحكومية سياسةً تبايُنية في معاملة أفراد الشعب. وهو ما يتسبَّب في فرضِ سيطرة على العقول وحرمان الناس من أبسط حقوقِهم.

بالنسبة للتلاعُب بالقانون، أخص بالذكر المادة 87 من قانون العقوبات، وهي المادة المتعلقة بالإرهاب حيث يُعدُّ كل عملٍ تخريبي أو عمل يمس تماسُكَ المُجتمع، أو عمل يناهض إرادةَ الحكام، إرهاباً يُعاقَب بالسجن وأداء غرامات مهمة.

بالنسبة لإلهاء الشعب عن قضاياه الأساسية المتعلقة بكرامة العيش، أحسن إلهاءٍ، هو اختراع مشكل الصحراء الغربية (المغربية) الذي يظن عامة الناس أنه مشكلٌ وطني يدخل فيما يسمِّيه حكَّامُ الجزائر في "الدفاع عن الشعوب المستضعفَة وحقِّها في تقرير مصيرها"

وبالنسبة للسؤال الثاني، أي "وهل لهذا الظلم انعكاسات سلبية بالنسبة للمغاربة والجزائريين"؟

بالنسبة للمغاربة، هناك شريحة عريضة من الشعب المغربي، بما في ذلك ملِك البلاد والحكومة لا يُعيرون أي اهتمامٍ لادِّعادات حكام الجزائر. لماذا؟ لأن هذه الشريحة تعرف، مسبقا، أن هؤلاء الحكام يكذبون ويقولون عن المغرب ما يكذِّبه الواقعُ اليومي للمواطنين المغاربة، مطبِّقين المقولةَ الشهيرة "ليس الخبرُ كَتْحَنْزٍيزْ".

والدليل على ذلك أن المواطنين الجزائريين الذين زاروا المغربَ لمشاهدة مباريات كرة القدم، في إطارِ كأس أفريقيا للأمم الذي نظَّمه المغربُ نهايةَ سنة 2025 وبدايةَ سنة 2026، كذَّبوا ماتنشره وسائل الإعلام الرسمية، ورأوا بأمِّ أعينِهم التقدُّم الحاصل في مسيرة البلاد.

أما المواطنون الجزائريون، فحدِّث ولا حرج. إنهم، من جراء الدِّعاية التي تنشرها وسائل الإعلام الرسمية والتي الهدف منها، هو إلهاءُ المواطنين الجزائريين ومنعهم من الانشغال بقضايا تهمَّ حياتَهم اليومية، أي حِرمانُهم من التفكير فيما لهم من حقوق مادية ومعنوية، وخصوصا، تلك التي تضمن كرامةَ العيش.

الحقوق المادية تعبِّر عنها الطوابير اللامتناهية للحصول على أبسط مُستلزمات العيش كالحليب والدقيق والزيت والعدس… وحتى الماء الصالِح للشرب الذي قد يغيب عن الصَّنابير les robinets مدَّةً طويلةً.

ناهيك عن المحروقات التي، من المفروض، أن لا تكون نادرة في بلد يعدُّ من أوائل مُنتجي النفط. وبصفة عامة، الأسواق الجزائرية مطبوعةٌ بالنَّقص أو بالندرة فيما يخص المواد الغذائية الأساسية les denrées alimentaires de base.

وحتى إن توفرت هذه المواد، فغلائها يُشعِل النارَ في الجيوب. ونارُ الجيوب سببُها الغلاء. والغلاء سببُه التَّضخم الذي يعاني منه الدينار الجزائري، إذ يجب توفيرُ ما لا يقلُّ عن 130 دينار جزائري لشراء كيلوغرام واحد من البطاطس، علماً أن هذا القدرَ من المال الجزائري يُساوي أقل من أورو واحِد un euro. وهذا يعني أن العُملة الجزائرية أصابها تضخُّمٌ رهيبٌ.

وفي نهاية المطاف، السياسة التي ينهجُها حكَّام الجزائر تسعى، أولاً وقبل كل شيءٍ. للتَّلاعب بإرادة الشعب la manipulation de la volonté populaire. فما هي ركائز هذه السياسة؟ هذه الركائز يمكن تلخيصُها في النقط التالية :

1.اللجوء إلى نظرية المؤامرة، أي أن البلادَ مُهدِّدة في أمنها واستقرارِها من طرف مُتآمرين أجانب. والتهديد الأول يأتي دائما من المغرب. علماً أن الهدف الأساسي من نظرية المؤامرة، هو تقويةُ سلطة الحكام الحاليين.

2.اللجوء إلى مراقبة الإعلام ونشر الأخبار الكاذبة. ونشر الأخبار الكاذبة جلها يأتي من المغرب.

3.اللجوء لسياسة الواجهة المدنية الديمقراطية، أي أن الحكَّام الفعليين للجزائر هم العسكر، وبالضبط، جِنِرالات العسكر. بمعنى أن كل القرارات، بجميع أشكالِها، تصدر عن العسكر الذي يحاكي الديمقراطية بواجهة مدنية مُمثَّلة في رئاسة الجمهورية المُنتَخَبة.

4.اللجوء إلى إعطاء الجزائر صبغةَ البلاد الثورية un pays révolutionnaire التي وصل شهدائها من أجل استقلال البلاد إلى مليون ونصف مليون شهيد.

5.اللجوء إلى التَّلاعُب بالقضايا القوية كالقومية الجزائرية التي قاومت الاستعمار والقضية الفلسطينية كواجهتين لدفع الشعب الجزائري إلى الالتفاف حول الحكَّام وتقوية قبضتِهم السلطوية.

6.التحكُّمُ في عائدات بيع المحروقات واستغلالُها لدعمِ بعض الحاجيات الاجتماعية، وبالتالي، تهدِئة غضب المجتمع الجزائري، ولو بثفةٍ مؤقَّتة، الذي تدنت قدرتُه الشرائية بسبب حكامة اقتصادية فاشلة une mauvaise gouvernance économique …

كل هذه المحاولات ليست إلا أسباب يستغلها العسكر و واجهتُه المدنية لضمان استمرار سلطة الطُّغمة الحاكِمة إلى أن يستيقظَ الشعب من غفلتِه أو من شبه غفلتِه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...