سعيد فرحاوي - أية ثقافة لمغرب جديد؟...

عن أية ثقافة نتكلم ؟.
الثقافة هي مجموع الأفكار والمعتقدات والقيم الراسخة في وجدان الأفراد والجماعات والطريقة التي بها يتم فهم العالم .هي كل الرهانات الواعية التي تشكل التصور أو الخطاب البديل القادر على تفكيك الرؤى المهيمنة ، التي تحترم كل الشروط الهامشية التي تمتلك القدرة على تقويضه ودحر السلطة القائمة.هي أسلوب لتغيير علاقات السلطة بالمجتمع .هي المجالات الخصبة التي تكشف عن كل ما هو كائن لإعادة بلورته وصياغته برؤية مغايرة ومختلفة ليخلق من جديد وفق الرؤية الجديدة التي قامت بتفكيكه.
والمثقف هو كل من يستغل ذكاءه وفكره في التفكير والإبداع ليساهم في التغيير ، لا أن يبقى مغردا خارج السرب ، ذاك الذي له من المعرفة ما تؤهله أن يفهم ذاته ويفهم العالم ، ويتميز بإلمامه بكل المتغيرات حتى يتمكن من التأثير في محيطه والانغماس في مجتمعه.
لهذا وجب أن تتوفر فيه الشروط التالية :
-يلزمه في البداية أن يفهم ذاته ، ومعرفة كل ما له علاقته بواقعه وبثقافات العالم التي تهم مجتمعه .
-أن يكون ملما بكل المعارف التي تخص الآخرين ويحتاجون إليها ، حتى يتمكن من التأثير فيهم والمساهمة في تغيير سلوكهم ، فيجعل منهم أطرافا فاعلة في مجتمعهم بشكل فاعل وهادف.
-أن يكون ملما بكل الأفكار الجمالية والروحية وبالنواحي الفكرية ، ليتمكن من إدراك محيطه.
تتأسس هذه الرؤية على تصور مغاير يبنى على مواجهة كل تقليد معرفي غربي ، اشتغل على تبخبيس كل ما هو محلي ذاتي مستقل.
لهذا لابد من الوقوف عند إشكاليتين محورتين ظلتا تشغلان المثقف العربي عامة والمغربي خاصة ، نحصرهما في :
-1- قضية مقاومة أشكال الهيمنة والاستبداد.
-2- قضية إمكانية المزاوجة بين موضوع الهوية العربية عامة والإسلامية خاصة كما يلزمه أن يكون قادرا على استيعاب أسس الفكر اللبرالي الذي يسمح بالحرية والديمقراطية والمساواة.
تشكل هذه المقاربة إطارا مرجعيا عاما نحدد من خلالها تصورنا للمثقف المغربي ومدى اسهاماته في الثقافة العربية والعالمية التي لا تكتمل إلا بالنظر إلىها من موقعه داخل بنية الخطاب الفكري أو الثقافي العربي والفكر العالمي ، كما تتحدد من خلال دوره في الكشف عن كل أشكال الاضطهاد والقهر ، ومقاومته لكل أشكال القمع ، سواء كانت سياسية أو حاكمة ، أو اجتماعية أو حزبية ، أو فكرية .
لهذا يلزم في المثقف التسلح بمجموع هذه القيم ، إلى جانب الاهتمام بموضوع التكوين المعرفي ، كشرط يلزمه الايمان بقوة البعد الإنساني والبعد الهيومانستي الذي يؤمن ويرى فاعلية الإنسان في التاريخ .لهذا فالمثقف النهضوي الرؤيوي الواعي بذاته وبمجتمعه وبحقيقته الإنسانية تجعل منه رياديا في الإجابة عن عدة أسئلة منها :
-هل يمكن لأي هوية ثقافية تابعة أن تنجز رسائلها المنشودة في ظل فداحة واقع منهار وغير مؤسس على قواعد سليمة ؟.
وظيفته في سياقات قمعية لا تحترم الشرط الإنساني النبيل؟
نعني بالقمعي ، كل سلوك معتمد بصياغات مختلفة ، سواء كانت مادية أو رمزية:
* نعني بالمادي : عدم احترام إرادة الشعوب بقمع صوتها المسموع أم المخفي.
* نعني بالرمزي إتباع سياسات لا تعتمد على شروط نابعة من سلطة الشعب ومن خياراته ، مما تلزمه الخضوع لها رغم أنها تشكل خيارات مفروضة خارج إرادته.
- ما وظيفة المثقف في سياق يتحكم فيه التهجين الثقافي؟
دور المثقف الحقيقي تمثلها السعي الدائم لكسر كل القوالب الجاهزة التي تقف في طريق التفكير الحر المنفتح على كل الثقافات المختلفة في تعددها و ثرائها.
إن الاشتغال على البعد الثقافي سيفيدنا في الاهتمام ب تحديد العديد من المفاهيم التي لها صلة بالفكر الحديث ، من قبيل مفهوم الديمقراطية والمواطنة والدولة والسلطة والسياسة.
تشكل هذه العناصر مقدمات مهمة تفيد في فهم الدور الثقافي وقيمته في العصر الحديث .و التي تشكل كل التمفصلات القادرة على الإجابة على عدة أسئلة محورية تخص إنسان الزمن المعاصر.
لهذا في غياب ثقافات تمتلك من المناعة السياسة مرجعية لتجاوز الايديولوجيات الفقيرة ، بصفتنا قوة ثقافية ننتمي إلى كتلة التغيير الفاعل ، وبإيماننا أننا جزء من أزمة مركبة في منظومة المثقف اليساري ، في عالم تغيرت فيه المفاهيم والتصورات ليحل كبديل ما يسمى بمثقف العولمة أو المثقف الكوكبي ، وبشكل أكثر دقة المثقف الكوني ، أصبح الموضوع الشاغل والملح في مشروعنا السياسي والإيديولوجي هو إعادة الصياغات ، من زاوية نظر تقرأ العالم وتقرأ المحيط الذي نشكل نحن جزء منه ، لننخرط بسلالة بدون أن نؤدي الفاتورة غاليا، لهذه علينا تفكيك المنظومة الثقافية وفهمها وإعادة تركيبها بالصورة التي تتجاوب وطبيعة كل التحولات القطرية والدولية ، برؤية جديدة تعيد الفهم في تحليل طبيعة النضال الثقافي ، حتى لا نخرج من التاريخ بخسارة لا ينفع الكلام فيها ، بعد فوات الأوان.
لهذا وجب حيوات ثقافية جديدة تشتغل بعيدا عن رؤية مرحلة التحرر الوطني ، بالاستفادة منها طبعا ، بدون الانكماش فيها بقدسية تبعدنا عن ذواتنا الحداثية .
نسجل وبكل اعتزاز أن المبادرة التي تسهم في عمق ( ثقافة لكل البشر المدعمين للحقوق المشروعة) ، التي سجلت تحديا ديناميا جديدا ، والتي تدخل في مجال رؤية الانسان الواعي بحلم الانفتاح الشامل والمدروس على كل القوى ، بغية تجاوز فكرة الاستقطاب والاشتغال على منطق الاستثمار لكل الطاقات الشبابية والنسائية والكفاءات ، من أجل إحداث تحول نوعي في منهجية العمل التنظيمي ، والانخراط الكلي في نسيج المجتمع وتغيير كل الأساليب القديمة المعتمدة سابقا في مجال التنسيق والتواصل ، كل ذلك بهدف دعم الهوية الانسانية للاانخراط في كل التحديات الراهنة ، سعيا نحو ديموقراطية حقيقة ومواطنة فاعلة.
إن المرامي الثقافية للمثقف في مجال الاستثمار الثقافي نحصرها في الأهداف التالية :
-1- الانخراط في المجتمع ، بهدف تأسيس بوابات جديد لتنسيق وتواصل فعال في مجتمع حداثي جد متطور.
-2- تأسيس رؤية مغايرة تتجاوب مع رؤية متغيرة ، تساير كل التحولات الراهنة.-3 الانفتاح الكليعلى كل الشرائح الفاعلة ، شبابية ، نسائية وكفاءات فاعلة في مجتمع متحول.
-4- تعبئة الطاقات والكفاءات الجديدة وابتكار الحلول واقتراح البدائل.
5-الاشتغال على صيغ استراتيجية واضحة ثائرة على العقل الدوغمائي وعلى الجمود التنظيمي.
-6- تحديث بنية جديدة وتجديد أساليب الحوار والتواصل ، بجعل المسألة الثقافية استرتيجية جديدة لكل الرهانات الحالية.
-7- الاشتغال على ثقافة تسهم في إغناء الهوية الثقافية وتصحيح طريق تجسيدها في الواقع ، لتجاوز فكر الارتداد والمحافظة وكل الرؤى الجامدة التي تؤدي إلى الانغلاق والموت.
-8-من أجل ثقافة تسهم في الإصلاح ورسم خطوط المستقبل ، بشروط واضحة تحترم مقومات إنسان سوي(تقدمي/ يساري/اجتماعي/ ديموقراطي ).
-9- ثقافة تسهم في الإصلاح والانخراط في التغيير ونهج أسلوب التطوير والتحديث والانخراط في المستقبل.
-10- رؤية تؤمن بثقافة ذات قوة فاعلة وأكثر انفتاحا وتأهلا للمساهمة بفعالية في إنجاز كل الورشات الوطنية ، خاصة منها الفكرية كبوابة فاعلة في مجتمع حداثي جديد.
11- ثقافة نابعة من جذور انسانية وقيم الديموقراطية الحداثية ، مما يلزم طريقة جديدة في التفكير بمناهج جديدة في التنظيم بشكل عام والثقافي بشكل خاص.
12- ثقافة تؤمن بالإنصات لكل القوى الثقافية والتضامن معهم ، بفكر يسهم في تواجد دائم في كل المحن والمسرات.
-13-ثقافة تتطلب القطع مع كل أساليب التوظيف السيئ مع الماضي ، برؤية تنهج رؤية النقد الذاتي بكل صرامة وموضوعية، من أجل قتل الذات وتجاوزها.
14- ثقافة ذات جذور تستمد قوتها من شرعية تاريخية ونضالية حقيقية ، لهذا فالرؤية السليمة لتصور ثقافي حداثي ، في عالم ليس ملكا لأحد ، بصفته أرض اههج، ستشكل أرضية ومقارنة سليمة لإنسان يتحرك نحو الأمام ،مدافعا عن الاستراتيجيات المطلوبة التي تحركها الفكرة القائمة على الحلم ، الرؤية الساعية نحو التوجه ، ليتحول الدور الثقافي إيجابيا بمقاييس تحكمها ثنائية : الفكر والممارسة.
15- الهدف يقود نحو ثقافة تهدف للتنمية والتطور ، حتى لا يحكم علينا بالفناء والموت الغاية دائما زرع دماء جديدة لتغيير حقيقي.
لكل هذه الأسباب نسعى إلى غايات سامية من وراء تصور ثقافي تنويري فعال ومندمج في نسيج المجتمع ، ينخرط في بناء تصور ثقافي ديموقراطي يؤمن بالحيوية ويحترم الشروط والخطوط المركزية لتنظيم إنسان صحيح ، من أجل تجاوز ونقد كل ثقافة نابعة من عقليات النكوص والمحافظة، وتجديد الفكر في راهن الثقافة يحترم التطورات الرقمية المتسارعة ، في مجتمع دولي يتميز بعلاقات متشابكة.
نسعى لثقافة وطنية تشكل واجهة حقيقية لترسيخ قيم الحرية والديموقراطية والعقلانية الحديثة. كل ذلك لبناء دولة مؤسساتية تعتمد على عقليات التغيير تحترم شروط التحول وتساير متغيرات العصر.لهذا نسعى الى نهج خاص لثقافة تحترم الفعل الذي يساير تصورات الضمائر الحية المالكة للفكر النقدي القادرة على التعبير وبكل جرأة على أزمة الذات مع طرح بدائل الأمل المنشود،.


---------------------------
* ورقة من إنجاز : سعيد فرحاوي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...