دراسة طه حسين في السوربون وتتلمذه على يد ليفي بريل وصدمة المنهج…
لم يكن مطلع القرن العشرين مجرد حقبة زمنية عابرة في تاريخ الأمة العربية، بل كان "مخاضًا فكريًا" عسيرًا، اصطدمت فيه أصالة الموروث بزخم الحداثة الوافدة من وراء البحار. وفي قلب هذا الصراع، وقف الدكتور طه حسين، ليس كمجرد ناقد، بل كـ "معولٍ" منهجيٍ أراد هدم أبنية التقليد ليرسي قواعد العقلانية. إن قصة الاحتكاك بالغرب في فكر العميد هي قصة استيراد "المشرط" الجراحي لتشريح جسد التراث العربي.
تلمذةٌ في السوربون على يد ليفي بريل
لم يأتِ فكر طه حسين من فراغ، بل صُقل في أتون المدرسة الفرنسية الصارمة. وهناك، التقت بصيرته بالفيلسوف وعالم الاجتماع البروفيسور اليهودي لوسيان ليفي بريل.
تعلم طه حسين من "ليفي بريل" كيف يقرأ المجتمعات غير الغربية قراءةً أنثروبولوجية. فما كان يراه التقليديون "أسرارًا" أو "حقائق مطلقة"، صار في نظر التلميذ "ظواهر اجتماعية" خاضعة للدراسة والتحليل.
استقى طه حسين من أطروحات أستاذه حول "العقلية البدائية" القدرة على تفكيك الروابط النفسية والطقوس، مطبقًا أدوات "أوغست كونت" و"إميل دوركايم" في سبر أغوار الوجدان العربي القديم، متجردًا من الانحياز العاطفي الذي غلف الدراسات الأدبية لقرون.
إذا كان "ليفي بريل" قد منح طه حسين الرؤية، فإن رينيه ديكارت قد منحه السلاح. لقد وجد في كتاب "مقال عن المنهج" ضالته المنشودة لإحداث ثورةٍ في المعرفة الأدبية.
تبنى العميد "الأنا المفكرة" أو كوجيتو البحث العلمي لتكون المرجع الأعلى؛ فالعقل لا يقبل إلا ما هو بديهي وواضح.
صار "الشك المنهجي" هو الميزان؛ فلكي نصل إلى "اليقين"، لا بد من هدم المسلمات والمرور عبر نفق الشك في كل موروث لم يصمد أمام قواعد التحليل والمراجعة. لقد نقل طه حسين الفلسفة الديكارتية من التجريد الرياضي إلى النقد الأدبي والتاريخي.
في عام 1926، انفجر البركان. أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي"، مطبقًا فيه حرفيًا وصايا ديكارت ودروس ليفي بريل، ليخرج بنتائج هزت أركان الثقافة العربية؛ حيث جهر طه حسين بأن ما وصل إلينا من شعر جاهلي ليس إلا "صناعة" متأخرة، نُحلت ونُسبت لزمن ما قبل الإسلام لخدمة أغراض دينية، وسياسية، وقبلية في العصر الأموي والعباسي.
وفي خطوة جريئة، دعا إلى طرح الشعر الجاهلي جانبًا عند دراسة تاريخ العرب القديم، واعتبار القرآن الكريم الوثيقة التاريخية الأصدق والأدق التي تصور بيئة الجزيرة العربية وحياتها الاقتصادية والدينية.
طالب الباحث بأن ينسلخ من ذاتيته وعواطفه القومية والدينية ليكون "عالمًا" محضًا، وهي دعوة رآها الكثيرون "تغريبًا" يغفل خصوصية الهوية.
ومن ضمن ما ورد في كتابه فن الشعر الجاهلي:
-- عجز هذا الشعر عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين، فهو يُظهر حياة غامضة جافة بريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على الحياة العامة. فيطرح السؤال : كيف لقبائل عربية ضحت وحاربت من أجل دينها لا تظهر هذه الحياة الدينية في شعرها ؟
-- اذ كان هذا الشعر ينتمي الى قبائل متفرقة (القحطانيين-اليمن-، العدنانيين-الحجاز)، والنقوش والنصوص أثبتت أن هناك هناك فرقا جوهريا بين لغة القحطانيين والحجازيين، اذا من المفروض أن يظهر أختلاف في لغة شعر هذه القبائل لكن لانرى شيئا في الشعر الجاهلي. فهاهو القرآن الذي أتى بلغة واحدة وهي لغة قريش ولهجتها، مالم يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا. فيطرح طه السؤال :اذا كيف استقامت أوزان الشعر الجاهلي وبحوره وقوافيه ولغته لقبائل العرب كلها على الرغم من تباين لغاتها ولهجاتها ؟ مثلا أمرؤ القيس قحطاني -يمني حسب الرواة- وشعره قُرشي اللغة، لافرق بينه وبين القرآن في لفظه واعرابه وما يتصل ذلك من قواعد اللغة. فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز ؟ بل في لغة قريش ؟
-- أن أخبار الشعراء الجاهليين و أشعارهم لم تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة، وإنما وصلت إلينا من هذه الطرق التى تصل منها القصص والأساطير: الراوية والأحاديث، الفكاهة واللعب، التكلف والانتحال. إذا لا يمكن أن نطمئن أن أخبارهم و أشعارهم صحيحة.
من هذه الملاحظات أستنتج أن:
-- لا يُمكن التسليم بصحة هذا الشعر لأنه لا يُمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين.
-- أن هذا الشعر الذي يُسمونه الجاهلي لا يُمثل اللغة الجاهلية، وبعيد كل البعد عن أن يُمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه. وما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا ، لا يُمثل شيئا ، ولايدل على شيئ ولاينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصور الأدبية الصحيحة لهذا العصر.
-- أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت أهم الأسباب التى حملت العرب على وضع الشعر وإضافته إلى الجاهليين . فلما استقر الحكم لبني أمية عادت العرب إلى ما كانوا فيه قبل الإسلام من التفاخر والعصبية، فتعصبت قريش على الأنصار، والعدنانية على القحطانية...إلى آخره.. لقد كان مٌلك بني أمية بحاجة إلى الشعر لكي يُقدمه وقودا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرت من الشعر ونحلتها شعراءها القدماء.
-- الشعر الجاهلي ما هو الا من صُنع النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين.
-- لقد ضاع الشعر الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها وإنما كانت ترويه حفظا، وأتت الحروب وقضت على الكثير من الرواة والحفاظ.
-- فهناك من شعراء الجاهلية من ليس لهم وجود تماما واختُرعوا من قبل الرواة…
لم يكن المجتمع الثقافي آنذاك ليقف صامتًا أمام هذا الهجوم الكاسح. اشتعلت واحدة من أشرس المعارك الأدبية في العصر الحديث: انبرى عمالقة كـ "مصطفى صادق الرافعي" و"محمود محمد شاكر" للرد، معتبرين أن منهج طه حسين ليس بحثًا علميًا، بل هو "معول هدم" يستهدف النيل من قداسة اللغة والتراث بسبب تأثره بالأفكار الغربية.
ولم يتوقف الأمر عند السجال الأدبي، بل وصل إلى ردهات المحاكم بتهمة المساس بالثوابت الدينية. إلا أن القضاء المصري سجل صفحة ناصعة ببرائته، مؤكداً أن البحث العلمي حر ما دام لم يثبت فيه قصد الإساءة العمدية.
وتحت ضغط العاصفة، اضطر العميد لحذف بعض الفقرات الصادمة، ليعيد نشر الكتاب بعنوانه الجديد "في الأدب الجاهلي"، كنوع من الهدنة الثقافية.
إن أثر الاحتكاك بالغرب، كما تجلى في رحلة طه حسين مع ليفي بريل وديكارت، لم يكن مجرد استنساخ للأفكار، بل كان "صدمة حضارية" أعادت إحياء العقل العربي. وبالرغم من كل التحفظات على استنتاجاته، يبقى طه حسين الرجل الذي تجرأ على طرح السؤال الصعب، ودفع بالأدب العربي من دائرة "الرواية والتسليم" إلى فضاء "النقد والتفكير"، فاتحاً الباب على مصراعيه أمام حداثة لا تهاب المساءلة بعيدًا عن نظرية المؤامرة أو الترتيب المسبق لهدم ثوابت الدين والهوية الوطنية.
لم يكن مطلع القرن العشرين مجرد حقبة زمنية عابرة في تاريخ الأمة العربية، بل كان "مخاضًا فكريًا" عسيرًا، اصطدمت فيه أصالة الموروث بزخم الحداثة الوافدة من وراء البحار. وفي قلب هذا الصراع، وقف الدكتور طه حسين، ليس كمجرد ناقد، بل كـ "معولٍ" منهجيٍ أراد هدم أبنية التقليد ليرسي قواعد العقلانية. إن قصة الاحتكاك بالغرب في فكر العميد هي قصة استيراد "المشرط" الجراحي لتشريح جسد التراث العربي.
تلمذةٌ في السوربون على يد ليفي بريل
لم يأتِ فكر طه حسين من فراغ، بل صُقل في أتون المدرسة الفرنسية الصارمة. وهناك، التقت بصيرته بالفيلسوف وعالم الاجتماع البروفيسور اليهودي لوسيان ليفي بريل.
تعلم طه حسين من "ليفي بريل" كيف يقرأ المجتمعات غير الغربية قراءةً أنثروبولوجية. فما كان يراه التقليديون "أسرارًا" أو "حقائق مطلقة"، صار في نظر التلميذ "ظواهر اجتماعية" خاضعة للدراسة والتحليل.
استقى طه حسين من أطروحات أستاذه حول "العقلية البدائية" القدرة على تفكيك الروابط النفسية والطقوس، مطبقًا أدوات "أوغست كونت" و"إميل دوركايم" في سبر أغوار الوجدان العربي القديم، متجردًا من الانحياز العاطفي الذي غلف الدراسات الأدبية لقرون.
إذا كان "ليفي بريل" قد منح طه حسين الرؤية، فإن رينيه ديكارت قد منحه السلاح. لقد وجد في كتاب "مقال عن المنهج" ضالته المنشودة لإحداث ثورةٍ في المعرفة الأدبية.
تبنى العميد "الأنا المفكرة" أو كوجيتو البحث العلمي لتكون المرجع الأعلى؛ فالعقل لا يقبل إلا ما هو بديهي وواضح.
صار "الشك المنهجي" هو الميزان؛ فلكي نصل إلى "اليقين"، لا بد من هدم المسلمات والمرور عبر نفق الشك في كل موروث لم يصمد أمام قواعد التحليل والمراجعة. لقد نقل طه حسين الفلسفة الديكارتية من التجريد الرياضي إلى النقد الأدبي والتاريخي.
في عام 1926، انفجر البركان. أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي"، مطبقًا فيه حرفيًا وصايا ديكارت ودروس ليفي بريل، ليخرج بنتائج هزت أركان الثقافة العربية؛ حيث جهر طه حسين بأن ما وصل إلينا من شعر جاهلي ليس إلا "صناعة" متأخرة، نُحلت ونُسبت لزمن ما قبل الإسلام لخدمة أغراض دينية، وسياسية، وقبلية في العصر الأموي والعباسي.
وفي خطوة جريئة، دعا إلى طرح الشعر الجاهلي جانبًا عند دراسة تاريخ العرب القديم، واعتبار القرآن الكريم الوثيقة التاريخية الأصدق والأدق التي تصور بيئة الجزيرة العربية وحياتها الاقتصادية والدينية.
طالب الباحث بأن ينسلخ من ذاتيته وعواطفه القومية والدينية ليكون "عالمًا" محضًا، وهي دعوة رآها الكثيرون "تغريبًا" يغفل خصوصية الهوية.
ومن ضمن ما ورد في كتابه فن الشعر الجاهلي:
-- عجز هذا الشعر عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين، فهو يُظهر حياة غامضة جافة بريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على الحياة العامة. فيطرح السؤال : كيف لقبائل عربية ضحت وحاربت من أجل دينها لا تظهر هذه الحياة الدينية في شعرها ؟
-- اذ كان هذا الشعر ينتمي الى قبائل متفرقة (القحطانيين-اليمن-، العدنانيين-الحجاز)، والنقوش والنصوص أثبتت أن هناك هناك فرقا جوهريا بين لغة القحطانيين والحجازيين، اذا من المفروض أن يظهر أختلاف في لغة شعر هذه القبائل لكن لانرى شيئا في الشعر الجاهلي. فهاهو القرآن الذي أتى بلغة واحدة وهي لغة قريش ولهجتها، مالم يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا. فيطرح طه السؤال :اذا كيف استقامت أوزان الشعر الجاهلي وبحوره وقوافيه ولغته لقبائل العرب كلها على الرغم من تباين لغاتها ولهجاتها ؟ مثلا أمرؤ القيس قحطاني -يمني حسب الرواة- وشعره قُرشي اللغة، لافرق بينه وبين القرآن في لفظه واعرابه وما يتصل ذلك من قواعد اللغة. فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز ؟ بل في لغة قريش ؟
-- أن أخبار الشعراء الجاهليين و أشعارهم لم تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة، وإنما وصلت إلينا من هذه الطرق التى تصل منها القصص والأساطير: الراوية والأحاديث، الفكاهة واللعب، التكلف والانتحال. إذا لا يمكن أن نطمئن أن أخبارهم و أشعارهم صحيحة.
من هذه الملاحظات أستنتج أن:
-- لا يُمكن التسليم بصحة هذا الشعر لأنه لا يُمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين.
-- أن هذا الشعر الذي يُسمونه الجاهلي لا يُمثل اللغة الجاهلية، وبعيد كل البعد عن أن يُمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه. وما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا ، لا يُمثل شيئا ، ولايدل على شيئ ولاينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصور الأدبية الصحيحة لهذا العصر.
-- أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت أهم الأسباب التى حملت العرب على وضع الشعر وإضافته إلى الجاهليين . فلما استقر الحكم لبني أمية عادت العرب إلى ما كانوا فيه قبل الإسلام من التفاخر والعصبية، فتعصبت قريش على الأنصار، والعدنانية على القحطانية...إلى آخره.. لقد كان مٌلك بني أمية بحاجة إلى الشعر لكي يُقدمه وقودا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرت من الشعر ونحلتها شعراءها القدماء.
-- الشعر الجاهلي ما هو الا من صُنع النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين.
-- لقد ضاع الشعر الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها وإنما كانت ترويه حفظا، وأتت الحروب وقضت على الكثير من الرواة والحفاظ.
-- فهناك من شعراء الجاهلية من ليس لهم وجود تماما واختُرعوا من قبل الرواة…
لم يكن المجتمع الثقافي آنذاك ليقف صامتًا أمام هذا الهجوم الكاسح. اشتعلت واحدة من أشرس المعارك الأدبية في العصر الحديث: انبرى عمالقة كـ "مصطفى صادق الرافعي" و"محمود محمد شاكر" للرد، معتبرين أن منهج طه حسين ليس بحثًا علميًا، بل هو "معول هدم" يستهدف النيل من قداسة اللغة والتراث بسبب تأثره بالأفكار الغربية.
ولم يتوقف الأمر عند السجال الأدبي، بل وصل إلى ردهات المحاكم بتهمة المساس بالثوابت الدينية. إلا أن القضاء المصري سجل صفحة ناصعة ببرائته، مؤكداً أن البحث العلمي حر ما دام لم يثبت فيه قصد الإساءة العمدية.
وتحت ضغط العاصفة، اضطر العميد لحذف بعض الفقرات الصادمة، ليعيد نشر الكتاب بعنوانه الجديد "في الأدب الجاهلي"، كنوع من الهدنة الثقافية.
إن أثر الاحتكاك بالغرب، كما تجلى في رحلة طه حسين مع ليفي بريل وديكارت، لم يكن مجرد استنساخ للأفكار، بل كان "صدمة حضارية" أعادت إحياء العقل العربي. وبالرغم من كل التحفظات على استنتاجاته، يبقى طه حسين الرجل الذي تجرأ على طرح السؤال الصعب، ودفع بالأدب العربي من دائرة "الرواية والتسليم" إلى فضاء "النقد والتفكير"، فاتحاً الباب على مصراعيه أمام حداثة لا تهاب المساءلة بعيدًا عن نظرية المؤامرة أو الترتيب المسبق لهدم ثوابت الدين والهوية الوطنية.