د. محمد الهادي الطاهري - قراءة في الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران

تُعدّ الحرب الدائرة اليوم، بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران وفصائل المقاومة الإسلامية في لبنان والعراق واليمن من جهة أخرى، من أخطر التحولات الجيوسياسية في القرن الحالي. ولفهم أبعادها الاستراتيجيًة والفكرية، يمكن التفكير فيها من الزوايا التالية:
1. عسكريا:
تقترب هذه الحرب من كونها حربا شاملة، وما يمنعها من أن تكون كذلك شرطان اثنان. إذ تقتضي الحرب الشاملة الإعلان عن التعبئة العامّة أوّلا وإشراك القوات البريّة لتحدث المواجهة على الأرض مباشرة ثانيا. ولئن أعلنت إيران، بعد نصف شهر من اندلاع الحرب، التعبئة العامّة وتسجيل أكثر من ثلاثة ملايين إيراني في قائمة المتطوّعين للدفاع عن أرضهم، فإنّ الطرف المقابل ما زال متردّدا في إعلان التعبئة العامة، وهذا ما يجعلها في الاصطلاح العسكري حربا هجينة متعددة المجالات تتجلّى بوضوح في الضربات الجوية والصاروخية الكثيفة، وفي الاستخدام المكثّف للطائرات المسيّرة وفي الهجمات السيبرانية، إضافة إلى كونها حربا بحرية بلغت أوجها في إغلاق مضيق هرمز وفي استهداف حاملات الطائرات الأمريكية العائمة في مياه الخليج وفي المحيط الهندي. وميزة هذا النوع من الحروب الهجينة المتعددة المجالات أنّها حرب تستدعي من أحد الطرفين تفوقا نوعيا في السلاح والمعدات، ومن الثاني قدرة فائقة على التحمّل. وهذا ما نلاحظه بوضوح، فالولايات المتحدة والكيان الصهيوني متفوّقان تكنولوجيا واستخباراتيا، وإيران والمقاومة متفوقان بما لديهما من كثافة صاروخية وانتشار جغرافي يمتد من إيران إلى العراق ولبنان وصولا إلى اليمن، وقدرة على الاستنزاف. لقد أراد العدوّ لهذه الحرب أن تكون حربا خاطفة معوّلا في ذلك على تفوقه التكنولوجي والاستخباراتي، ولكن إيران والمقاومة حوّلاها إلى حرب استنزاف بما لديهما من قدرة على التحمّل. وما يدعم هذا الاستنتاج تلك التقارير التي تقول إنّ العدوّ قد استهلك مخزونا ضخما من الذخائر في الأيام الأولى من الحرب وهو ما قد يؤثر في قدرته على الاستمرار وعلى خوض حرب استنزاف طويلة الأمد بعد أن هيّأ نفسه لحرب خاطفة. يضاف إلى ذلك أن لإيران والمقاومة سلاح استراتيجي حقيقي يتمثل في ما يسمّى الانتشار الشبكي، فإيران لا تقاتل وحدها بل تقف معها المقاومة الإسلامية في لبنان وأنصار الله في اليمن وفصائل عراقية كثيرة. قد يذهب البعض إلى تسمية هذه الحرب حربا بالوكالة مستدلا على ذلك بانخراط حرب الله وأنصار الله والمقاومة العراقية فيها، ولكنّ الحرب بالوكالة تقتضي أن يكون الوكيل هو المحارب بدلا من موكّله، وهذا يسقط، فإيران هي التي تحارب مباشرة، وكذلك الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والأطراف المسماة أذرع إيران في المنطقة دخلت الحرب بعدها لا قبلها كما حدث في حرب الاثني عشر يوما.
2.استراتيجيا:
يمكن اعتبارها حربا لإعادة تشكيل ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط إذ تهدف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي أو إنهائه تماما، أمّا إيران فترى في هذه الحرب المفروضة عليها وعلى أنصارها في لبنان والعراق واليمن أكبر من كونها نزاعا عسكريا تقليديا لأنّ العدو يرمي إلى إسقاط نظامها بالقضاء على قياداته الدينية والسياسية والعسكرية، وبتدمير قواه العسكرية والاقتصادية. لذلك تتجاوز هذه الحرب بعدها التكتيكي لتأخذ بعدا استراتيجيا عميقا تكون بموجبه حرب وجود. وهو ما يظهر بوضوح في إلقاء إيران بكلّ قواتها الصاروخية والجوية في صلب المعركة للهجوم على ما يهدد وجودها وهو كل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في بلدان الخليج وكل المنشآت الصناعية والاقتصادية التابعة للولايات المتحدة في المنطقة، إضافة إلى جملة الأهداف العسكرية والصناعية والاقتصادية في فلسطين المحتلّة. ومن جهة العدوّ، تبدو هذه الحرب التي افتتحت باستهداف القيادة الدينية والسياسية العليا والبنية العسكرية، حربا ترمي إلى إسقاط الدولة لا مجرّد ردعها. هدف ظلّ كامنا طيلة أربعة عقود، وظلّ أصحابه يعملون على تحقيقه بوسائل متعددة منها العقوبات والاغتيالات والحصار والحروب على فصائل المقاومة الموالية لها في لبنان واليمن والعراق وسوريا.
3. جيوسياسيا:
خلافا لحروب الولايات المتحدة السابقة في الشرق الأوسط، كشفت هذه الحرب عن تفكك التحالفات الغربية، فالحلف الأطلسي لم ينخرط فيها لا بصفة علنية ورسمية ولا حتّى بصفة سرية وغير رسميّة، بل إن انقساما واضحا في الموقف الأوروبي من هذه الحرب، إذ تشير بعض التقارير إلى أن من يدعمون هذه الحرب من أعضاء الحلف الأطلسي أقل من 20% ، وهذا دليل ساطع على تراجع الهيمنة الأمريكية التقليدية أو على صعوبة في تعبئة الحلفاء سواء من داخل الحلف الأطلسي أو من خارجه، ذلك أن دول الخليج التي تحتضن قواعد أمريكية لم تعلن رسميا انخراطها في هذه الحرب واكتفت بأن أعلنت عن موقف دفاعي ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية مكتفية إلى حدّ الآن بالدعوة إلى الكفّ عن استهداف أراضيها.
ومن جهة أخرى، لا تنفصل هذه الحرب عن الحرب الدائرة في أوكرانيا سواء من حيث تبادل السلاح والخبرات أو من حيث الحضور السياسي لأطراف الحرب الأوكرانية في هذه الحرب، فروسيا لا تخفي اعتراضها على العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، بل إن تقارير كثيرة تشير إلى أنها تقدّم لحيلفتها في الشرق الأوسط معلومات دقيقة عن تحركات العدو وعن مواقعه الحساسة وهو ما جعل الضربات الصاروخية الإيرانية في فلسطين المحتلة وفي القواعد الأمريكية أكثر دقّة. ومن جهتها، حضرت أوكرانيا ممثلة في شخص رئيسها في الخليج مصحوبا، كما تقول تقارير، بسلاح ومقاتلين. وهذا ما يمهّد لأن تكون هذه الحرب، علامة على بداية اندماج عالمي، أو حربا باردة على جبهات متعددة.
4. اقتصاديا:
لهذه الحرب سلاح آخر غير الصواريخ والمسيّرات والطائرات وهو سلاح الطاقة والممرات البحرية، فمضيق هرمز يمرّ منه ما يقارب 20% من نفط العالم، وإعلان إيران عن غلقه يهدد الملاحة في البحر الأحمر، وكلّ تعطيل لحركة الملاحة يؤدّي مباشرة إلى ارتفاع في أسعار النفط واضطراب في الاقتصاد العالمي، والأرقام المسجلة في أسواق البورصة والنفط أكبر دليل على ذلك.
5. ثقافيّا:
إذا خيّرنا أن نفكّر في هذه الحرب من منظور ثقافي غير المنظور العسكري الاستراتيجي السابق، تقفز إلى الأذهان أسئلة من قبيل: أيّ معنى للنظام العالمي اليوم؟ وأيّ معنى للقوّة؟ وهل نحن أمام تحوّل حضاريّ؟ وهي أسئلة تستدعي بالضرورة تفكيرا في أزمة النظام العالمي، وفي إشكالية العلاقة بين منطق الدولة ومنطق الثورة، وفي تفكك المعنى.
لقد سادت العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، رؤية تعتبر أن العالم دخل مرحلة "نهاية التاريخ" كما قال فرانسيس فوكوياما، وهو ما كان يعني أن الامبريالية العالمية بقاعدتها الليبرالية الغربية هي النموذج النهائي، وأن السيطرة الأمريكية على العالم بأسره هي الضامن الوحيد للاستقرار. ولكنّ هذه الحرب، ومقدماتها الكثيرة التي بدأت منذ 2006 واستمرت حتى 07 أكتوبر 2023، قد كشفت عن زيف تلك الأطروحة، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالسهولة التي كان يتخيلها فوكوياما، وخصومها لا ينهارون بسرعة أمام تفوقها العسكري والاقتصادي والتكنولوجي. هنا تكون فكرة أن "العالم ليس واحدا" وأنّه حضارات متعددة متصادمة كما يقول صموئيل هنتنغتون أولى من فكرة فوكوياما، وهذا يعني مبدئيا أنّ البشرية باتت تعيش النهاية الفعلية للنظام العالمي الأحادي. والأخطر من ذلك، أن هذه اللحظة التاريخية لم تشهد بعد ميلاد نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وهو ما يجعلنا على مشارف الفوضى، أو ما يسميّه السياسيون والعسكريون والاقتصاديون اضطرابا أو عدم استقرار، وهو من المنظور الثقافي صدام بين منطق الدولة ومنطق الثورة. فهذه الحرب ليست في الحقيقة صراعا بين دولتين لأنها في العمق صراع بين نموذجين. أمّا النموذج الأول فيتمثل في الطرف الأمريكي الصهيوني ويُفترض أنه يعمل بمنطق الدولة التي تهدف بالأساس إلى الاستقرار عبر السيطرة، وما يعنيه ذلك من ضرورة التفكير والممارسة في إطار المؤسسات وبعقلانية واستراتيجية واضحة. ولكنّ هذه الشروط مفقودة أو تكاد، وهو ما يجعلنا نميل إلى اعتبار هذا النموذج الأول نموذجا زائفا عن منطق الدولة وما تصريحات ترامب وممارساته وعلاقاته المتوترة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني الأمريكي إلا دليل على ذلك. أما النموذج الثاني فهو النموذج الإيراني وهو يعمل بمنطق الثورة، والدولة فيه مبنية على أساس عقائدي. وميزة هذا النموذج أنه لا يرى نفسه إلاّ في صراع دائم. يظهر هذا في منطق الثورات الاشتراكية والقومية كما يظهر في منطق الثورات الدينية، فهي كلّها تفكر بمنطق الثورة الذي يقود الدولة بالضرورة إلى أن تكون دولة رسالية تماما كما وضّح ذلك ميشيل فوكو بعد زيارته لإيران أعقاب الثورة سنة 1979 حين ذهب إلى أنّ الثورة أعمق من أن تكون فعلا سياسيا لأنها فعل روحاني. وحين تكون الثورة فعلا روحانيا تتعدى الحدود، ويتعدّى صراعها مع خصومها وأعدائها حدود الصراع على الأرض إلى الصراع على المعنى نفسه.
إنّ الحروب، في كل عصر، صراع بين الخير والشرّ. وإلى عهد قريب، سمّى جورج بوش أعداءه في حرب الخليج محور الشرّ وسمّى نفسه ومن معه من الحلفاء رسل الديمقراطية. وإذا كانت المسافة بين الخير والشر من المنظور الأخلاقي واضحة تماما، وقد توسّع الأخلاقيون على امتداد التاريخ الفلسفي في بلورتها، فهي من المنظور الثقافي مسافة رمادية. ذلك أن كل طرف يقول عنه نفسه إنه على حقّ أو أنه الحق ويقول عن الآخر إنه على باطل أو إنه الباطل. هنا نجد أنفسنا حيال سرديّيتن متناقضتين، والأقرب إلى السيطرة على الأخرى هي الأقدر على بناء إدراك جماعي يتصوّر الطرف الآخر شرّا أو باطلا أو حتّى جنونا. والقرائن الدالة على انكسار السردية الأمريكية الصهيونية أمام السردية الإيرانية كثيرة. فالمعتوه والمجرم والشرير في نظر شخصيات أمريكية بارزة وفي نظر المتظاهرين بالملايين في المدن الأمريكية هما ترامب ونتنياهو. وبهذا تكون إيران قد نجحت إلى حدّ بعيد في أن تكسب المعركة على المعنى. صحيح أن هذا النوع من الحروب لا يكاد يتوقف لأن الصراع فيها صراع هويات وصراع شرعيات وصراعا على المستقبل وهو ما يجعلها خطوة في سياق مخاض تاريخي طويل.
لقد أبدت لنا هذه الحرب، من هذا المنظور الثقافي، أن الصراع أوسع وأعمق من كونه صراع مصالح أو صراع نفوذ لأنه في العمق صراع حضاري ثقافي. وإذا كان الصراع الاقتصادي السياسي ينتهي عادة بهيمنة طرف على الآخر لأنّ القوة فيه تعني الغلبة والسيطرة، فإنّ القوة في صراع الهويات والحضارات تعني الصمود، فأن تكون قويا هو أن تصمد، أو أن تمنع العدوّ من تحقيق أهدافه كما قال الشهيد نصر الله. قد لا يساعد معنى القوة هذا على بناء يقين استراتيجي ويضعنا في حالة اللايقين الاستراتيجي، ولكنه مع ذلك لازمة من لوازم الحروب الثقافية أو لوازم الصراع بين النماذج، ولا يمكن لأي طرف أن يقول عن نفسه إنه بات يمتلك تعريف العالم، فالهويات لا تموت والمعنى متعدد لا واحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...