إبراهيم محمود - موتهم وموتنا "على خلفية من إنقاذ الطيار الأمريكي المفقود" "مجرد تأملات"



البارحة ليلاً، تم إنقاذ الطيار الأمريكي المفقود منذ قرابة يومين، في مناطق إيرانية جبلية وعرة وخطرة، لأنها في القلب الإيراني، وفي مناخ حرب " جوية " مسعورة من المجابهات المدمرة والفظيعة، وبقوى وعتاد كبيرين، وبعد إنقاذ الأول. لكن كِلف العملية المادية الهائلة، لم توضع في الحسبان، بقدر التفكير في الطيار كإنسان، وله قيمته لدى نظامه وعلى صعيد عالمي، كما تابعنا ذلك إعلامياً وما ترتب على هذه العملية من تداعيات، ومن تعليقات، ذات صلة مباشرة بمكان الفرد: الإنسان" هناك " في الغرب، وأمريكا ضمناً. هل هناك مجال للمقارنة بين مشهد كالذي جرى " أمريكياً- إسرائيلياً " وأي مشهد يمكن تسميته في منطقتنا الواسعة جغرافياً، والهائلة في كثافتها البشرية، بالصيغة عينها؟ أعتقد أن العلاقة تكون صفرية، ويستحيل التقابل .
أنا لا أتحدث من باب المحاباة للغرب، لأمريكا، لإسرائيل، وأحاول " تصفير " عالمنا قيمنا، إنما أنطلق مما هو تاريخي، وما يجري اجتماعياً، بخصوص مفهوم الإنسان في مجتمعاتنا،والموت الذي يجري ربط الإنسان به، بطرق مختلفة، بوصفه مكرمة إلهية، أكثر من القيمة المعطاة للولادة ومن ثم ربطها بالحياة .

***
أقول، كما قلت منذ عقود من السنين، أن الحديث عن الإنسان الذي يعنينا، باعتبار أي منا إنساناً، كما هو الذي أشيرَ إليه بجغرافيته، ولغته" لغاته " وثقافاته، محض تضليل، ومخاتلة ذاتية لا يُفكَّر فيها كما هي، وأسأل:
هل ولِدنا لنموت؟ هوذا السؤال! من خلال إجراء مسح ميداني، ثقافي، إجمالاً، ثمة ما هو مترسخ في الذاكرة الجماعية لملايين مؤلفة من العرب والمسلمين، حول علاقة من هذا النوع، دون ذلك، كيف يمكنُنا هذا الانتحار الذاتي، كما أسمّيه، من ناحية قبول الموت" اشتهاؤه " وكأنه قدَر إلهي منزّل لا فكاك منه، عند مكاشفة طبيعة إدارة الأنظمة الحاكمة لـ" جماهيرها " المسلوبة الإرادة، أو حيث تحكم " عصا " الراعي، ويكون الرعية" القطيع " في الجانب الآخر؟! أي تبئيس تاريخي وقيمي، مرتجل، وليس مدوناً في حقيقته العارية، حيث الإنسان في مبناه وجوهر معناه أكبر من أن يجري حصره في " تغريدة " ماورائية مجمَّدة " في سوبرماركيت كوكبية إلهية الطابع، وثمة سدنة يزكّون أنفسهم بألقاب معتبَرة " قدسية " تديرها بمعاييرها الخاصة بها.
وإذا كان هناك من... من " تغريدة " أخرى، ومرفَقة بالسابقة، وهي العائدة إلى مشهد افتتاحية الخليقة ، حيث قابيل يقتل هابيل، وينفرد القاتل بحماية خالقة بالسيادة على الكون، أو، يكون الأب الرمزي للجميع، وما تعنيه القوة المسماة وهي في مرجعيتها السماوية، أي اعتبار الموت نتيجة لا اعتراض عليها تبعاً للعلاقة السالفة.
كيف يمكن تبرير هذا الموت المجاني ، بالنسبة للذين يديرون شئونه، ويضفون عليه صفات مناقبية، في مناسبات ووقائع تعنيهم في نفوذهم الممجد، ليس كذلك"، على خلفية من هذا التحريض على الموت؟

***
النظر إلى الموت انطلاقاً مما هو تاريخي في ثقافتنا التي تكون محمولة، وبالخط العريض، بما هو ديني، وكيفية النظر إلى الموت هناك غربياً، رغم أن للدين حضوره، سوى أن الحديث عن الموت كفلسفة، وحضور تراجيدي، والسعي إلى أنسنته، وممارسة الحياة بوصفها ساحة الحضور الاعتبارية الكبرى للإنسان عملياً، يضعنا إزاء مفارقة، مفارقة بين أن أكون إنساناً، ولا أكونه، قهراً، وأكونه كما يشار إليه :
جرّاء التركيز المستمر على الموت الذي ينتظر الإنسان، ليمضي به إلى عالم الأبدية" جنة أو جحيماً " بالمفهوم الإسلامي الدارج، ينزع عن الإنسان كل ما من شأنه استثمار قدراته، وبناء علاقات مع الوسط والآخرين، والشعور بحرية تعنيه في اسمه كفرد، كمواطن قادر على التمييز بين الصالح والطالح، وليس أن يكون الموت يحيط به، أو يتقدمه، أو يجعله مسكوناً برهبته قياماً وقعوداً، خلاف الجاري هناك " في الغرب ". أإلى هذه الدرجة سيق الموت إلينا، أم سِقنا إليه، أم جرى الدمج في منتصف المسافة، عقداً لا يُسمى، في الإفناء التدريجي الذاتي، في تقبّل الموت قبل الرضاعة وبعدها، في النوم واليقظة، والشكر لخالق الموت والحياة، على وهْبنا الموت أكثر من الحياة، ليكون هناك" بعد الموت، ولأننا طأطأنا رؤوسنا ونفوسنا للموت هذا، وبخنوع لا يجارى " ما نجازى به حياة بمتع وملذات ؟ هل جرى تخصيصنا، تفريقاً، بموت ينال منا بالطريقة هذه؟

***

لجعل العلاقة البينية هذه، أكثر مفهومية وتقريباً من الذهن، من السهل القول أن تاريخ مختلف العلوم الطبيعية منها والإنسانية، أوربياً، هو تاريخ أخطائها، تاريخ النقد الذي لم يخمد أو تضعف وتيرته يوماً، ولم يستثن شيئاً،ـ أنّى وكيفما كان ، تعزيزاً لمكانة الإنسان، وليس من باب الإساءة إلى خالق الكون، كما يُسمى أو يُعتقَد. إنها خلطة/ هجنة عجيبة غريبة، وليست كذلك من لدن أولئك الذين يخشون على سلطتهم، وهم في طغيانهم السياسي، خوفهم من رعيتهم أن يرفضوا المفروض عليهم " تسميتهم بالرعية " فيخيفون من حولهم بحصر تفكيرهم بما هو قائم ومنشَّط جهة الموت، لتكون الذاكرة الجماعية ممهورة بدمغة الموت الشغالة ليل نهار.
ماالذي فعّلناه تاريخياً؟ كيف نموت، وكيف نخضع للمنطق الحكْماني الشمولي، جهة الموت جماعات جماعات!
مجتمع الغرب الذي شهد ويشهد كل هذه الإنجازات التقنية، وهذه الروائع في الإبداع الأدبي والفني، وفي مجال الفلسفة والفكر، له معرفة أسبق بكل من الأرض والسماء، أكثر بكثير من هؤلاء الذين لا ينفكّون يرون أن الحياة هي أن ترفع يديك إلى السماء، وتستغفر خالقك، على جريمة لم ترتكبها، إنما على إشعار" هو بياض توقّع عليه " وهو اعترافك بذنوب تكون ارتكبتها دون وعي منك، ليكون طلب المغفرة، فيتعطل العقل. مجتمع الغرب يحيل الموضوع إلى ما هو ذاتي، إلى التنوع، لا يجعل التفكير في الموت في سلَّم الأولويات، وما في ذلك من عطْب القوى الذهنية، وفي سياقها ، ما يضفي على الحياة تفاهة. أهذه هي حكمة الولادة والحياة؟

***
هل حقاً أن تاريخنا الذي قرأناه ولا زلنا نقرأه، يجعل التفكير في الموت نوعاً من العبادة لمعرفة الإله والروح؟
أكان الذين يشكلون رموزاً كاريزميين من نوع-ديني- دنيوي، سلطوياً، سابقاً، يولون الموت هذا الاعتبار؟
كيف نفسر تلك/ هذه الدماء المسفوكة، ودون توقف إلى الآن، بين العرب والمسلمين أنفسهم، وفيما بينهم، في قرونه الأولى ؟ أهي تعبير عن التسابق حول الموت، وفوز به من نوع تراتبي؟ ماذا تقول تلك الحروب، والصراعات حول السلطة" الإمامة " ومن لحظة نشوء الإسلام، والشروع في تدشينه سياسياً؟ وكما تعلِمنا المدونات الكبرى ، التي تحمل أسماء مثل" الطبري، المسعودي، ابن الأثير، وابن كثير...إلخ "، أكانت " معركة الجمَل " ومن ثم، وبصورة أفظع " معركة صفين " والآلاف المؤلفة الذين قتلوا، وهم في مجملهم من " الصحابة " كما تجري تسميتهم، في نطاق مباراة الفوز بالموت في المرتبة الأولى، أم أن ليس للموت من دخل في ذلك، حيث الفتن، وهي تواطؤات مصالحية، وحسابات دنيوية، الموت فيها براء؟ ألم يورد الشهرستاني في مستهل " الملل والنحل " التالي والدال( ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان ) ألم تكن ، ولا زالت " عقلية التخاصم " هذه المشرعنة الكبرى لميتات دوافعية من هذا النوع ( كما تابعتُ ذلك، في كتابي : الفتنة المقدسة: عقلية التخاصم في الدولة العربية الإسلامية، بيروت، 1999، وكان القول الوارد في مستهل كتاب الشهرستاني استهلالاً لأحد فصول كتابي. ص 45 ).
أكان هناك أي مندس، أو عميل" إمبريالي " ليمارس دك الإسفين بين ما ذكرتهم، وربطاً بالجاري؟
***
في نطاق هذا التعتيم التاريخي المارتوني على التاريخ الذي نقرأه، كما لو أنه تاريخ ما جرى بحرفيته، بعيداً عن الشهوات وعنفها، عن المتاجرة بالأرواح وأسواقها وأبواقها، واستسهال إزهاقها، إن جاز التعبير، كيف نمضي في تمرير " حكمة " الموت الذي يحصدنا هنا، حين نعيش في منطقة غير مصانة من أي عارض مدمر بقرار أو إقرار سلطاني" راع ٍ طاغوت " يتوحم بدماء ساخنة، ممن حوله، لحظة الشعور بخطر، أو حين يعيش هاجساً كهذا، فيرى في القتل الجماعي، والتصفوي دون حساباً إتماماً لرسالة مقدسة؟
ولا نكف عن رمي الآخرين، ممن يخالفوننا دينياً، على أنهم مجردون من كل نسغ قيمي وأخلاقي دفعة واحدة.
ومن قبل من يرون في الذي يكتبونه باحثين ومفكرين وأنصاف فلاسفة وأكثر،أنه الحق الفصل، في تسمية " الآخر" الغربي بعيداً عن الحضارة والثقافة الإنسانية، وما في ذلك من تناقض وتناس ٍ أن جل هؤلاء يتمنون الإقامة هناك، أن الذي يستهلكونه ليس مجرد " أنساب مادية " إنما علامات ثقافة وحضارة، وأن المفاهيم والمصطلحات الكبرى المتداولة في الثقافة المقروءة، من نوع" الإنسان الرقمي، الديجيتالي، والعولمة، والحوسبة، والالكترونيات، والميديولوجي، والإنسان المأخوذ بالتقنية ونشوتها...إلخ " غربية أماً وأباً.
وأن نقداً من النوع الموجه إلى الغرب، عربياً، مستلف من نصوص " غربية " فعالة غربياً بلغات غربية، أكثر بكثير مما يجري التفكير فيه في مقالات وأبحاث عربية وعلى أعلى مستوى.

***
في السياق، عندما آتي على ذكر " ترامب " الرئيس الأمريكي، بعيداً عما يكون عليه من أداء وظيفي، أو سلوك سلطوي، وعنجهية الصورة، وهو منتخب أمريكياً وليس استفتاء، للرئاسة لمرة ثانية، ليس خارج مجتمعه، وليس لديه تلك السلطة التي تخوله إصدار حكم بسجن أو قتل أي كان، كما يجري في مجتمعاتنا. ثمة حدود للموت، ومفهوم للموت غير الذي نتداوله فيما بيننا، كما هو الموصول بإنقاذ ذلك الطيار. إن الانتقادات التي تتركز على طبيعة حكمه وتعامله مع الأحداث، يستحيل وجود نظير لها، ولو بنسبة محدود في مجتمعاتنا.
لا زلت أذكر ما كتبته قبل قرابة نصف قرن، عن قصيد لأدونيس" قبر من أجل نيويورك " ومستلة من ديوانه " وقت بين الرماد والورد- دار العودة، بروت 1972"، في مقال منشور باسم" أدونيس بين لغة الثورة وثورة اللغة " في مجلة " الآداب اللبنانية ، ع 9-10، 1981"، وما أشرت من خلاله إلى نيويورك، كواقعة اجتماعية وثقافية، وبنية قصيدة أدونيس بمفهومها الثقافي. أمريكا ليست اللون الواحد، إنها التنوع، إن أردنا الحديث أو الكتابة عنها( يُنظر تقديمي، للكتاب الذي ترجمه الصديق عزيز توما: عنف العالم، لـ جان بودريار- إدغار موران ، وآخرين، دار الحوار، اللاذقية، 2014، وهي مقدمة طويلة نسبياً، ومن ذلك ما ذكرته، عن أن " أمريكا لم تكن بول كينيدي، أو فوكوياما أو هنتنغتون، لقد كانت أمريكا والت ويتما وولين فولكنر وأليكس هالي وتوني موريسون، وبول استر وكين كيسي ونعوم تشومسكي...ص29).

***
هل علينا أن نتعامى عما يجري في مجتمعات بشهادات معطاة على مذبح شهوات من يستبدون بنا، ويرسمون حدوداً لحياتنا، وهم يتحكمون بمصائرنا ونحن في الأرحام، ونحن نموت بالجملة، لننال شهادة حسن سلوك تتقدمنا في عالم ما بعد الموت، ليعيش هؤلاء القيمون على حياتنا بمعاييرهم متعهم المشرعنة ؟
ونستمر في تسفيه من يكونون خارج حدودنا، ونحن منزوعو القيمة ضحايا بالمجان، وشهداء دون بطاقة؟
ألم يكتب أدونيس نفسه، وقبل أكثر من نصف قرن نعياً لإنسان منطقته، لمجتمعه، لما هو قيمي فيه، في " فاتحة نهايات القرن- بيروت1980 "، وفي مقال منشور أساساً على خلفية من هزيمة 5 حزيران " 1967"، ، ما يظهِر الهوة عميقة ورهيبة(هل أنا شخص آخر؟ هل يحيا فيّ أسلافي الذين ابتكروا الأبجدية، وقرأوا البحر...هل أنا في يقظة حقاً، أم في وهم اليقظة وأحلامها... في انحطاط خصيب أخضر؟..ص 12...ومن من نظام أو حاكم أخطأ..هذا الشبح الذي نسمّيه الفكر العربي المعاصر، أتهمه وأنا جزء منه، بأنه عاجز جاهل..15.. نحن لا نحيا. نحن نحيا موتاً يومياً أخرس. نعيش في وضع من الشقاء التاريخي لا مثيل له. كأننا لم نعد نستطيع أن نحول دون تجاوز الحرية . ص 21 ) .
أليس الكثير الكثير مما هو مثار آنفاً، لا يزال صالحاً، ساري المفعول هنا وهناك؟
طبعاً، ومن باب التذكير، بنوعية التضحية لإنقاذ فرد معين، مع فارق المكانة، في مجتمعاتنا حيث تمارس أنظمة شمولية سلطتها بمرجعية عائدة إلى شخص واحد أوحد فيها، يمكن بقرار مباشر منه، أن تندلع حرب، ضد عدو يجري تهويل خطره، وتحت شعار من نوع" الدفاع عن الكرامة " وليس من تحديد لهذه الكرامة: أهي كرامة مدشن الحرب، أو مواجه العدو الموسوم، أم الشعب حين يُزج بمجموعه في أتونها، وتعريض أرضه، وقراه ومدنه، ومصادر ثروته للدمار والخراب، وتتالي الويلات، ودون استتابة أو تراجع..؟!
ألم يتحدث المترجم والباحث السوري هاشم صالح، في كتابه" الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، بيروت، 2007"، وهو يتطرق إلى سبب هذا الفشل، والمتمثل في ( التناقض المطلق بين النص والواقع. ص 14)، وهو يثمّن قدومه إلى أورَبا، ولولا ذلك، لبقي ( محصوراً بالذهنية العتيقة أنها هي وحدها الممكنة. ص 40 ).
وفي مثال أقرب، وأكثر حمولة بما هو قيمي صارخ، جهة السردية المستدامة الخاصة بموتنا الجماعي أو حياننا المفرغة كثيراً مما يستحق التذكير، وأعني بذلك، ما تطرق إليه الناقد، والمفكر الفلسطيني الراحل " إدوارد سعيد: 1935-2003" " في كتابه " الثقافة والإمبريالية ،الترجمة العربية، بيروت، 1997 "، وهو أمريكي الجنسية، وكان أستاذا جامعياً هناك" جامعة كولومبيا في نيويورك، من سنة 1963، حتى وفاته "، منوهاً إلى أهمية هذه الإقامة: الجنسية" ص 67 "، أي إنه لو لم يكن ذلك المقيم والمجنس بالجنسية الأمريكية، هل كان سيعرَف كما هو اسمه الذي له صيت عالمي؟وحين يشير إلى مفارقات تخص أولئك الذين ينددون بأمريكا" ومن زعماء عرب طبعاً "، ولا يدخرون جهداً، وعلى أعلى مستوى( لإدخال لأبنائهم إلى الجامعات الأمريكية وفي تدبير حصولهم على البطاقة الخضراء " الأمريكية".ص350).
وجه العلة في العلة المستفحلة، وعلى أرضية الإيديولوجيا النفاثة، وسمسرة الموت، وصرعة " الشهادة " دون رصيد معتبَر، وهي العلة الأكثر استمرارية في التاريخ، حيث الموت بلغ درجة من البطنة بحيث ميّع كل ما له صلة بالفطنة، وانطلاقاً من منظّري الموت ، ممن يتقاضون مبالغ لا يستهان فيها في هذا المضمار.
***
أن ننظر إلى الغرب، وفي عالم اليوم، كما لو أنه لون واحد، كما هو السائد هنا وهناك، فذلك يشخص فداحة الذهنية التي تعيش سجينة صورتها الموميائية المشوهة عن نفسها، وإسقاطها على الآخر. وضمان أمان مزيف بالمقابل، لهذه الذهنية في سقفها الواطىء جداً، والمكربنة من الداخل، دون ذلك، كيف يمكن فهم موت كهذا؟
من المفيد أن أشير في نطاق هذه" التأملات " إلى ما استرسل فيه الباحث حميد زناز، وبوضوح لافت، وحرِقية موجعة في مقاربة نقدية لهذا الجاري " لدينا" في كتابه " فصل الكلام في مواجهة أهل الظلام، دار الساقي، بيروت، ط1، 2009 "، ودلالة العنوان، ومأساة التسمية في الصميم،وأنا أورد بعضاً مما أعتبره مفيداً:
الغرب ليس تشكيلة ثقافية عادية فحسب، وإنما هو الزمكان الذي طغى عليه استعمال العقل أكثر من أي زمكان آخر. لم يترك العقل صنماً واقفاً ولا سلطة ولا تقليداً. ص 27.
تكمن مأساة المسلمين في عدم تجاوزهم لخطاب إيديولوجي يحلّق فوق الواقع، يريد خطف ثمار الحداثة ويرفض في الآن نفسه شروط تحققها الأساسية ومنطقها العالم. ص 51.
يعترف البروفيسور جمال الدين بن شيخ، فإن أشعار إيلوار وأراغون وشار هي التي فتحت أبواب الحداثة في وجهي على مصراعيه .ص 115.
لماذا يضع العرب والمسلمون شرفهم بين أفخاذ نسائهم في غالب الأحيان؟ متى يتجالوزن الذهنية القضيبية ؟. ص 131.
...إلخ
ما يجعل المأساة بمساحتها الواسعة، مفرغة من كونها مأساة تستحق الحِداد، وتقبل" التعازي"، هو هذا الفضاء المفتوح، وعبر إعلاميات ومشاهد قتل بالصوت والصورة، والتصارعات الجماعية وسخونتها، هنا وهناك، لا أرى أن للغرب دخلاً يُذكر فيها، إلا لمن يريد التغطية على عورته المتقيحة.
ليس ختاماً حين أشير، ومن ذاكرتي الشخصية هذه المرة، وبهذا الصدد، إلى واقعة تعيدني إلى بلدي " سوريا " ومدينتي " قامشلي " في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وعند حضور محاضرة للدكتور هاني خليل، الذي كان مستشار لحافظ الأسد، وفي المركز الثقافي للمدينة، عن الديموقراطية والإرهاب، وعند مناقشته قليلاً في إدارة المركز، برز أحد الحاضرين" تبيّن، كما قيل لي حينها، أنه ضابط مخابرات برتبة رائد" وهو في كرسيه، ليعلق، وهو يمرر راحة يده اليمني على شاربه ( خليهن يجو" ليأتوا" بَلا مليون، بلا مليونين، بلا ثلاثة ملايين ..)، أي وهو يشير إلى من يمكنهم الظهور معارضين للنظام، وأن النيل منهم وهم بهذا العدد الرهيب، ليس مشكلة.. أرعبني سماع ذلك، أرعبني المشهد في حركته تلك، وبكل برود، ولازلت أتذكر المشهد الصادم بتفاصيله، أعني، ما يؤكد ما معنى أن يكون لنا موتنا الخاص، موتني الفردي، ومن يتحكم ببوصلته، وموت الآخر، في الغرب، في أمريكا، كما نعيش رعب الدائر والصائر باسمه، كما نلاحظ الآن في أوساطنا، وعلى حدودنا. أعلينا معاتبة " الغرب " ونستمر ليس في لومه، وتسفيهه، وشتمه...إلخ، واعتباره المسئول الحرْفي عما نقوم به في إماتة بعضنا بعضاً، والنظر إلى الموت " مكرمة " ربانية، وما في ذلك من ديمومة " أوليائية " من لدن من يعتبروننا حتى ما دون الأرقام في سجلاتهم الخاصة والعامة معاً...؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...