ظافر الجبيري - مقذوفات عاطفيّة

كرسيّان متقابلان حاضران في المكان ، ما زال للمثنّى بقيّة تحضر! جاءت إليه زائرةً ، أو كان في انتظارها.

آن اقترنَا منذ عقد ونيّف بخاتمين ونظراتٍ من حبٍّ كاد يلتهمها، لم تنسَ تلك النظراتِ يومًا . والآنَ، وقد جلستْ أمامه بعد رحلة طويلة مرّا بها، سوف تبدأ معه حديثًا مكرورًا أو ستكون نهاية ما!

جاءت من وراء جدران صمتها، لتقول ما لم تقل ! أو تسمع منه إن حكى؛ المكانُ عُزلتُه ..والكرسيان طريقةُ حديث هادئ !

الزمان بعيد. والآن:

الوجهان متقابلان ، يجلسان كما كان يحدث في أيام الدفء وأحاديث الحياة وأنفاس القهوة وضَوْع البخور. لا شيء أمامه سوى كرسيّها يقابله تماماً . في زاوية ما من هذا العالم: البيت ، أمامَها الكرسيُّ ومحتواه الصامت!

ضوء خفيف في الغرفة –العزلة ..لا كتبَ تصلح للقراءة .. لا أوراق يملؤها حبر يكتبُه البياضُ الأزرق! لا كاميرا تخلّد اللّحظة وتحبسُ ظلالَ الكلمات.

من كرسيّها المقابل تتحدّث ،عيناها صامدتان بالرغم من العناء الذي تخفيه، عمرُها المتوسط أبقى على بشرة متماسكة حفظتها القُبَلُ والعناية الناعمة من الذبول، وكسيّدة مهووسة بأناقتها ، أطلقت ليديها ولمستحضرات العالم العنانَ.

وجهٌ قمري ونخلةٌ باسقة ما زال فيها من قوام الخيزران ، سنوات العمر تتوارى ، تفسح الطريق لورود تتأخّر في التفتّح حتى ينتصف النهار!

العمر والروح اجتمعا في مواجهة غير مخطط لها، في حوار بين كرسيّين غير متكافئين! تتحدّث، لا تجد في اللّحظة إلا ألمَها ووجهَه وكلماتٍ طافت بخاطرها فقرّرت قذفَها.. دحرجتَها في وجهِه لمرةٍ غيرِ كلِّ مرة!

"أنتَ.. وأنت" وكمقذوفات عاطفية متلاحقة:

زرعتَ ظلمك خناجر في قلب تعشّقك.. هشّمتَ مراياي فلا أرى سوى وجهك وعالمك!

وكنتَ الحبّ الممتدّ بلا نهاية . الحبَّ المخبوءَ المفضوح فيّ..

استردّت أنفاسها قليلاً.. لتواصل :

شَكّي ويقيني.. روحي وحنيني وعالمي .. خيانتُك لروحي المودَعة في صدرك خيانةٌ لكلّ وجود ..لغيابي لحضوري .. هل تعلم :جعلتَ روحي تتلاشى في محراب حبك رويدًا رويدًا .

أخبرْني، انتصرْ على صمتك ! ألكَ قلبان .. قلب يعذّبني وقلب تعيش به سوءاتك دون أن يرفّ لك جفن من إحساس ساعة تغدرني؟!

مددتُ لك يدي بما أملك .. فمددتَ يدكَ تهين ما تصل إليه .. عزائي في التجاهل والنسيان .. بهما أعيش .

وظلتْ تطلق صرخاتها نحوه ، كانت عيناه مفتوحتين ، والذراعان مسدلان على ذراعي الكرسي ..ولا يتحرك.

نهضتْ .. وآن اقتربتْ، لم يرفع بصرًا نحو قوامها الفارع، أصابها بعدوى تذكُّرِ أشياء في غير وقتها ! تذكرت أنه قاسَ، ذات حبٍّ ، قوامَها وخصرَها ..ناكفها على سنتيمترات ليخلق لحظاتِه الأثيرةَ ، ثم ثابَ إلى رُشد الاحتواء، وأقرّ لها بالطول الكامل ، أقرّ لها بكل شيء : الأنوثة الخالبة والروح الشفيفة ،وحبّ لا يأتيه الفقد من بين يديه ولا من خلفه ! وكنحّات محترف ،انتهى من القياس طوليًّا ، ثم انهمرَ يقيسُ الوسطَ بالقُبل ! دار واستدار، وزّع مفعول شفتيه على خطّ الاستواء وسرّة العالم وحزام الكون الأزلي الحضور!

****

وانتظرتْ فرَحَهُ باللقاء الموعود ..وعدٌ بعودة تغرقُ البيتَ بالغناء كعيد يهطل من كفيها .. وبروح تحاول استعادةَ المبادرة.. تهيّأت ،اقتربت .لكنْ ، صمتُه صامتٌ فيه!

أيها الساكتُ كحجر . لا زلتُ كما عرفتَني بطول 164سنتيماً .. لكني أذبل من الداخل .. يتهاوى كياني في قاع هاوية سحيقة .. مدّ يدك .. ارفع عقيرتك.. قلْ شيئاً!

ونادت الصمتَ وثنّت بالذهول! لم يمدّ يده إليها ،وشعرتْ به ، في واحدة من لحظات ضعفها ، ينتقم من رفض يده الممدودة ذات صيف!

شعرتْ بكلماتها تصطدمُ بلحظات فرح ماتت منذ أمد، ولم يبق سوى رفاتها!

أنتَ .. أنت! وعاودت استنطاق صمت تجذّر في عمق لا نهائي ..ولم تصدّق ..فاحتبستْ وراء صوتها:

ها قد عدتُ إليكَ . لا ترحل!

لكنها ، وبعد أن تهاوت أمامه على كرسيّها الخالي من روحها المصلوبة في ذهول.. تأكدت أنها ستعيش من اليوم حقيقة الجدران ، امتلأ كرسيُّها الخالي بأنين يملأ روحها ، يتردّد وراءَ جدرانٍ طعامُها الصدى والوحدة .

في البدء، شعرتْ به يتجاهل الحديث هربًا من الجدال العقيم ، وعَدَها ،قبل أيام أن يكتفي بالقليل أو الصمت حفاظاً على ثالوث الودّ والصحة والوقت ، وفَى بالوعد، أمامها الآن .. ظنّته خجِلاً مما أسمعته أو موافقًا على اتهامات لا حدّ لها ..بين التفاصيل يكمنُ صمتٌ وألمٌ وقطيعة وغَدٌ لا يجيء!

اقتربت منه أكثر، وجهًا لوجه ، حاولت أن تصرخ بحبّ مستعاد ،أو تعلن رفض صمت لا تطيقه ؛ أسكتَها ، بل أضعف نطقَها حبٌّ صامت ، أوقف الصرخة حدّ التلاشي ..أصغتْ له، ..للحبّ بين الضلوع .. تمنّت لو تأخذ عينيه إلى الداخل ليرى أو يسمع !

جلستْ ، واجهته تماماً .. الوجه يقابل الصدر . وجهه صامت في هدوء ..لا تعابير يمكن أن تطفو على سطح صمته السابح في نظرة ساهمة حدُّها الفراغ ..جسمٌ متهالك في كرسي وثير هادئ ، كأنْ لم تكتسحْه الحممُ قبلَ قليل.. كمن يغادر صامتًا مخلّفًا وراءه لا سرّ الصمت فقط.. بل سرّ الأزمنة مطويّةً في اللحظة - الحاضر. توقّفت الفجيعةُ ليأخذ الألم مجراه .. وتعالت أنفاسُها..

- لمَ لا تردّ.. ماذا ستقول ؟ أجبني!

ابتلّ صوتُها بحزن متصاعد، جفّف الصوتَ نداوةُ روحٍ حلّقت باطمئنان، مبتلًّا بحزن يتصاعدُ، التقى صوتُها بروحه النديّة التي حلّقت في سماء الغرفة. حدّقت في وجهه.. للتوّ بدا لها الوجه مسجًّى في مهابته ، فهو يرتدي الصمت والشحوبَ ارتداءً ، وكأنما كفّنه الرحيلُ منذ زمن .

كيف لم تلاحظ مذْ كانت جالسة قبالته أنه الوجهُ نفسه ، والملامح ذاتها التي كانها منذ أن جلست أمامه.. منذ الدقيقة الأولى التي بدأت تمطره بما لا يُحتمل! وجنتاه تراختا، نتوءٌ تحت عينين ساكنتين تنظران نحوها بأسَى عاشقٍ جمُدت الكلمات على شفتيه! نظرةٌ تبدو مصدرَ عشقٍ قديم ما زال في العينين منه بقية؛ وعلى الكرسي، جسد عاشقٍ غادرَ صاحبُه الحياة منذ زمن ..غادر بعد أن تحقق له حلم أخير: رؤية وجهِها.

وكان وجهُها القابضُ على صرخةِ رعبٍ آخرَ ما أبصرت عيناه!
3/ 2013م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...