ليال الحربي - خارطة التسول العراقية بين الفقر والموسمية والإجرام الجزء الثالث والأخير

الجزء الثالث والأخير




من قرى المتسولين إلى العاصمة: بورصة "الله ينطيك"

أما بغداد، في الثمانينيات فقد عرفت نمطا آخر أكثر تخصصا ووضوحا. فقد كانت مهنة التسول فيها في كثير من أحيائها ومفاصلها الحيوية مرتبطة على نحو لافت بجماعات تركمانية الأصل، جاءت بنسائها وأطفالها إلى العاصمة لتعمل في هذه المهنة بوصفها موردا منظما. كانت المرأة تحمل طفلا لا يتجاوز أسبوعه الأول، عميق النوم بفعل حبوب منومة مختبئا بين الحرّ والبرد تحت إبط والدته بينما والدته التركمانية تتسول به في موقف السيارات/ النهضة، حيث تزدهر التجمعات العسكرية والمدنية.
أما مسألة النوم، كانت في غرف هامشية في الصدرية أو في أماكن مشابهة من التخوم الشعبية حيث تتقاسم كل عشر نساء غرفة إيجار واحدة. في تلك المرحلة، كانت النهضة بيئة مثالية لهذا النوع من التسوّل؛ إذ كانت مسرحا مفتوحا لحركة عسكرية–مدنية لا تهدأ. الجنود هناك دائما
ذاهبون، عائدون، ملتحقون، مجازون، منتظرون، تائهون بين سيارة وأخرى، ما يجعلهم فريسة يومية جاهزة.
لكن في التسعينيات، حين جرى تسريح بعض أفراد الجيش وصار نصفه فارّا أو خارج انتظامه السابق خفّت حركة العسكري في النهضة فتبدلت خريطة التسول تبعا لذلك. وهنا، مرة أخرى يظهر ذكاء المهنة فما إن جفّ مورد حتى انتقلوا إلى آخر. وهكذا تحول الثقل من النهضة إلى باب الشرقي والشورجة وجميلة، أي إلى الأسواق المركزية والتجمعات التجارية الكثيفة.

في هذه الأمكنة، لم يعد التسول نشاطا منفصلا دائما؛ إذ جمع بعض النساء بينه وبين الدعارة الهامشية داخل المحال التجارية حتى صار الجسد امتدادا لبضاعة الشارع. وكانت الصيغ هناك بسيطة متكررة "على باب الله..الله ينطيك.. على باب الله، الله ينطيچ..."،


ومن أكثر المشاهد دلالة على أن التسول في بغداد لم يكن دوما مجرد بؤس، ذلك المشهد الذي جرى في سيارة kia ذات ثلاثة مقاعد بالعرض. كان المتسول جالسا قرب النافذة.
رجلٌ كبير في السن، أصلع، وقد أحرقت الشمس بشرته، يرتدي دشداشة وفوقها معطف شتوي قصير، في مظهر يجمع بين الفقر والتعب والاعتياد. جلست إلى جانبه شخصية أخرى ولاحظت منذ البداية أن الرجل متسول محترف وما إن تحركت الوسيلة مع العابرين حتى بدأ الرجل يخرج من جيبه القطع النقدية الصغيرة ويضعها في حجره، ليعدّها واحدة تلو الأخرى فقال الجالس إلى جواره في نفسه: بالله خليني أحسب وياه.
وكانت المعادلة بسيطة فكل أربعة أرباع تساوي ألف دينار.
فصار الآخر يعد معه بصمت من دون أن يشعر المتسول بأنه مراقَب وحين وصلت الأرباع إلى ما يعادل أربعين ألف دينار ضم الرجل أربعة أصابع في يده حتى لا يضيع العد.
ثم استمرّ المتسوّل في إخراج الخردة والعدّ فيما واصل الآخر الحساب سرا حتى وصل المجموع إلى مئة وخمسين ألف دينار، قبل أن يترجل الراكب في وجهته ويترك المتسول خلفه يواصل استخراج النقود من جيبه. وفي اليوم التالي، شوهد الرجل نفسه قبل صلاة الفجر، يسير في باب الشرقي، ويداه ممدودتان إلى الأمام "الله ينطيكم.. الله يخليكم"، وما يكشفه هذا المشهد يبدو في الشارع بائسا ومنكسرا قد يكون، في نهاية يومه، أغنى من عامل قضى نهاره في شقاء فعلي.

في الخيال الشعبي العراقي يظهر تمييز داخلي واضح بين متسول المحافظات ومتسول بغداد. فالأول يُنظر إليه غالبا بوصفه باحثا عن مال سهل أو دخل سريع بلا عناء، كأنه دخل هذه المهنة من باب الفرصة لا الانغماس. أما متسول بغداد، فتُحيط به روايات مختلفة تربطه بعوالم القمار والشرب والإدمان والانفلات حتى تكاد تختصره العبارة المتداولة "التسوّل إدمان مثل الشرب من الصعب أن يتركه صاحبه". وضمن هذا التصور لا يبدو المسار الاجتماعي صاعدا بقدر ما هو منزلق؛ إذ قد ينتقل الإنسان من تاجر إلى قمّار ثم إلى متسول، كما لو أن المدينة الحديثة لا تُنتج سلما للترقي بقدر ما تُنتج أحيانا سلّمًا للانحدار. وفي هذا السياق، يتوزع متسولو بغداد في نقاط ثابتة تكاد تكون معروفة سلفًا، مثل باب الشرقي والعلاوي والشورجة والسنك والكاظمية والوثبة وحافظ القاضي، أي حيث يتركّز الزحام وتُستثمر حركة الناس بوصفها موردا يوميا.

الشرطة كانت جزءا من استمرار الظاهرة لا من وقفها.
فإذا كان الشرطي (أبو واشر) في السبعينيات يُشترى بسيجار، فقد ارتفع سعره في الثمانينيات والتسعينيات إلى علبة سجائر كاملة، تضخم بسيط في سوق لا يعترف إلا بقيمته الحقيقية. هناك، لم يكن الفرق كبيرا بينه وبين شيخ المتسولين فكلاهما يعرف كيف تُدار الجيوب لكن أحدهما يفعل ذلك باسم القانون. الناس يعرفونهم والباعة يعرفونهم ورجال الدين يعرفونهم والشرطة تعرفهم أيضا لكن هذه المعرفة كانت أحيانا جزءا من نظام التعايش الفاسد. إذ كان بعض المتسولين يدفعون مبالغ للشرطة أو لبعض العناصر الفاسدة؛ كي يُترك لهم المجال لـ(يتسولون براحتهم) وهكذا يمارس المتسول نشاطه الشرعي داخل اقتصاد الرشوة.

هذه الشرعية” لم تكن غريبة على النظام السابق لكنها بعد 2003 دخلت طورا أكثر وقاحة فمع تآكل القانون واتساع الجشع الاجتماعي وصعود اقتصاد الفوضى، لم يعد التسول مجرد نشاط أفراد متفرقين لأجل الدخل الخاص وإنما دخل في بعض الحالات طور الإدارة شبه العصابية وتحول من تسول الفرد الواحد إلى ما يمكن وصفه(بيت التسول).

صار بعضهم يؤجر بيوتا في مناطق مثل الصدرية والفناهرة والنهضة ويجمع فيها المتسولين كما تُجمع الأيدي العاملة الرخيصة والفكرة هنا ليست جديدة تماما لكنها بعد 2003 صارت أكثر جرأة وتنظيما. أما جذورها فكانت موجودة منذ زمن خصوصا قرب گراج النهضة حيث وجدت فنادق شعبية كان ينزل فيها أبو خليل إذا تأخر عن سيارة الالتحاق غير أن ما حدث لاحقا بدا فعلا كأنه نسخة عراقية من سيناريو فيلم المتسول لعادل إمام الذي صدر عام 1983 يُعاد إنتاجه على أرض الرافدين على هذه الشروط من قبل العصابة: نحن نأتي بك نؤكلك ونوفر لك المبيت لكن عليك أن تتسول لصالحنا وإذا حاولت الهرب سنبلغ عنك الشرطة فيأخذونك أنت لا نحن؛ لأنك في نظر القانون متسول وستذهب إلى السجن أما نحن فالشرطة معنا أصلا.

وهكذا يجد بعض المتسولين أنفسهم داخل نظام قسري مغلق من سكن محسوب وطعام محسوب ورقابة لا تغفل واقتطاعا لا يرحم وتهديد وعنف، نظام لا يطلب منهم سوى الخضوع فيرضخ كثيرون. بعدها، تبدأ الإدارة عملها من متابعة يومية، حساب دقيق وعيونٌ تراقب كم جمع كل واحد منهم.

وفي بعض الحالات، لا تتوقف السيطرة عند الشارع وتمتد إلى الجسد نفسه. فإذا تحولت امرأة إلى مصدر دخل إضافي، لم يعد ذلك شأنها وحدها وتصبح بندا آخر في دفتر الحساب. أي إننا هنا أمام تسول واقتصاد استغلال كامل تُدار فيه الأجساد والطرقات والعطف والذلّ.

القادمين من كركوك والموصل ولا سيما التركمان كانوا يتميزون شكليا على نحو يسهل التقاطه فملابسهم مختلفة ووجوههم مختلفة ولغتهم أو لكنتهم مختلفة وفي ملامحهم شيءٌ قريب في الخيال الشعبي من بدو الأناضول أو تخوم تركيا أما النساء فكن يحملن أيضا علامات زينة مميزة مثلا حلق في الأنف ووشم على الذقن وهيئة تترك أثرا بصريا سريعا في الذاكرة الشعبية البغدادية وهكذا كان المتسول يحمل هوية مناطقية ولهجة وهيئة وعلامات إثنية أو طبقية تجعل من جسده نفسه وثيقة انتماء متنقلة.


لم تشهد الرمادي ظاهرة التسول ولم يُعرف عن أهلها أنهم امتهنوا مدّ اليد، لا داخل محافظتهم ولا خارجها حتى بعد عام 2003 وسقوط النظام وما أعقب ذلك من تهجير قسري وخروج من البيوت تحت وطأة الخوف والفقد، ظلوا يقبلون ما يُقدَّم لهم من باب التعاطف ويشكرون عليه لكنهم في أعماقهم لم يكونوا راضين به ولا قابلين لأن يتحول إلى سلوك أو مهنة فكيف لمحافظة اشتهرت بالكرم في العراق أن تمد يدها متسوّلة؟. إنّ المتسول يُعرف من لهجته وهذه المهنة لم تُسجل يوما على أهل الأنبار لا في زمن صدام ولا في سنوات التهجير ولا حتى في فترة داعش.


في المقابل، اعتاد متسولو ديالى القدوم إلى بغداد كما أن متسوّلي بغداد من مناطق مثل الكمالية والعبيدي وحي النصر وحي طارق وسبع قصور كانوا ينتقلون إلى المحافظات طلبا للتسول.
أما بعض العائلات القادمة من باكستان وغيرها من الدول الآسيوية الفقيرة، فتأتي جماعات كاملة تزور وتصلي ثم تفتح بابا آخر للرزق (التسول). فإذا كان شاب باكستاني مقبل على الزواج ولا يملك نفقاته، شدّ رحاله إلى العراق في مواسم الزيارات وبعد انتهاء حج الزيارة ينتقل إلى حج التسول. يمكث ما شاءت له الإقامة، ثم يعود إلى أهله وفي جيبه ما يكفي لشهر عسل في البهاماس وربما لبيت صغير ورأس مال لمشروع. وإذا سُئل عن مصدر هذا الرزق، ابتسم ووضع الجواب في عباءته فبعض الأسرار لا تُقال لأنها إن قيلت فقدت بركتها.

وكذلك الحال عند أغلب الزائرين الإيرانيين، يأتي الواحد منهم وقد تكفل له كل شيء مجانا وسيلة النقل والطعام والمبيت وكلها على نفقة (صلوتي) وحين تنتهي الزيارة يعودون إلى النجف حصرا في الحسينيات وتخرج نساؤهم إلى الشوارع يطلبن الصدقة بعبارات مثل “إيراني... ما عندي... الجيب خرابه”

أما بقية الشعب العراقي الخارج عن خارطة التسول هذا مِمَن لم يمد يده قط في حياته حتى مماته. قد يأكل الحصى لكنه لا يتسول؛ لأن التعفف عنده غريزة وعزة النفس آخر ما يتخلى عنه الفقير غير أن المفارقة المريرة، أن خيره يُهدر خارج حدوده فيما يظل أبناؤه أولى به.


من الضيافة إلى التبرع إلى الاختلاس


في عام 2025، بدا المشهد وكأنه ذروة الكرم. عائلات لبنانية نازحة تُمنح مئة دولار لكل فرد يوميا وعلى مدى ثلاث أشهر وتُستضاف في فنادق من الدرجة الأولى في النجف، مع ثلاث وجبات يوميا. كل ذلك ببركات مكتب السيد السيستاني. بعد عام واحد فقط، تغير العنوان وتصدر فتوى تبرع إلى إيران.

في حينها تتكفل الجوامع والحسينيات بالمشهد ويتكفل السماسرة بإدارته ويلتقطون معها صورة فيسبوكية جاهزة للنشر. وفي الأغلب لا يكون هناك عربي قد تبرع وإذا تبرع فعلا فإما أن يكون فلاحا أو مالك مطعم أما الذين يتبرعون فمعظمهم من الفيليين. يتبرع الواحد منهم بخمسة آلاف، أربعة منها في الجيب لمن يمسك الدنبك ويتولى الترويج إلكترونيا وميدانيا وألف دينار فقط في كيس التبرع. وتكون صيغة التبرع على هذا النحو " نحن ولائيون ونساعد من ساعدنا بجلب السلاح لمحاربة داعش".

وهي مفارقة فجة حدّ الابتذال أن يُعاد بيع العراقيين ما سُلب منهم أصلا ثم يُطلب منهم لاحقا أن يشكروا ذلك بوصفه دعما. من الذي جلب لك السلاح أصلا
أليسوا قد سرقوه منك عند سقوط النظام. أخذوا المدفعية والعتاد والسيارات والطائرات بقيت عندهم ثم عادوا فباعوها لنا وجلبوا لنا كل ما هو تالف وكل صناعة رديئة وكل منتج زراعي تافه بلا طعم وهم أصلا واقعون تحت الحصار. وخلف الله على العراق الذي يعيشون عليه؛ لأنه صار يستورد منهم ويدفع لهم بالعملة الصعبة وهم لا يملكون هذه العملة. وفي النهاية أرسلوا لنا المخدرات والدواعش عبروا من أراضيهم بموافقتهم فالزرقاوي الجريح حينها من أين جاء؟ ألم يأتِ من إيران؟ وإيران استخباراتها قوية فهل يُعقل أن يعبر الزرقاوي من أراضيها وهم لا يعلمون؟ وأرسلوا لنا كذلك عملة مزورة من الدولار أما العائلة العراقية التي لا تملك سوى مصروف الجيب فما من أحد طرق بابهم وقال لهم "تفضلوا، هذا لكم يا أبطال بلادي"

مَن يروج للتبرع عبر كيس نايلون لنفترض أنه وضع في الكيس خمسمئة ألف دينا فإنه يختلس منها أربعمئة ألف في جيبه ويدفع مئة ألف فقط وهذه المئة تذهب إلى الوكيل والوكيل بدوره يختلس منها خمسة وتسعين ولا يذهب إلى إيران سوى خمسة فقط. فتتحول حملة التبرع كلها إلى مجرد ترويج إعلامي بعنوان "نحن وقفنا معكم".

وللمقارنة لم يكن في حملة المجهود الحربي في زمن النظام السابق خاليا من الإكراه أو التوظيف السياسي ومع ذلك لم يكن أحد يأخذ منها إلى جيبه الخاص لكن هذا لا ينفي أن بعض من أخذوا في ذلك الزمن قد جمعوا ما أخذوه وضموه إلى ما لديهم في صناديق مدفونة تحت الأرض ولم يُخرجوه حتى بعد مرور عشر أعوام على السقوط فلم ينتفعوا به وبقي بعدهم للورثة. وهذا نادر ما حدث. صهرُ خاتم الزوجة وقلادةُ الأم كانا يُحوّلان إلى عربة من الذهب يجرها حصان حقيقي فيما كان حمار البلاد قد رُكب بها أصلا. كان الشعب يبتلع الجوع والموت ثم يذهب ليتبرّع بالذهب ويأخذ وصل استلام. وبعد السقوط نُهبت تلك الموجودات على يد قوات الاحتلال. وعامّة الشعب كانوا مجبرين على التبرع؛ فشراء منزل أو التقدم إلى وظيفة أو إلى جامعة أو إنجاز غير ذلك من المعاملات الرسمية لم يكن يتم ما لم يكن وصل التبرع حاضرا.


ما أروع هذا المجتمع الذي حول حتى الرحمة إلى مهنة والنجدة إلى عمولة والفتوى إلى سلسلة جباية.

للحديث بقية
ضمن مشروع كتاب عن الإثنوغرافيا العراقية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...