كرم الصباغ - تحليل رسائل الروح و الذاكرة في مجموعة رسائل لا تحتاج إلى ساعي بريد" للقاص ياسر سليمان قراءة نقدية

استهلال:
في البداية أود أن أشير إلى أنّ مجموعة "رسائل لا تحتاج إلى ساعي بريد" تنهض على بنيةٍ سرديةٍ تتوكأ على الذاكرة كونها وعاءً جامعًا للوجع الإنساني، وتنهض على اللغة كونها أداةً للبوح ورئةً للتنفس وملاذًا وجبيرةً ترمم ما انكسر وتشظّى في الداخل، ومن خلالها طرح بشكل ضمني وليس فجًّا أسئلته الفلسفية الشائكة عن معنى الوجود، وكنه وتناقضات الحياة، وتساءل عن قدرة الإنساني و الروحي والجمالي على مواجهة المادي في عالم يتدثر بالقبح ويتغذى على الشرّ، ويجهر بالقسوة بدون مواربة.
لقد حاول السارد من خلال رسائله أن يرثي براءته المستلبة وأن يعبر بصدقٍ فنيٍّ عن أحزانه وآلام فقده وقلقه واغترابه، لكنه لا يصرح بأوجاعه تصريحا مباشرا بل يوزعها على الأشياء من حوله على الجدار والجسد والبيت وصندوق البريد والدكة والزهرة والعصفور وطبق الألمونيا وأفيش السينما والبحر والكمان والصحراء، وهنا تتجلى قوة النص في كونه لا يصرح بكلّ شيءٍ، بل يترك ما يلزم؛ لنشعر بكلّ شيء.
وتبقى تلك النصوص من وجهة نظري محاولةً صادقةً للتشبُّث بروح ودهشة الطفل الأخضر الذي لا يزال يسكن ذات السارد رغم تخطيه الخمسين، ورغم كونه آدمَ الذي صار آيلًا للسقوط، آدم الذي يجهر بخوفه، والذي يعترف بسقطاته المتكررة حتى كاد يفقد رأسه الممتلئ بالخيبات والهزائم، آدم الباحث عن الحب في عالمٍ موحشٍ يشبه صحراءَ قاحلةً تخشى الماء وتلفظ الاخضرار.



الإهداء:
إلى شريفة سعد الجدةِ، وآمنة صالح نبعِ الحكايات؛ بعد القراءة سوف نكتشف أنهما شخصيتان من شخصيات المجموعة محفورتان في ذاكرة الراوي ووجدانه، يشعر بمرارة فقدهما، ويشفه الحنين إليهما، هذا الإهداء يذيب المسافة الفاصلة بين الكاتب والراوي، ويضفي على الكتابة حميمية وصدقا فنيا، يحدثان التأثير العاطفي المأمول الذي يعدّ ديدن وغاية كل كاتب؛ فالكاتب يكتب عن وجعه هو، وجع من اكتوى بالجمر حقيقةً، أولم يقل السارد: " ليس من ذاق كمن رأى"؟! وجعٌ خاصٌّ أكسب السارد رهافةً أهلته للشعور بأوجاع الآخرين أكثر من غيره.
التصدير: "لكل الناس مشربهم ولي ظمئي" هو إعلان عن المرارة والشقاء فرحم الله المتنبي حينما قال ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.. فما بالنا بصاحب العقل والقلب والبصيرة إذا ما ألقي في جحيم يدعى العالم؟
وهو إعلان عن الاختلاف، أنا لست مثل الآخرين، وبالتالي سأحاول أن آتيكم بكتابة مغايرة.. وبعد أن نقطع شوطا وشوطين بين أروقة نصوص رسائل ياسر سليمان سوف نكتشف أنها كتابةٌ لا تلقي بالا بالأنماط الكلاسيكية، والحبكات المحكمة والمنطق الرياضي السائد؛ إذ تجنح إلى تفكيك البني التقليدية للحكي وتعوضها بخطاب داخلي قائم على الاعتراف والتشظي وتكشف عن عالم مثقل بالألم والفقد.
العنوان:
أدَّى العنوان من وجهة نظري وظيفته الدلالية، ووظيفته التحفيزية بإثارة مجموعة من الأسئلة تغري القارئ بالولوج إلى العمارة النصية للإجابة عنها، ومنها ما كنه تلك الرسائل؟ ولماذا لا تحتاج إلى وسيط يوصلها؟.. الرسائل هنا ليست رسائل تقليدية أو حتى حديثة بل دربٌ من المناجاة الذاتية؛ فبعضها موجه إلى الداخل فالمرسل والمرسل إليه شخص واحد هو السارد ذاته، وبعضها الآخر يغلب عليه مرارة الفقد وقوة الحنين موجه إلى أشخاص لا يرجى التواصل معهم كشخصٍ متوفّى أو حبيبةٍ غائبةٍ يُجهل عنوانها أو يُئِس من وصلها، حتى الرسالة الوحيدة التي كتبها الطفل بحبر ووضعها في صندوق بريد، فقد أرسلها إلى الله كنوعٍ من التضرع والابتهال الذي يشبه الاحتراق الصوفي الباحث عن خلاص. أن تلك رسائل هي في حقيقتها عصارات استبطان ذات السارد، وإرهاصات روحه المتعبة، التي أراد للبشر جميعًا أن يقرؤوها بأرواحهم قبل أعينهم؛ لعلها تلامس أوجاعهم.
صورة الغلاف: تحمل صورة الغلاف مفارقةً فصندوق البريد جاوز موقعه الأرضي، وصارا محمولا فوق السحاب؛ وبالتالي لم يعد الصندوق أداة تواصل بين البشر، بل نقطة التقاء بين الأرض والسماء وقناة اتصال بين الأرضي المعذب والمقدّس السامي من بيده التغيير، إنه علامة على الحاجة إلى بدائل عاطفية روحية حانية تواجه قسوة العالم، وبناء عليه فإن صورة الغلاف تدعم ما يشي به العنوان، وتفسر انعدام الحاجة إلى الوسيط بين المرسِل والمرسَل إليه.



ما بين البداية والنهاية:
تبدأ القصة الأولى بقوله " آدم آيل للسقوط" بإعلان صريح بالشعور بالوحدة والفقد والظمأ إلى الحب والأنس" أنا الآن عجوز يا أمي، أربعيني عجوز، ووحيد كآدم قبل أن يخلق الله له حواء من ضلعه، أذكر ضلعك، أحِسّ به رغم البعد، لا تملكين سوى قلبٍ يغلفه ضلوع، والكثير من العظام، دافئة كقلبك، وأنا الآن أشعر بالبرد والوحدة"
وفي قصة " الأتوبيس" خطر لي أن أعود إلى البيت لأستيقظ، لكن أحدهم لطمني لطمة قوية كدت أقع على هتلر الذي كان يجلس بجوار دراكولا ويلومه على مص دماء الأبرياء، لكني استندت على الكرسي وأنا أسمع صوت من لطمني: أنت مستيقظ أيها الغبي.. انظر للعالم من حولك" تلك الفقرة تلخص ما إل إليه العالم من عبثية تعمق أزمة السارد الذي راح يكابد التيه في هذا العالم المجنون.
وفي آخر قصص المجموعة " يونس": يقول: " وأنت جالس على كرسيك المتحرك – أنك لا تملك قدمين، لا تملك سوى ما لك، فاخلع قلبك يا يونس وألقه بيديك الفتيتين صوبها، تلقفه بطلف يليق بها، ثم اخلعك جزءا جزءا حتى تكتمل أنت فيها وتمتزجا، ويصير حلمك الوحيد، هدفك الوحيد سكنك الأبديّ" السارد هنا يستتر خلف شخصية يونس ليقدم ريًّا لظمئه ودواء لفقده وأنيسا لوحدته وجبرا لعجزه ألا وهو الفناء في المحبوب والامتزاج به. لكنّه على ما يبدو عجز عن تحقيق هذا الحلم السرمديّ فعاد يقول في الفقرة الختامية المطبوعة على الغلاف الخلفي: "مخلوق من طينة مالحة أنا، أكاد أجزم بذلك، المأساة أن قريتي في الصحراء بعيدة تمامًا عن أيّ بحر، لكني قررت ذات يوم صنع مركب، وجلست بجواره أدعو الله أن يأتي الطوفان.. وليكن مالحا يا الله." السارد هنا قرَّر أن يقاوم القبح الجاثم على صدر العالم بالحلم. وثمة تناص مع قصة نوح عليه السلام لكنه تناص بتصرف فهذا العالم الكئيب يحتاج إلى طوفان جديد يحمل بشرى الخلاص للأنقياء المعذبين، خلاص بسعة البحر.
توظيف التراث النوبي:
استدعى السارد في قصة " عديلة" الأغاني النوبية التراثية، ورقصة الأراجيد النوبية، وعطر (الصندل) النوبي، وكلمة (أوشي) التي تعني بالنوبية عبد أسود وفي قصة "صندوق البريد" استدعي حكايات الجدة آمنة صالح باسمها النوبي " حجيوية"، وفي قصة "تبدل" استدعى الأغاني السودانية وشجرة النيم النوبية، والمستحضرات العطرية النوبية ( الدلكة) وفي قصة " طبق ألمونيا" استدعى أكلة البسيسة النوبية المصنوعة من القمح والسمن. وفي ذلك رسالةٌ تشي بتشبث الكاتب بجذوره وفطرته. واستدعاء التراث النوبي يكسب السارد صوتا سرديا خاصا، ويكسب النصوص نكهة مميزة، ويضفي عليها الحميمية والصدق الفنيّ.
يقول: "عديلة ووه ولا إن فجلي" (الله يعدلها عليك سأتذكرك كثيرا)
"بلداتا فاين موقيكا جلي" (تذكري البلد الذي تركته خلفك)
"نورن موقوكن جوابا فايي" ( أستحلفك أن ترسلي الجوابات دائما)
المكان:
يقول جاستون باشلار: " إن المكان ليس مستودع الذكريات بل مرآة الأفراح والأحزان" والمكان في المجموعة ليس مجرد خلفية للأحداث إلى بل بطل رئيس، وكائن حيّ يؤثر في ذوات الشخصيات ويتأثر بها، ويشارك بفاعلية في تشكيل التجربة؛ ففي قصة "آدم آيل للسقوط" يتماهى شرخ الجدار مع حالة التصدع الداخلي ومع أحزان السارد الناتجة عن فقد أمه، فكلما زادت الأحزان وتملك السارد اليأس ازداد الشرخ حتى صار الجدار آيلا للسقوط تماما مثل آدم/السارد ذاته.
وفي قصة " سقوط متكرر لرجل خائف" يتحول حمام السباحة الصغير إلى مصدر للخطر والفزع يغرق فيه الراوي المشارك رغم أنه اعتاد عبور النهر، وكعلامة سيميائية يرمز حمام سباحة الأكوا بارك إلى الحياة العصرية التي حملت للإنسان الرفاهية لكنها سلبت منه الشعور بالطمأنينة والأمان، ويرمز مصدرا الأمان: النهر والحبل العتيقان إلى الأصالة، وفي ذلك رسالة ضمنية مفادها أن الطمأنينة والأمان في التشبث بالهوية والجذور. وفي قصة " عديلة" تصبح التعريشة والدكة مصدري الأنس ومعينين على تحمل آلام الفقد التي يشعر بها بشير وموضعي الترقب والأمل في عودة الحبيبة الغائبة (آمنة صالح) وتصبح القرية فضاءً خانقا بدونها، وفي قصة (تبدل) تترك مفارقة المكان بعد تهجير أهل النوبة بسبب بناء السد العالي ندوبا وكسرا في الروح وتكسب هجرة الولد أرضه وإقامته في القاهرة قلب الولد وعينيه حدة وقسوة على والديه.
وفي قصة " صندوق البريد" يتحول البيت من ملاذ إلى بقعة تنفر الطفل وتشعره بالاغتراب من جراء قسوة الأب.
الجسد والاعتراف:
يحضر الجسد في أكثر من قصة من قصص المجموعة ففي قصة " آدم إيل للسقوط" الحديث عن الجارة التي تكبر الراوي بعشرين عاما: " منحتني جسدها أنا الطفل الذي لا يعرف الجسد، ارتبكت، لم يكن لجسدها رائحة الفانيليا كان أشبه برائحة النار والعطور الرخيصة" الجسد هنا أصبح موضوعًا للاكتشاف وتشكيل الوعي، اللذين ارتبطا بالصدمة والانتهاك وسلب البراءة.
يحضر في تلك القصة ما يطلق عليه أدب الاعتراف، والكاتب إذ يركن إليه لا يقدم سردا مثيرًا للغرائز كما قد يتوهم البعض لكنه يحيل الجسد إلى قضية فلسفية فالجسد تعدى كونه مصدرا للمتعة إلى كونه موضع ورطة وجودية وموضع امتحان، ومصدر قلق دائم بما قد يقترن به من الشعور بإثم الخطيئة، وتأنيب الضمير وسعي الإنسان للتطهر، وهنا تحضر المقارنة بين المادي والروحي اللذين يتنازعان الإنسان منذ القدم. ويحضر الجسد بشكل مغاير في قصة "سقوط متكرر لرجل خائف" حيث يصبح الجسد مصدرا للشقاء والتعاسة، وموطنا لاختبار الراوي المشارك الذي يعاني من الضعف الجنسي، والذي يترك عدم نجاحه في تجربته مع إحدى النساء قبل الزواج آثارها النفسية العميقة التي تؤثر على تجاربه مع زوجته؛ لتنتهي القصة بمأساة شكه في نسب ولده إليه وتلميحه إلى شكه في سلوك زوجته. يقول الكاتب: " ثمة يد فتية تنتشلني إنها يد علي، ابني الأكبر أو كما قالت عائشة إنه ابني، عليّ لا يشبهني في شيءٍ. جلستُ على طرف حمام السباحة خائفًا أحدّق في الأشياء من حولي خائفًا".



الاقتباسات:
ضفَّر الكاتب قصة "آدم آيل للسقوط" ببعض الاقتباسات لبابلو نيرودا " الأرواح التي تستعيد نفسها بنفسها أرواح قوية" و بيلار جوميز " أنا لم أقم بأي خطيئة ضد مجتمعكم، كل ذنبي أنني موجود في هذا العالم" ومالكوم إكس " إن أردت شيئا من العالم فدعه يسمع ضجيجك" هي اقتباسات أراها كبسولات فلسفية مركزة تحتوي على عصارة تجارب طويلة، لم يكتف الكاتب بها، بل نسج على درب أصحابها، أضاف كبسولته الفلسفية الخاصة قائلا:" في اللحظة التي يولد فيها المرء فإنه متورط، لكن التجربة الأولى ستغتال براءتك، وستتخلى عن جثتها عند المنعطف الأول" فكأنما أراد الكاتب أن يجري حوارا عالميا؛ ليدلل على أننا إزاء أزمات وجودية تستغرق البشر جميعا بغض النظر عن أوطانهم وأديانهم وأعراقهم وأجناسهم وألوانهم.
الشخصيات:
تتصف شخصيات المجموعة جميعها بأنها شخصيات مأزومة تكابد الفقد والانكسار ففي قصة " آدم آيل للسقوط" الراوي المشارك يعاني من القلق والانكسار والتشظي والفقد، وفي "سقوط متكرر لرجل خائف"، تكابد الشخصية سلسلة من السقطات والفشل المتكرر جسديا ودراسيا ووجوديا الأمر الذي صار معه الفشل نمط حياة.
وفي قصة "عديلة" يكابد بشير مرارة فقد الحبيبة التي حرم منها طوال عمره بعد زواجها من جمال الكاشف لاعتبارات عنصرية خاصة باللون، ولفوارق اجتماعية خاصة بالفقر، وتتعمق المأساة بسفر آمنة صالح إلى القاهرة؛ فيكابد بشير إلام انتظار عودتها، ويصير أقصى أمانيه أن يدفن في قبر يجاور قيرها، وفي قصة " تبدل" يكابد الزوج آلام فقد زوجته تامة الزين ويكابد قسوة ابنه الذي بدلته الأيام. وفي قصة "ربما تضحك"، تبرز معاناة الأختين هند ومريم اللتين تكابدان الفقر وآلام العنوسة والحرمان الجسدي، وتتعقد المأساة بموت مريم؛ فتترك أختها نهبًا للوحدة.
وفي قصة "صندوق البريد"، نبصر العالم بعيني طفل، حيث تتجاور البراءة مع العنف والخوف، هنا يحاول الطفل بفطرته النقية أن ينخرط في علاقة روحية مع الله كبديل يعوضه قسوة الأب. وفي قصة "أفيش" يظهر أدهم بائع المناديل الذي يهرب من فقره بتقمص شخصيات أبطال النينجا والأبطال الخارقين للفيلم الوحيد الذي سمحت له ظروفه الاقتصادية القاسية بمشاهدته في السينما، لكنه يصدم بموت أمه، الأمر الذي عده خذلانًا من أصدقائه الأبطال الخارقين الذين تركوها تموت دون أن يمدوا لها يد المساعدة، هنا تطغى نظرة التشاؤم التي ترى أن لا خلاص من هذا الواقع الكابوسي وأن الخيال محض وهم. وفي قصة "رحيل" تبرز معاناة الأسرة من سلوك الأب الذي يتظاهر بالقسوة في العلن؛ ليهيئ ولده وابنته وزوجته لمواجهة قسوة العالم بعد موته بينما هو وفي مفارقة مؤثرة يتصف بالحنان والعطف والرحمة التي يظهرها أثناء نوم أسرته. وفي قصة "تخلع الضروس بابتسامة" يتغلب الراوي المشارك على آلام خلع ضرسه بابتسامة الطبيبة وحسنها حيث يصير اللطف والجمال مقاومان فعالان للألم مهما كان مبرحًا.
ميكانيزمات دفاعية:
لجأت الشخصيات إلى عدة حيل دفاعية؛ حتى تتمكن من تحمل ما تكابده من آلام نفسية مبرحة، منها الانسحاب إلى الداخل، وإطلاق العنان للخيال وكسر المنطق السائد، وإعادة استحضار الذكريات المؤلمة للتنفيس عن المكبوتات، والسخرية والركون إلى الرسم الكاريكاتيري للشخصيات مثل قصة الأتوبيس حيث يستدعي الكاتب نجيب محفوظ ولكنه هذه المرة يعمل سائقا للأتوبيس يضع الفوطة الصفراء حول رأسه، وماركيز يعمل محصلا للتذاكر وتوفيق الحكيم يجلس بجوار مهراجا هندي حتى يدفع له ثمن التذكرة وهتلر يؤنب داركولا على مص دماء الأبرياء والملك خوفو الذي ينضم لركاب الأتوبيس والمرأة المثقلة بالذهب التي في أمس الحاجة لحفنة دقيق، هذه السخرية كما أشرت سابقا تعد وسيلة للتعبير وحيلة لتحمل تناقض ومرارة الواقع وعبثية وقسوة العالم،
التكثيف:
تتميز القصص بالتكثيف البنائي؛ إذ نلمس بلاغة القصر؛ وحذف الزوائد وعدم الترهل والإسهاب؛ إذ تبقى القصة القصيرة مذهب القلة، وكل قليل عزيز يناهض تهويمات البدانة والسيولة والترهل، وتبقى كبسولة حية حارة مضغوطة تقول ما تعجز عنه الصفحات الطويلة المسهبة، وتبقى الندى لا المطر، القبس لا النار، الحذف لا الإضافة. وتتميز قصص المجموعة بالتكثيف الدلالي أيضا؛ فالنصوص موحية مفتوحة دلاليا تحتمل أكثر من تأويل، وقيمة ذلك تظهر فيما قاله القاص الفنزويلي لويس بريتو جارسيا: " يبدأ التواصل حيث ينتهي الحشو، وتبدأ الكتابة والغواية حيث يبدأ الإيحاء". نلمس التكثيف البنائي والدلالي في قصص كثيرة، منها " دندنة" و" عصفور الكهف" و" يوميات ضفدع" و " أفيش" و إجراء احترازي" و" زهرة" و "لوحة فارغة لفنان كبير"، حيث يقول: "ثلاثة أقمار وليلة وحيدة. هكذا سمّى اللوحة الرسام الكبير، واللوحة بيضاء، لوحة بيضاء كما اشتراها، وضعها في برواز خشبي أنيق، ووضع توقيعه. قال ناقد كبير: نحن أمام لوحة عبقرية، تجسد الوحدة والفراغ الذي لم تستطع الأقمار الثلاثة أن تملأهما. فقط حين تُطفأ الأنوار في القاعة، تنزل الأقمار الثلاثة المنهكة، وتملأ فراغ اللوحة صخبًا وبهجة، ساعتها فقط ترتسم ابتسامة رضا على شفاه الليلة التي كانت تعاني الوحدة"
اللغة والشعرية المجالية وشعرية الحالة:
تميزت لغة المجموعة بالدفء والحميمية والانسيابية وعدم التكلف، وهي لغة تجنح في بعض المواضع إلى الشعرية التي تعتمد على الانزياح أي كسر المألوف بين الألفاظ والجمل لتوليد صور طازجة تحقق الدهشة والمتعة وربما يتخطى الانزياح اللغة فيطال عنصر آخر من عناصر البنية السردية، وهو عنصر المكان؛ فيتحقق الانزياح المكاني أو ما يعرف بالشعرية المجالية التي لا تتوقف على العلامات الطبوغرافية أو الجغرافية للمكان، وحسب بل تعيد إنتاج المكان وفق الحالة النفسية والشعورية للكاتب من منطلق أن نظرتنا للأماكن والأشياء تختلف يقينًا من عين لعين بل تتباين لدى الشخص الواحد باختلاف حالته المزاجية والنفسية والثقافية.
يقول الكاتب في قصة "في انتظار بحر": " الصياد أسمر كأرض عتيقة، وطويل كنخلة مريم، يحمل في عينيه شوق البحر، ويشمم رائحته القصية، يحكي الصياد لمايو الطيب عن بحر لم يره منذ أكلته الصحراء، عن رائحته، وزرقته وموجه، جلس مايو بجوار الصياد في انتظار بحر لا يأتي، كان يفكر بجدية أن يرسل عنوان الصياد للبحر البعيد، ربما يصل يومًا ما من أيام أبريل، لكن أبريل يكذب، هكذا فكر مايو الطيب، الأسهل أن تذهب للبحر، لكن الصياد الطيب أصر أن ينتظر البحر، ما الذي يضير العالم لو زادت البحار بحرًا واحدًا، بحرًا واحدًا فقط، لكن الصحراء أبت، وحيوانات الصحراء خافت الغرق."
شعرية الحالة:
وتجدر الإشارة إلى أن ثمة مستوى أشمل وأعم من الشعرية قد تحقق في تلك المجموعة ألا وهو شعرية الحالة؛ إذ ركز ياسر سليمان على اللحظات النفسية والأحاسيس الداخلية والومضات الشعورية للشخصيات بدلا من التركيز التقليدي على تعاقب الأحداث والحبكة، وكسر الزمن الخطي التقليدي وكثف اللغة واعتمد على اللغة الإيحائية والرمز والمشهدية النفسية والحساسية حتى في تلك المواضع التي تخلى فبها عن اللغة الاستعارية واستخدم لغة حياتية لم يتخل عن الشعرية إذ أطلق العنان للطابع الكنائي الموحي بطبعه؛ ففجر الشعرية من اللاشعري، الأمر الذي حول قصصه إلى ما يشبه قصائد النثر.
يقول في قصة "شبح": " كلما تقدم بك العمر، تقوقعت في ذاتك، تمضغ ذكرياتك وحيدًا، تعلم الآن أنك عجوز، تتحرك ببطء بينما العالم يتركك من خلفه ويعدو سريعًا، رائحة الأشياء اختفت، سخطك على العالم ربما ظل كما هو، لكن تقبلك للأشياء جعله يبدو أقل وطأة، ذاكرتك خانتك، وفرّت بعيدًا لسنوات طويلة، تمكث وحيدًا في شقتك في الطابق الثاني بعد أن رحل الجميع، فقط شبح زوجتك ظل مخلصًا لك، يقدم لك شاي المغرب، في البلكونة مع ابتسامة رائقة تحتفظ بها لأيامك القليلة القادمة."
تفاوت مستوى اللغة:
ثمة مستويان للغة في نصوص المجموعة:
***مستوى تتميز فيه اللغة بالكثافة والتوتر وقصر الجمل، وبخاصة المواضع التي تتداخل فيها الذاكرة بالحلم والجسد بالمجاز يقول في قصة: " زهرة": " الزهرة في إصيص، والإصيص في حلقة مثبتة، والحلقة في شباك، والشباك حين تطلّ كأنه كوكب دري، يُوقِد قلوبَ الناظرين، والناظرون كثر، الهائمون كثر، كلّ من فاز بنظرة نجا، كل من فاز بنظرة هلك".
*** ومستوى تتميز فيه اللغة بالعفوية وطول الجمل وامتدادها الأمر الذي أحدث التدفق الشعوري، الذي أسهم في تحقيق الصدق الفني والتأثير العاطفي. نلاحظه ذلك في قصص "آدم آيل للسقوط" و " سقوط متكرر لرجل خائف" و "عديلة" و"تبدل" و "ربما تضحك" و "صندوق بريد" وغيرها.. يقول في قصة "آدم آيل للسقوط": " عندما أتممت السادسة عشرة قابلتها، بيضاء كحزمة ضي، كانت من قرية بعيدة، رأيتها في فرحٍ في قريتها، كانت ترقص كمهرة شرسة، لازمها خيال، قلت؛ فدنوت، مأخوذًا بعينيها دنوت، مشدودًا بسحر خطواتها دنوت، واحتوتني بعد أن اقتحمت كياني رائحة جسدها، فصرت كمن يسبح في غيمة من فانيليا، واحتوتني؛ حتى كأنما عدتُ لبطنك يا أمي"
الأنسنة Humanization))
في قصص: "اخر ما قالته المنفضة" "كرسي لا يشبه شجرة" ."هكذا تحدث سور البيت الحديدي" "يبيع الشاي والذكريات" و " كلما هفه المسك" و" شجرة ضخمة تدهس عربة كبوت تافهة " و"يوميات ضفدع" وغيرها أنسن ياسر سليمان الأشياء مثل الدكة والمنفضة وسور المنزل الحديدي وطبق الألمونيا والكرسي، وأنسن الكائنات غير العاقلة كالضفدع وأنسن النباتات كالصبار والشجرة وأنسن الأماكن كالصحراء والبحر، يقول الكاتب: : "حين قرر الضفدع أن يكتب يومياته، خاف الناس في القرية، أولئك الذين يسهرون قرب الترعة، يعرفهم الضفدع جيدًا، ويعرف أسرارهم، حكاياتهم السرية" و ويقول : "كان الصبار يجهز نصبته الصغيرة منحني كوبا من الشاي، وعرض عليَّ
*** وتعد الأنسنة حيلة دفاعية حاول من خلالها الكاتب أن يستمد أنسه، وأن يخفف آلام فقده وشعوره بالاغتراب بمنح الأشياء والأماكن صفات بشرية، وساعده ذلك في شحن نصوصه بطاقة شعرية؛ إذ إن الأنسنة تضفي على النص التوتر والديناميكية واللمسات الإبداعية والخيالية؛ والديناميكية والتوتر والخيال هي روافد أساسية تلامس روح الشعر. كما أن كسر الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال مكنت السارد من خلق عوالم قصصية مبتكرة تتخطى النماذج المستهلكة.
السرد العجائبي (Fantastic Narrative) والجنوح إلى التجريب:
إن القصص التي اعتمد فيهة الكاتب على الأنسنة لا تخلو من الملمح العجائبي بالإضافة إلى قصص أخرى لم تعتمد علي الأنسنة، لكنها كسرت المنطق السائد وخرفت المألوف فاندرجت تحت السرد العحائبي ومنها قصة " السيد دوبي" " ضحكات معلقة في السحاب" وقصة "رأس ملئ بالخيبات" حيث يقول: "كان على الطفل أن يركل الكرة، الكرة كانت رأسا قديما لعاشق" و يقول: "ثمة خزانة للضحكات الصفراء والرمادية وحتى السوداء منها، وخزانة للابتسامات النقية والبلهاء والطفولية" و يقول في قصة " السيد دوبي": " خرج تحوت.. كما يليق بإله خرج.. جولاته في المعابد أرهقته هو الآن مجرد شبح مجهد، يحتاج لجسد، جسد صغير غير آدمي.. قرر الإله القديم أن يسكن جسد الدبدوب الصغير"
الجنوح إلى التجريب:
إن لجوء الكاتب إلى كسر المألوف والمنطق وجنوحه إلى التجريب في كثير من قصصه نابع من رفضه الواقع برمته ومن ثم تمرده عليه ومحاولته تشكيل عوالم مغايرة مبنية على منطقها الخاص، ونابع أيضا من عدم قدرة الأنماط الكلاسيكية القديمة على استيعاب ما آل إليه العالم من تعقيد وضبابية وعجز قوالبها المستهلكة عن التعبير عمَّا اعترى الذات البشرية من انكسار وتشظي واغتراب وآلام نفسية مبرحة. ونابع من اتكاء النماذج الكلاسيكية على رؤية يقينية حاول فيها الكتاب إعادة إنتاج العالم وفق مفاهيم مستقرة ونماذج أخلاقية ثابتة ولكن كتابة ما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة تنبع من رؤية غير يقينية تتماهى مع حالة السيولة الثفافية والضبابية والشك، والكاتب هنا إذ يتصف بالصدق الفني كان لزاما عليه أن يجنح إلى أنماط مغايرة تعبر عن رؤيته وفلسفته.
الزمن النفسي والتداعي الحر والاسترجاع:
تعتمد كثيرٌ من قصص المجموعة على سرد غير خطيّ، ومرجع ذلك استخدام الكاتب لتقنيتي التداعي الحر و(الفلاش باك)/ الاسترجاع الأمر الذي نتج عنه تفكيك الحبكة وتداخل الأزمنة والأماكن والذكريات التي تتحد مع اللحظة الراهنة في نسيج واحد؛ فتتلاشى الفواصل الحادة. ففي قصة "آدم آيل للسقوط" على سبيل المثال يتشظّى الزمن عبر تداعيات الذاكرة، وتظهر صورة الأم و الجدار و الشرخ، والرغبة والتجربة الجسدية… كلها تظهر كطبقات متراكبة لا كسلسلة متتابعة.
هذا التفكك الزمني يعكس حالة القلق والتوتر واهتزاز وعي الشخصيات. والخلاصة أن الزمن في كثير من قصص المجموعة يتحول من كونه وعاء ظرفيا إلى حالة نفسية أو إلى ما نطلق عليه الزمن النفسي؛ فما تستدعيه الذاكرة لا يُستعاد لأنه حدث أولًا، بل لأنه الأكثر إيلامًا أو حضورًا بما يتماهى مع الحالة النفسية للسارد.
كلمةٌ أخيرةٌ:
لقد وظَّف ياسر سليمان جميع عناصر البنية السردية لقصصه لخدمة السرد النفسي؛ كي يكشف عما يعتمل في أعماقه من أسًى صبغ نصوصه بصبغة حزينة قد تبدو شديدة القتامة في بعض المواضع التي تشي بسيطرة اليأس على روح السارد ، لكنه رغم شدة الألم ونبرة التشاؤم لم يحرمنا من كتابة سردية تحمل إلى قارئها قدرا من الرهافة والحساسية والمتعة التي سوف يستشعرها القارئ شريطة تأمل النصوص بعينين فاحصتين لاستجلاء المخبوء بين السطور من رسائل ضمنية والوقوف على سمات تجربة إبداعية، تتماس بفضل ما بها من صدقٍ فنيٍّ مع أوجاع الآخرين، تلك التجربة التي تبرهن على قدرة الخاص الغارق في المحلية على تخطى الحدود الجغرافية، التحول إلى عامٍ، يعبر عن آلام كثير من البشر بغض النظر عن تنوع ثقافاتهم لغاتهم وأوطانهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...