عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

عندما قرأت اليوم خبر نعي المحدث الحافظ محمد أبو الفضل رحمة الله عليه ، تسللت إلى الذاكرة صورةُ رجل كان مكتبة تمشي على قدمين ، المحدث، الواعظ، الخطيب الذي كانت كلماته تُوقظ فينا ما نام من شغف العلم، وما خمد من لهيب المعرفة.



أذكر يوم ناولني مسودة كتاب "تقييد المهمل وتمييز المشكل"، لصاحبه أبو علي الغساني وكان قد اشتغل على تحقيقه لسنوات ، وقال بهدوء العارف بثقل الأمانة: أريدك أن ترقنه على الآلة الكاتبة من أجل تسليمه للمطبعة ، لم تكن مهمة ، بقدر ما كانت امتحانا للصبر، وطقسا من طقوس العبور.
آلة كاتبة باردة، ونصوص حارة تنبض بأسانيد طويلة، وتراجم تتشابه حتى تضل فيها العين، وهوامش كأنها غابة من الإحالات، ومصطلحات من عوالم الجرح والتعديل، لا يطرق أبوابها إلا من أوتي مفاتيحها.
كنت أكتب ، لكنني في الحقيقة أرحل من راو إلى آخر ، من طبقة إلى أخرى ، من مخطوط لم ير النور، إلى حاشية كادت تُنسى ، كنت أتعلم دون أن أشعر، وأكبر دون أن أدري ، وكأن الأستاذ كان يريد أن يطبع فيّ شيئا لا يُمحى.
اليوم، وقد غاب صوته، أدرك أن بعض الرجال يتحولون إلى أثر في الكتب، وإلى بصمة في من لمسوا طريقهم.
تذكرتُ ذلك اليوم من تسعينيات القرن الماضي عندما جاءني ، كأنه يحمل كتابا كاملا في ذاكرته، يريد أن يُمليه كما فعل ابن بطوطة مع ابن جزي.
لكنني اليوم، أمام رحيله ، أدرك أن أعظم الكتب ، هي تلك التي تُكتب في القلوب، لا على الأغلفة.
رحمك الله يا أستاذي ، كنتَ تُملي علينا الحياة، لا الكتب فقط ، وها نحن نحاول أن نرتّب ما تبعثر من حضورك بين الرفوف، فلا نجد إلا فراغا يشبهك.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...