د. نورة بنيحيى - يوميات طبيبة

.. كانت مصلحة المستعجلات ممتلئة عن آخرها, و كل طاقمها عبارة عن طبيبة واحدة و ممرضة, لا يهم الزمان و لا المكان.. و الطبيب يقوم بتغطية جميع مصالح المستشفى Medecine-Chirurgie, Maternité et Suites de Couches.. أعداد هائلة تتوافد, منها المستعجل و منها البارد و منها من يرتاد المصلحة من أجل الشواهد الطبية ووو.. و مع كل هذا و ذاك تتعالى صيحات الأمهات اللواتي يعشن ألم المخاض.. لا يقطعه سوى صوت المولدة التي تعبت من كثرة المتوافدات على مصلحة الولادة, و التي لإخراج ضغطها من كثرة العمل تفرغه في جهاز الهاتف الذي لا تتوقف عن استعماله مرددة نفس العبارة " عيطوا لي للطبيبة pour avis", الطبيبة تجري من مصلحة لأخرى قصد تلبية احتياجات الجميع.. مشاكل لا حد لها و إمكانيات منعدمة.. الجميع يصرخ و يطالب بتقديم العلاج له أولا.. حتى صاحب التهاب اللوزتين يوجه لك السباب لأنك فضلت تقديم العلاج لشخص تدهورت حالته بسبب لسعة عقرب و ليس بينه و بين l'arrêt cardiaque سوى لحظات, حتى أنه و خلال حراساتي المتعددة كنت أراه فوق رؤوس مرضاي كل مداومة.. في خضم كل ذلك أسمع أصواتا مرتفعة و أنا على وشك الدخول لقاعة استراحة الأطباء, رجلاي تؤلمانني و أشعر بالعياء الشديد, لكن قبل الوصول للممر المؤدي إليها, تتم المناداة علي, كانت إمرأة بلغت من العمر عتيا, و كما جرت العادة و نحن نقوم بنقلها أستغل الفرصة لطرح العديد من الأسئلة على أفراد عائلتها, بعد ذلك قمت بفحصها و إجراء التحاليل اللازمة, كانت حالتها حرجة و كانت تنظر إلي متوسلة أن أخلصها من وعكتها, قمنا بتركيب المحاليل لتصحيح الخلل الذي ترتب عن النقص في مجموعة من العناصر المهمة لجسدها الواهن.. بدأت تظهر عليها علامات الإستجابة للعلاج, طلبت من l'infirmier anestésiste , الذي أستغل الفرصة لأطلب من العلي القدير أن يرحمه برحمته الواسعة, أن يبقى بجانبها و أن يعلمني بأي طارئ, عدت لغرفتي التي لا تبعد سوى 3 أمتار عن المريضة, ألقيت بجسدي المتعب على السرير, لم يمض على ذلك سوى ثلاثة دقائق لأسمع الجميع يناديني, هرعت إليها لأجد أن قلبها توقف عن الخفقان, بدأت بسرعة شديدة في le massage cardiaque, و دون توقف طلبت منهم le défébrillateur, لا أحد يعرف أين هو لأنهم لم يسبق لهم إستعماله, تابعت عملي دون توقف, بعد مرور 20 دقيقة بدأنا نسمع نبضا ضعيفا جدا, كانت إمرأة شجاعة جدا, ليست هناك فرحة بالعالم تضاهي ما يشعر به الطبيب و الممرض في تلك اللحظة, خرجت للعائلة مزهوة بما قمت به, أخبرتهم و أنا سعيدة بأننا تمكنا من إنقاذ حياة والدتهم, صدمني هول ما اكتشفته, على ما يبدو أن الوالدة أصبحت عبئا عليهم و الجميع ينتظر رحيلها, دخلنا في جدال لن أتكلم عنه لفظاعته, و قبل أن ألقنهم درسا تمت المناداة علي من جديد, توقف القلب من جديد, سارعت إليها لنعيد العملية من جديد.. massage cardiaque, لحسن الحظ أننا قمنا في المرة الأولى بوضعها تحت التنفس الصناعي و ما إلى ذلك من أدرينالين.. وصل الجهاز الصاعق, طلبت منهم برمجته على الشحنة الأضعف.. قمت بصعقها أو على الأقل كان ذلك أملي.. الجهاز كان معطلا.. يا إلهي ما هذا كله.. سيدة لم يعد أحد يريدها.. جسد واهن لكن شجاع..مستشفى لا يتوفر على المستوى الأدنى لعلاج مثل هذه الحالات un service de réanimation و مختبر يقدم جميع أنواع التحاليل التي نحتاجها.. سيارة إسعاف غير موجودة لأنها تنقل حالة أخرى.. تطلعت إليها و العرق يتصبب من جبيني و أنا لم أتوقف عن إتمام عملي, هذه المرة وصلنا ل 30 دقيقة دون نتيجة تذكر, الممرضة تطلب مني التوقف لأنه وقت إعلان الوفاة, ترددت.. ماذا أفعل يا ربي.. فجأة قررت الإستمرار دون توقف و أنا أحاول شحن فريقي عاطفيا, وصلنا للدقيقة 40 لتقرر السيدة الشجاعة أن تعود للحياة مرة أخرى, فرت دمعة دون إستئذان و مسحتها بسرعة, إستقرت حالتها بعد ذلك لأذهب و أبدأ في حرب أخرى و هي مكالمة جميع رؤساء الجماعات حتى يبعثوا لي سيارة الإسعاف.. كانت إجاباتهم كلها بالرفض كأن القدر يلاعبني, كلمت المسؤول و طلبت منه أن يتحمل المسؤولية, إن لم يكن هناك فسيكون بالحياة الأخروية, كنت منفعلة جدا و غضبي لا حدود له.. لا إدارة..لا منتخبين..لا أسرة.. فيا ترى نحن نسير إلى أين.. رنت السابعة مساء, كانت نهاية مداومتي. جاءت زميلتي التي كانت أقرب صديقة.. أعطيتها la passation de consignes.. وصلت سيارة الأجرى, لم أكن أمتلك سيارة ساعتها.. و قبل أن أجلس بالكرسي الخلفي تبعتني عائلتها تعتذر.. أجبتهم قائلة " أتمنى ألا يأتي عليكم اليوم الذي تذوقون فيه هذا على أيدي أولادكم " و لم أمهلهم الوقت لأنني أغلقت الباب.. وصلت لشقتي ميتة من التعب و كعادتي بعد كل مداومة خلعت ملابسي و رميتها قرب الباب لأدخل للحمام و أبقى مدة طويلة جدا تحت الماء الدافئ, و بعدها أرمي بجسدي فوق سريري لكي تبدأ الكوابيس التي استكثرت علي أن أرتاح في منامي.. هذه نبذة صغيرة مما يعانيه الطاقم الطبي و الشبه الطبي, أثناء تأديتهم لأعمالهم, قد تكون واقعية أو مجرد خيال أو هلوسةطبيبة في آخر الليل..

***



.. إذا رأيته ظننته مسكنا مهجورا, تخلى عنه صاحبه, فهو لا يشبه بأي حال من الأحوال ما يمكن أن يطلق عليه مركزا صحيا حضريا, و رغم موقعه الذي يجعله يسيل لعاب المقاولين المتعطشين للربح, و احتلاله المرتبة الثالثة حاليا, و الثانية سبقا قبل هدم البيوت الصفيحية في لائحة المراكز الصحية على صعيد مندوبية عين السبع الحي المحمدي, إلا أن ذلك لم يشفع له لدى السيدة المندوبة و رئيس المؤسسات الصحية لكي يوليا إليه الإهتمام, في بعض الأحيان أراه كأم عازبة تخلت عنها أسرتها و رمتها للمجهول دون أدنى رحمة أو شفقة, فهو من كثرة الإهمال أصبح قبلة للصوص و للراغبين في وصفات الأدوية التي تستعمل من طرف المدمنين, لأنه كما الآخرين يعلمون أنه يمكن الاعتداء على الموظفين مرات و مرات دون الخوف من العقاب, لازلت أتذكر تلك الممرضة الشابة التي كانت مفعمة بالحياة, و التي تعرضت للاعتداء داخل المركز الصحي و سرقت و هددت بالاغتصاب دون أن تحرك الإدارة ساكنا مرتين على التوالي, فاضطرت المسكينة لترك الوظيفة خوفا على حياتها, و لم يبق من الجسم التمريضي سوى ممرضة واحدة تعاني الويلات يوميا, رغم أننا نحاول جميعا التخفيف عنها إلا أنها أصبحت في الآونة الأخيرة تهدد بالتقاعد النسبي, الطبيبة الرئيسة هي الأخرى لم تسلم من الاعتداء, و إثر هجوم أحد المرضى عليها كسرت نظاراتها, و ككل مرة فضلت الإدارة أن تصم آذانها, كأنها في واد آخر و كأنها عينت لشئ آخر غير تدبير هذه المؤسسات الصحية, في الأشهر الأخيرة دخل لص في الساعات الأولى من الصباح و قام بسرقة قرص الكاميرا و الشاشة, اللذان كلفا المندوبية مبلغا هاما من المال العام , و لا واحد من المسؤولين تكبد العناء لزيارة المركز, لزمنا الصمت و رغم مراسلات الطبيبة لا شئ تغير سوى تدهور نفسية العاملين, الذين رضعوا من ثدي الخوف, قلت مع نفسي لألزم الصمت أنا الاخرى فهذا الوطن يكره من يطالب بالإصلاح, لكن اليوم و بعد الإعتداء على امرأة مصابة بالسكري يفوق سنها السبعون السنة كانت تنتظر خروج المريض من مكتبي كي تدخل, و قام سرقة هاتفها الخلوي داخل المؤسسة, التي من المفروض أن الدولة توفر الحماية لموظفيها و مرتفقيها, و محفظة مريضة أخرى تنتظر أن تنهي الطبيبة الرئيسة الفحص بالصدى , جعلني أشعر بالاشمئزاز من نفسي, هل أصبحت أخاف أنا الأخرى, أيمكن أن أرى سيدة في أرذل العمر يعتدى عليها دون أن أفعل شيئا, فقط خوفا مما سيقال عني و هم الذين ينادونني بالطبيبة المشاغبة, في الأخير اتصلت بعميد الشرطة, الذي أرسل الدراجين على وجه السرعة و ألححت على الطبيبة الرئيسة من أجل المطالبة بحقنا الدستوري في ممارسة عملنا في أمن و أمان, المسكينة من كثرة ما تعرضت له من طرفهم من عرض على اللجنة التمهيدية في خرق سافر للقانون و تكوين لجان للضغط عليها من أجل التوقيع على وصولات تتعلق بصفقات الصيانة, لم تستطع أن تقبل طلبي إلا بعد توسلي إليها, و بعد ذهابنا لرؤية المسؤولة, أخبرونا أنها تستفيد من إجازتها السنوية,و بعد الحاحي استقبلنا رئيس المؤسسات الصحية الذي لجهله بالقوانين أجابنا بأن الميزانية لا تكفي و أنه علينا ألا ننتظر منه شيئا, المثير للضحك هو أنني بحكم تقلدي للمسؤولية فيما مضى أنا متيقنة أنه لا يعرف عن الميزانية شيئا, لأن أغلب المناديب إن لم أقل كلهم يجعلون من هذا الموضوع سريا جدا, حزنت أكثر لأن المسؤولية تولى لغير أهلها, لذلك قررت أن أطرق جميع الأبواب لإعادة الاعتبار لهذا المركز الصحي الذي اخترته بعد اعفائي من مهامي لكوني قد سبق لي أن تمرنت به في السنة السابعة, و لن أخاف شيئا لأنني أومن بأن الخوف من الله عز و جل و ليس من أحد غيره

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...