عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

هذا المساء ، إحدى السيدات غادرت المكتبة بعدما تركت خلفها شيئا خفيفا لا يُرى، لكنه يثقل القلب؛ غصّة صغيرة، كأنها كلمة لم تُقَل في وقتها، أو ابتسامة تأخرت ثانية ففقدت معناها.
كانت قد سألتني عن كتاب قديم لجلال السيوطي، تحمل في هاتفها صورة غلاف بعثها إليها أحدهم، وكأنها تحمل أمانة لا تخصها وحدها ، فأخبرتها بأن تلك الطبعة بعينها غير متوفرة، ثم سارعت بنية طيبة لا شك فيها ، إلى أن أعرض عليها بديلا: طبعة جميلة في جزأين، تليق بالقارئ وبالكتاب معا. دعوتها أن تلتقط لغلافه صورة وترسلها، ليكون القرار لمن طلب.
توقفت لحظة ، ثم سألتني: وما الفرق بين الطبعتين؟
كان سؤالها بسيطا ، لكنني على عجل لا مبرر له أجبت: هو من سيقرر، أرسلي له الصورة وسأشرح له الفرق بينهما .
لم يكن الرد قاسيا، لكنه لم يكن دافئا أيضا ، وكان قلبها ، على ما يبدو ،ينتظر دفئا .
نظرت إليّ بنظرة خفيفة الحدة، وقالت: ولم لا تشرح لي أنا؟ ألستُ أهلا لذلك؟
في تلك اللحظة، أدركت أنني أخطأت ، لكن بعد فوات اللحظة ، فهممت بأن أستدرك، و ألين العبارة، أعتذر لها .
لكنها كانت قد اختارت الصمت طريقا، وغادرت ، لكنني بقيتُ مفتوحا على هذا الشعور: كيف يمكن لحسن النية أن يتعثر في الطريق، فلا يصل كما يجب؟
كنتُ أود لو عادت ، لأقول لها بكل بساطة : لم أقصد أن أُقصيك عن الفهم، كنتُ فقط أود أن أختصر الطريق ، فأضعتُ المعنى.
بعض الزبائن يتركون وراءهم كتبا على الطاولة، وهذه السيدة ،تركت درسا في القلب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...