علي سيف الرعيني _|مفاوضات إسلام اباد هل ستفضي إلى إنهاء الحرب ؟

في مشهدٍ دوليّ تتقاطع فيه المصالح وتتداخل فيه الأزمات تعود مفاوضات الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى الواجهة، ليس بوصفها حوارًا ثنائيًا فحسب بل باعتبارها عقدةً مركزية في شبكةٍ معقدة من الملفات الإقليمية والدولية. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن حقًا تفكيك هذه الملفات المتشابكة، أم أن المفاوضات ستبقى رهينة التوازنات الهشة؟
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، دخلت العلاقات بين الطرفين مرحلةً من التصعيد المتدرج، شمل عقوبات اقتصادية خانقة وردودًا إيرانية تمثلت في توسيع البرنامج النووي ورفع مستويات التخصيب. ومع وصول إدارة جو بايدن، برزت محاولة لإحياء الاتفاق، لكنها اصطدمت بجدار من الشروط المتبادلة وانعدام الثقة المتراكم.
الملف النووي، رغم مركزيته، ليس سوى رأس جبل الجليد. فهناك ملفات أخرى لا تقل تعقيدًا، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني، والدور الإقليمي لطهران في دول كـالعراق وسوريا واليمن ولبنان. هذه الملفات تمثل بالنسبة لواشنطن وحلفائها تهديدًا مباشرًا لتوازنات المنطقة، بينما تراها طهران أوراق قوة لا يمكن التنازل عنها بسهولة.
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الداخلي لدى الطرفين. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، تخضع أي تسوية مع إيران لضغوط سياسية داخلية، خصوصًا من الكونغرس والتيارات المحافظة. أما في إيران، فالمؤسسة السياسية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، تنظر بحذر إلى أي انفتاح قد يُفسَّر كتنازل استراتيجي.
إضافة إلى ذلك، تلعب أطراف إقليمية دورًا مؤثرًا في مسار هذه المفاوضات، وعلى رأسها إسرائيل التي ترى في أي اتفاق غير صارم تهديدًا وجوديًا، وكذلك دول الخليج التي تسعى لضمانات أمنية واضحة قبل القبول بأي تسوية.
الواقع يشير إلى أن المفاوضات، وإن حققت تقدمًا جزئيًا، فإنها تميل إلى إدارة الأزمات أكثر من حلّها جذريًا. فالتعقيد لا يكمن فقط في تعدد الملفات، بل في تباين الرؤى حول ترتيب الأولويات: هل يبدأ الحل من الملف النووي ثم يمتد لبقية القضايا؟ أم أن الحل الشامل هو الطريق الوحيد لضمان استقرار دائم؟
في المحصلة، يبدو أن تفكيك جميع الملفات البالغة التعقيد في مفاوضات الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب ما هو أكثر من مجرد إرادة سياسية آنية؛ يحتاج إلى إعادة صياغة لمعادلات الثقة، وتوازنات القوة، ورؤية مشتركة لمستقبل المنطقة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل هذه المفاوضات تدور في فلك الممكن السياسي، لا في أفق الحلول النهائية!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...