عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب بين دفتي جيلين..

في هذا اليوم، فتحتُ باب المكتبة على موعِدين ، ظاهرهما مختلف، وباطنهما حكاية واحدة.
في الصباح، دخلها صغار بعيون واسعة كأنها رفوف لم تُرتّب بعد، تلاميذ مدرسة حرّة، جاؤوا ليكتشفوا كيف يولد الكتاب أصلا. حدثتُهم عن ذاكرة المكان، عن كتب مرّت من هنا وتركَت ظلّها، عن تعبِ الفكرة وهي تشقّ طريقها إلى الورق، وعن رحلة الكتاب من يد كاتب قلق إلى قارئ قد يجد فيه عزاءه ، كانوا يصغون كأنهم يلتقطون خيطا سرّيا يربطهم بعالم لم يدخلوه بعد ، لكنهم صاروا على عتبته.
وفي المساء، عاد الباب نفسه ليفتح على وجوه أخرى، أكثر نضجا، تحمل في ملامحها آثار القراءة وأسئلتها ، اجتمعنا حول الأديب والمفكر حسن أريد، وهو يقدّم روايته الجديدة "اللاّروب"، فامتلأ الفضاء بأصوات تعرف جيدا ثقل الكلمة وخفّتها معا، فكان الحديث هذه بداية الحكاية و عمقها، عن اكتشاف الكتاب و مساءلته.
بين صباح يتعلّم فيه الحلم تهجئة نفسه، ومساءٍ يُعيد فيه الحلم كتابة معناه، أدركتُ أن المكتبة لا تجمع فقط بين كتب مختلفة، لكنها بين أعمار تتعاقب على الفكرة نفسها ، فكرة أن نقرأ، كي نفهم، و نكون.
هكذا مرّ اليوم:طفولة تطرق باب الحرف بخفّة، ونضج يجلس معه طويلا وفي القلب، رسالة واحدة: أن الكتاب، مهما تغيّرت وجوه قرّائه، يظلّ بيتا واحدا للجميع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...