سعد عبد الرحمن - المناظرة القاتلة 2 حوارات ومواجهات

وقبل التعرض للمناظرة و ما اكتنفها انعقادها من ظروف و ملابسات لابد في البداية من التعرف على طرفي المناظرة الرئيسيين و كذلك راعيها و بعض من شهدوها و شاركوا في جزء منها من صفوة العلماء :

أولا : الكسائي .
—————
هو أبو الحسن بن علي بن حمزة من أصل فارسي ؛ و الكسائي لقب لقب به قيل لأنه حج محرما في كساء ، و يعد الكسائي إمام الكوفيين في اللغة و النحو بل يرى بعضهم أنه مؤسس المذهب الكوفي أو المدرسة الكوفية في النحو بالرغم من أنه – كما روى بعض من ترجموا له – قد طلب النحو كبيرا و قد تلقى علومه على أيدي المفضل الضبي و زائدة بن قدامة و الأعمش و معاذ الهراء و الخليل بن أحمد الفراهيدي و آخرين غيرهم ، و لم يكن مبرزا في اللغة والنحو فقط بل كان أحد القراء السبعة المشهورين و إليه انتهت رياسة الإقراء في الكوفة و قد شهد له بعلو كعبه في النحو و القراءات جملة من العلماء فقد قال عنه أبو بكر الإنباري : اجتمعت في الكسائي ثلاثة أمور كان أوحد الناس في علم النحو و أوحدهم في معرفة الغريب و أوحدهم في القرآن ، و قال عنه أبوعبيدة : ليس هناك من هو أضبط للقراءة و لا أقوم لها من الكسائي ، كما قال عنه إسماعيل بن جعفر و هو من أصحاب نافع الكبار : ما رأيت أقرأ لكتاب الله من الكسائي ، و قد عاش الكسائي سبعين سنة تقريبا
ويروى أنه مات في نفس اليوم الذي مات فيه محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان فقال الرشيد – و العهدة على الراوي – في ذلك : دفنا الفقه و النحو في يوم واحد ، و قد كان الكسائي كما يقول الذهبي عنه في ” سير أعلام النبلاء يتصف ” : بالتيه و الحشمة ؛ و علل ذلك بما ناله من الرياسة ، و قد نسبت إلى الكسائي عدة تصانيف منها : معاني القرآن و مقطوع القرآن و موصوله و النوادر الكبير و النوادر الصغير و اختلاف العدد و كتاب الحروف و كتاب الهجاء و غيرها ، و لكنا لا نعرف عن تلك المصنفات سوى أسمائها فلم يصلنا منها شيء البتة مما يضفي على الأمر قدرا من الشك ، و إلى الكسائي يعزى بيان أثر القواعد النحوية في توجيه الفروع الفقهية
كما أنه أول من اهتم بتعليل القراءة و ربط هذا التعليل بالقياس النحوي ، و لكنه لم يعدم القادحين في شخصه و علمه فهذا أبو الطيب اللغوي يقول في كتابه ” مراتب النحويين ” نقلا عن أبي حاتم السجستاني : لولا أن الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا ذكره لم يكن شيئا و في كلامه تحامل شديد من أثر المنافسة و التعصب ، و عده عبد الله بن مقلة و السيوطي ممن أفسدوا النحو لأنه كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا من الخطأ و اللحن و شعر غير ذوي الفصاحة و الضرورات فيجعله أصلا و يقيس عليه ، كما يروى – و في ذلك شك – أن تلميذه الفراء قال عنه إنه : مات و هو لا يحسن حد ” نعم و بئس ” و لا حد ” أن المفتوحة ” و لا حد ” الحكاية ” ، و عن علمه بالشعر قال الزبير نقلا عن اسحق الوصلي : ما رأيت رجلا منسوبا إلى العلم أجهل من الكسائي ، و للكسائي تلاميذ من أشهرهم هشام بن معاوية الضرير و يحيى الفراء .
و أهم ماينبغي علينا معرفته في هذا السياق ( سياق المناظرة القاتلة ) أن الكسائي نال حظوة كبيرة لم ينل مثلها عالم غيره لدى الخلفاء العباسيين فقد اختاره الخليفة المهدي لتأديب ابنه هارون الرشيد (2) كما انتدبه الخليفة هارون لتأديب ولده الأمين ، لذلك فقد أصاب جاها و أثرى إثراء عريضا و كان يترضاه بالطبع الأمراء و كبار القادة و تحيط به حيثما يكون كوكبة من تلاميذه و المريدين المعجبين و ذوي المصالح الطامعين و الطامحين ، و قد توفي الكسائي عام 189 هـ .
ثانيا : سيبويه
————
هو أبو بشر أو أبو الحسن عمرو بن عثمان بن قنبر ، من أصل فارسي و ” سيبويه ” لقبه الذي عرف به و يعني بالفارسية رائحة التفاح ، و بحسب تعبير الدكتور علي النجدي ناصف فإن سيبويه : ” كان في نفسه وديعا سمحا حسن الظن بالناس عزوفا عن الصغائر مترفعا عن الغنم الرخيص ” و كان كذلك : ” طموحا شجاعا ماضي العزيمة متفائلا حليما ” ، و قد طلب سيبويه في البداية علوم الدين و لكنه سرعان ما انصرف عنها إلى طلب علوم الأدب و قد غلب عليه النحو و كما قال القفطي في كتابه ” إنباه الرواة ” و الزبيدي في كتابه ” طبقات النحاة ” و لكنه كان عالما بالقراءات و اللغة و تدل شواهد كتابه على ذلك ، و قد عرف باجتهاده في تحصيل العلم لا يكاد يشغله عن القراءة فيه شيء آخر مهما كانت أهميته ،
و قد تتلمذ سيبوية لجماعة من كبار علماء اللغة و النحو هم كما جاء في ” بغية الوعاة ” للسيوطي : الخليل بن أحمد و يونس بن حبيب و أبو خطاب الأخفش ( الأخفش الكبير ) و عيسى بن عمر ، و يعد سيبويه إمام المدرسة البصرية (4) في النحو و قد استوى له علم العربية و صار في حياة شيوخه أستاذا له حلقة من تلاميذه و مريديه ، و من أثر فارسيته أنه كان يعاني من حبسة أو لكنة بلسانه كثيرا ما تعوقه في المناظرات و لذلك قال عمرو بن عثمان عنه : سمعته يتكلم و يناظر في النحو و نظرت في كتابه فرأيت علمه أبلغ من لسانه ،
و ليس لسيبويه من التصانيف سوى كتاب واحد أعجله الغم و فرط الحزن اللذان أفضيا إلى موته عن أن يضع له عنوانا فسمي بـ ” الكتاب ” ، و لم يشتهر الكتاب و لم يشتهر معه صاحبه الشهرة المدوية التي طبقت الآفاق إلا بعد وفاته ، و من شدة تقدير العلماء لكتاب سيبويه كانوا يلقبونه بـ ” قرآن النحو ” ، و في كتاب سيبويه يقول الجاحظ : لم يكتب الناس كتابا في النحو مثله و جميع كتب الناس عيال عليه ، و حدث هارون بن الزيات قال : دخل الجاحظ على أبي و قد افتصد ( أي أسال دما من وريده كنوع من العلاج ) فقال له : أدام الله عليك صحتك و وصل غبطتك و لا سلبك نعمتك ،
فسأله أبي : ما أهديت إلينا يا أبا عثمان ؟ فرد الجاحظ : أطرف شيء ؛ كتاب سيبويه بخط الكسائي و مقابلة الفراء و تهذيبي ، و روي أيضا عن الجاحظ أنه كان يقول لمن يريد أن يقرأ عليه الكتا ب : أركبت البحر ؟! استصعابا ، و قال أبو العباس المبرد : إنه لم يعمل كتاب مثله ، و من قرأ و فهم كتاب سيبويه لا يحتاج إلى كتاب غيره ،
و قال أبو عثمان المازني : إن من يقدم على تأليف كتاب كبير في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي ، و قال ابن الأهدل عن سيبويه و كتابه : كان أعلم المتقدمين و المتأخرين بالنحو و لم يصنف فيه مثل كتابه ، و قال أبو عمر الجرمي أحد شراح الكتاب : أنا أفتي الناس منذ ثلاثين سنة من كتاب سيبويه ، و قال الفخر الرازي : إن أجل الكتب المصنفة في النحو و اللغة كتاب سيبويه ، و قال ابن كثير : صنف سيبويه في النحو كتابا لا يلحق شأوه ،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...