أدب السجون مصطفى الحسناوي - تذكار من إيران.. وقصة اعتقالي من طرف الباسيج.

قبل حوالي عشرين سنة، اعتقلتني قوات الباسيج في إيران. كانت ليلة شتوية مثلجة، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أوقفتي العناصر الأمنية، بعد أن خرجت من مدينة أورومية متوجها إلى تبريز.
حققوا معي في سيارة كانت مركونة على الطريق، ثم سلموني لعناصر بزي مدني، أخذوني في رحلة طويلة على متن سيارة، وخلال الرحلة، كان هناك تحقيق أيضا، بعد حوالي ساعتين، توقفوا في إحدى المحطات، وجلبوا لي قهوة وحلوى، ثم سلموني لعناصر أخرى بسيارة أخرى، سرنا بالسيارة ساعتين أو أزيد، ووصلنا لبناية كبيرة جدا، تزين واجهتها صورتان على جانبي الباب، الأولى للخميني والثانية لخامنئي، طولهما ثلاثة طوابق.
كان أحد مقرات الباسيج على ما أعتقد، تم التحقيق معي، داخل مكتب في البناية، ومع آذان الفجر، قالوا لي إذا أردت أن تصلي أخبرنا، فقلت لهم نعم أريد أن أصلي.
اصطحبني أحدهم لمكان به مراحيض وأماكن للوضوء، وبعدها لمسجد داخل مقر الباسيج.
عندما دخلت لذلك المسجد، كان مليئا بهذه الحجارة التي في الصورة، وكان الجميع يسجد عليها، أنهيت صلاتي وأخذت واحدة وبدأت أفحصها وأقلبها بين يدي.
اقترب مني العنصر الذي اصطحبني، وقال لي بأدب اذا انتهيت علينا أن نذهب، ويمكنك أخذ تلك الحجرة معك.
في الطريق سألني لماذا لم أسجد على الحجرة، فأجبته باقتضاب بأننا لانفعل ذلك.
عدت للتحقيق، إلى أن أشرقت الشمس، وبعدها خرجنا تناولنا الفطور في إحدى المقتهي، وعندما خرجنا، وجدنا عناصر آخرين بسيارة أخرى في انتظارنا، فأخذوني كانت هذه المرة رحلة طويلة، الى أن انتبهت أننا قريبين من حدود أرمينيا، كان قد انتصف النهار، فتوقفنا لتناول وجبة الغذاء في أحد المطاعم، لكن عناصر المخابرات الذين كانوا يرافقونني غادروا، واستلمني آخرون، كان أحدهما لطيفا جدا وواسع الثقافة والاطلاع، فتجاذبنا الحديث في مواضيع كثيرة مختلفة دينية وسياسية وفكرية، سألني إن كنت شيعيا أم لا، وتناقشنا في الموضوع، ولم ينفعني معه الأجوبة المقتضبة، كما فعلت مع زميله السابق، بل وجدت نفسي مضطرا لخوض نقاشات معمقة، ورغم ذلك لم تتغير نظرته ولا معاملته لي، لم أحس بأي شيء تغير، رغم مخالفتي ومعارضتي له.
ركبنا السيارة وسرنا إلى أن اقترب العصر. ثم انتهت الرحلة هناك.
من الواحدة بعد منتصف الليل، إلى عصر اليوم التالي، سرنا مئات الكيلومترات، قطعنا إيران من جنوبها الغربي إلى شمالها الغربي، تنقلنا بين أكثر من مدينة، استلمتني أكثر من مجموعة استخباراتية، غيرنا السيارات كثيرا، وحقق معي أكثر من جهاز، لكن التعامل كان راقيا، المعاملة احترافية وإنسانية، لم أتعرض لأي إهانة، شعرت بالخوف عند الاعتقال، لكنه بعد ساعتين تبدد تماما. أحتفظ بهذه الذكرى من إيران، بالإضافة للحجرة الموجودة في الصورة (التربة).
انتهت تلك الرحلة الشاقة بعد عصر ذلك اليوم، لتبدأ رحلة أخرى أشق وأصعب وأكثر تشويقا، لكنها كانت في بلد آخر، ربما أتحدث عنها لاحقا، بعد أن كشفت اللثام عن هذه القصة، التي مر عليها الآن حوالي عشرين سنة. وربما أحكي تفاصيلها، وكيف دخلت إيران ولماذا، وكيف خرجت، وأين ذهبت بعد ذلك...
لكن الذي جعلني أحكي هذه القصة، ولو بشكل مجمل، ودون تفاصيل، هو تدوينة يوم أمس.
قرأت الكثير من الردود والتعليقات العبيطة، والمزايدات الفارغة والبلهاء، على تدوينة يوم أمس، حتى أن البعض كتب مقالات، يصف ماكتبته في تدوينتي، على أنه رجل قش، أو تهريب للنقاش، أو تحريك للمرمى، أو رنجة حمراء، أو تسميم للبئر... (بطبيعة الحال لم يعبروا بهذه التعابير، ولم يصفوا مقالي بهذا، وأنى لهم ذلك).
لذلك قررت أن أناقش كل تلك الردود، وأظهر تهافتها، وأبين قناعتي التي عبرت عنها في تدوينة أمس، وكيف تطورت، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن. سأفعل ذلك في التدوينة المقبلة، فانتظروها غدا، ويمكن اعتبار قصة اليوم مدخلا للموضوع، فأنا لم أكتبها اعتباطا، بل هناك أسباب للنزول، كما يقال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...