سعيد فرحاوي. - الهوية الإفريقية في الثقافة المغربية : الجسور- الرهان- التحدي- والانفتاح الخارجي.

ورقة من إنجاز سعيد فرحاوي.


غيرت التحولات التي عرفها النظام الدولي المعاصر الرؤية في كل الترتيبات العالمية.إن نهاية القطبية المزدوجة حولت الصراع من الإيديولوجي بين الشرق والغرب إلى الاهتمام بما هو اقتصادي بين الشمال والجنوب .هذه التحولات أثرت على كل الأنظمة العالمية بما فيها القارة الأفريقية.
إفريقيا في الألفية الثالثة تختلف عن إفريقيا في زمن النظام الدولي السابق ، عرفت عدة تحولات في مسلسل الانفتاح الديمقراطي. الأمر الذي انعكس ايجابيا على كافة التواصلات الخارجية ،و في كل المجالات الحيوية ،منها ما هو سياسي ، اقتصادي وثقافي، بدون تغييب كل ما له صلة بالمجال الروحي.هذه التحولات في النظام الإفريقي جعلت منها محط اهتمام لكل القوى الخارجية ، نظرا لما تزخر به القارة من موارد طبيعية وثقافية وبشرية. والمغرب وعيا منه بهذه الخصوصيات ، وبحكم القرب والانتماء للقارة حرص على إعطاء أهمية قصوى ومتزايدة بتوظيف عدة آليات وأدوات من أجل تعزيز العلاقة مع محيطه الإفريقي وتوسيع شبكة العلاقات عبر عدة مجالات قوت وأغنت الارتباط بمحيطه الجغرافي الاستراتجي الهام.
أصبح الاهتمام بدرجات مثيرة للانتباه بدول جنوب الصحراء ، بتفعيل آليات متعددة ومتنوعة .
هذا الموضوع ألزمنا البحث في طبيعة الهوية الإفريقية للثقافة المغربية من خلال تفكيك وتشريح المستويات الأنثروبولوجية والاقتصادية والسياسية والتاريخية و تحديد كل الروابط التي ساهمت في التأثير في مجال الموروث الثقافي في الثقافة المغربية. الهدف هو التساؤل وتعميق التصور والتفكير في مجال تنوع وغناء الثقافة المغربية المميزة بروافدها المتعددة.بشكل عام الهدف المركزي هو إضفاء وتسليط الضوء على البعد الإفريقي في حياة الثقافة المغربية. ما سهل في ذلك هو انخراط إفريقيا في كل المعارك التي تسعف على استعادة تراثها الثقافي المبعثر أو الممزق في تاريخ يشهد على عمق المرارات. لهذا فالنهضة الثقافية الإفريقية ليست وليدة اليوم بل هي ثمرة مسلسل تاريخي عريق ابتدأ منذ زمن طويل الذي تطلب تضافر الجهود من طرف كل القوى الحية لإعادة الروح فيه ليحيا من جديد بالصورة التي يحلم بها الإنسان الإفريقي ، بصفته صاحب حق ، وبالصيغ المعقولة التي أدخلته في مجال البحث عن كل المطالب التي ستشكل المعطى الهوياتي القوي الذي أعاد جريان الدم بشكل سليم في كل حركة احتاجها المهتم الإفريقي ليعيش بالشكل الذي يشاء ويريد.
لهذه الاعتبارات جاءت الفكرة الجوهرية في ندوة اليوم التي تمحورت حول إشكالية الثقافة الإفريقية بين ظاهرة الجسور ومجال التحديات سعيا نحو ثقافات عابرة للحدود. و هكذا سنقف عند المحاور التالية :
- محور الجسور.
- -محور التحديات.
- وأخيرا محور الثقافات العابرة للحدود.
محاور تجبرنا على التأمل في كل موضوع من زاوية نظر جد دقيقة ،كما تلزمنا على وقفة تحترم شرط التحديد والتوضيح الذي تشترطه الرؤية الجيوسوسيولوجية/ وأخرى الأنثروبولوجية المحركة للتاريخ العريق والممتد في جذور غارقة في القدم ، وهي المحاور التي تتحكم في كل مفهوم ، كما تعرقل طبيعة اشتغاله ، الشيء الذي يفرض علينا فك العراقيل، لنتمكن من إدراك كل ما سيجعلنا نتحرك وبحذر، وفق هذا المنظار العام الذي سيشكل سياقا محددا لمداخلتنا هذه.
-الجسور : هي الجرأة والشجاعة المؤهلة والمسعفة في مواجهة كل ما من شأنه أن يعيق هذه النهضة التي تشكل الحلم المحوري ، على أساس أنه المنهج الأقرب والمسعف ، الذي سيجعل من كل إفريقي يسعى أن يتحول إلى فاعل في صناعة الإبداع والابتكار ليتجاوز الفكر الفقير الذي يقلل من قيمة ما يزخر به من قوى طبيعية قادرة أن تجعل منه في الموقع الصحيح وفي الوجود الأصح ، كما يرفع من قيمة أطروحة طرف آخر نقيض يرى بعين أخرى أنها تتوفر على كل شروط التطور التي تجعل منها منطقة فاعلة وبشكل أساسي في كل التفاعلات العالمية.وهكذا ستسقط الرؤية المريضة التي تحكمت في توازنات لا إنسانية اشتغلت خطأ لتكتب التاريخ بالعين وبالحبر الخطأ ،للأسف أنها رؤية ذات بعد دولي، ظلت حاضرة مدة ليست بقصيرة في تاريخ أسود.
- في مجال محور التحديات : هنا سنقف عند خاصية الكفاءات الذاتية في علاقتها بتحالفات حقيقية مع أطراف متميزة بنوايا سليمة ، هدفها الخروج من القوقعة في زمن لم يعد يسمح الخروج منه بتحالفات ضعيفة ، ولعل هذه المرجعية هي التي ساهمت بقناعات كبيرة في أن تجعل من المغرب محورا مهما في هذه التحالفات ، والذي حرك الوعي في نسيج المحيط السوسيو- استراتيجي داخل القارة التي ستشكل فيها طرفا مهما ووازنا،هذا ما سيدفع بالذات الهائجة بأن تنفتح على مجموع المجالات الحيوية و في كل القطاعات المسعفة الفاعلة في الدفع إلى نمو حقيقي :
- تعليم- صحة - إعلاميات – خبرة مؤسساتية مهمة- التسيير وحكامة تدبير الشأن المحلي واللائحة طويلة.
- فيتحقق بذلك الهدف المحوري المؤهل إلى الانفتاح على العالم ، هنا سنتكلم عن انفتاح حقيقي سيجعل من التحالفات مميزة برؤية حداثية عميقة كما أشار إلى ذلك المنطقي والباحث والمفكر المغربي طه عبدالرحمان الذي حدد البنى الثلاث المشكلة لموضوع التغيير الحداثى في عالم يتفكك شذرات وببطء ، وهي المحاور التي فرض علينا تحديدها حسب الشكل المنهجي التالي :
- ماهية الرشد : وهي القدرة على الاستقلالية ،ذاك ما سيجعل من الكائن الراكد بأن يكون قادرا على جعل من الذات مكونا مميزا بحرية أكبر ، تسعفه هذه العملية في التحرك بإرادة حقيقية تمكن من الرقي والتطور.
- عامل النقد : وهو ما سماه بخاصية الاعتراض .نتكلم هنا عن عامل قادر أن يجعل من كل كيان له من القدرة ما يكفي على الظهور والتجلي، إي أن يمتلك شرط القدرة على الدفاع على مقاربته ، كما له من الشجاعة ما تجعل منه قادرا على الاعتراض و المجابهة.
- العامل الثالث هو شرط الشمول : هنا يحدد شرط الانفتاح وتجاوز الذات الضيقة، بصفتها تشكل خاصية مهمة ليصبح الكائن مميزا بقدرات حداثية مؤهلة ومسعفة للتطور نحو كل ما هو سامي والرقي بأهداف مسطرة استراتيجيا وفق الرؤية التي يتطلبها تطور العالم بسرعة جنونية. .
هذا العامل الثالث هم ما جعل من موضوع ندوتنا تلزم كفاءة عبور واختراق الحدود لنصبح أمام نظرة ثقافية حقيقية تجعل من الهوية الإفريقية محورا له من الشجاعة ما تجعل منه كيانا عالميا قادرا على تجاوز واختراق الذات ، فيخرج بذلك من المحلي المخنوق إلى العالمي المنفتح والمتحرر.
يمكننا تحديد بعض علامات الوجود المغربي في عمق القارة الإفريقية في عدة مجالات ، على الشكل التالي:
*المجال الاقتصادي :
-اتصالات المغرب تملك :
51.5-% من أسهم شركة مورتيل ، الفاعل الرسمي في اتصالات موريطانيا.في 2207.
51% شركة اوناتيل اتصالات بوركينافاصو.2006.
- اتصالات الغابون في 2207.
- سوتيلما في مالي.
- اقتحمت اتصالات موف الاماراتية في 2015 في كل من الكوت ديفوار-البنين- الطوغو-الغابون- النيجر- افريقيا الوسطى-
- * في المجال المالي : حضور قوي للأبناك المغربية في دول جنوب الصحراء.
- الحضور القوي للأبناك المغربية ساهم في التفاعل بين كل الفاعلين الاقتصاديين والقطاعات الأخرى. كما قوى التبادل التجاري في المنطقة الإفريقية.
كما ساهم الموقع الإفريقي في جعل المغرب شريكا أساسيا واستراتيجيا في عدة قطاعات حيوية.

في المجال الثقافي :

تمتد العلاقات في عمقها الديني والروحي بشكل لا يمكن حصره في نقاط معينة ، مادام التفاعل اشتغل فيه التاريخ الروحي بعمق يصعب حصره في مجالات معينة ، إضافة إلى محددات أخرى ثقافية ولغوية.
-السبب نحدده في عمق تماسك النموذج المغربي الذي اكتسب مع مرور الزمن مناعة كبرى بفعل التعايش والتسامح الذي يميز المجتمع المغربي ومكوناته بكل أصنافه الاجتماعية.
كما شكل البعد الثقافي الإفريقي مكونا مهما في مجال التضامن المغربي الإفريقي، لعب فيها التعاون الثقافي المغربي تجاه دول المنطقة عاملا أساسيا ، سعيا إلى خلق نخب افريقية قوية ومتعددة في كل التخصصات.
لأهداف واضحة نحددها في مجال استراتيجي مميز يرمي المغرب من خلاله تأسيس حكامات جد مسطرة ، لذلك قام بإنجاز تصورات تطبيقية تسعف لتحويل هذه الأهداف إلى أرض الواقع ، من أجل ذلك أحدث المغرب في سنة 1986 الوكالة المغربية للتعاون الدولي التي تشرف عليها وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج ، إلى جانب الوازع الديني المغربي الحاضر بقوة في إفريقيا /بناء مساجد وتكوين أئمة وطبع مصاحف ، كما أن الرباط احتضنت مجالا لتكوين الأطر الإفريقية ، ما يزكي ذلك حضور 12 ألف طالب إفريقي من دول افريقية لمتابعة تعليمهم العالي بالمغرب .
تنظيم أسابيع ثقافية في بعض الدول الإفريقية.
مبادرات إسلامية على غرار الطريقة التيجانية التي تقام كل سنة في السنغال.

على مستوى المقوم اللغوي نجد :
ترسيخ اللغة العربية بين سكان المنطقة.ونقل الفكر الإسلامي إلى عدة مناطق إفريقية. كما نقف عند نشر العلوم الشرعية.
-أصبحت الكتابات المغربية تشكل مرجعا مهما لاشتغال علماء ومفكرين أفارقة كبار..

في المجال التاريخي :

جذور العلاقات المغربية الإفريقية غارسة في تاريخ طويل وقيم ، منذ عهد المرابطين والموحدين والسعديين الذين امتد حكمهم إلى إفريقيا الغربية كما هو الشأن في عهد المنصور الذهبي ، واتسعت مع انتشار ظاهرة التصوف وتأثير الزوايا في العديد من الدول الإفريقية .انتشار عدة زوايا في إفريقيا خاصة الزاوية القادرية والتيجانية مع انتشار المذهب السني المالكي وسيادة قيم التعايش والتسامح والانفتاح على الآخر ، وهي مميزات جعلت منها مرجعيات مؤهلة حاضرة إلى اليوم بشكل جعلت من المغرب يشكل مرجعا مهما دينيا لدى الأفارقة.
دون أن ننسى توجيه دعوات لعدة علماء أفارقة للمشاركة في عدة دروس ، منها الدروس الحسنية التي تقام كل رمضان .

في المجال العسكري :
تكوين أفارقة داخل المؤسسات العسكرية المغربية.مع الاستفادة من التجارب المغربية في المجال العسكري التي تعتبر نموذجا رائدا في المنطقة.
تبادل الخبرات العسكرية والمخابراتية.

الرهانات والعراقيل.

الرهانات :
-السعي نحو انفتاح شامل تحكمه ثقافة رابح رابح.
- تغيير الوجهة صوب منطقة يجمع بينها وبين المغرب قواسم مشتركة في مجالات متعددة ، ساهم في تحققها عدة عوامل ، منها:
*الموقع الجغرافي.
*الانتماء العرقي.
*اعتبار إفريقيا منطقة حيوية شكلت مجال اهتمام لكل القوى العالمية ، خاصة بعد تغيير فلسفة الحكم الإفريقي ، وانفتاح الساسة على الفكر الديمقراطي بمعناه الحديث.
* الهدف السامي في المقاربة المغربية التي اختارت الانفتاح على إفريقيا من بابها الواسع يتجلى في إغلاق الأبواب أمام كل القوى الرامية إلى تقزيم المغرب وبلبلة استقراره السياسي والاجتماعي ، وتمزيق وحدته الترابية ، باستغلال منظمات افريقية وتوظيفها في مساع لا تخدم الوحدة الترابية ، مما جعل المملكة تتوغل في عمق شرايين القارة الأم وتحويل الوجهة صوب أهدافه الإستراتيجية ببعد شمولي ومكثف : سياسيا- ثقافيا- تجاريا واقتصاديا.
هذا النهج بدأت تنجلي نتائجه بفتح مجموعة من الدول الإفريقية سفارتها بمنطقة الداخلة والعيون.زهاء 22 دولة تقريبا.

العراقيل :

منافسة من دول افريقية وأخرى أجنبية ، من الدول الداخلية نجد كل من مصر ونيجيريا ، لكن مشاكل مصر الاقتصادية قلصت من قيمة المنافسة ، أما عن نيجيريا يمكن القول أن فتح أنبوب الغاز ومروره من المغرب ليصل إلى أوربا قرب من علاقة البلدين وفي نفس الوقت زاد من تعميق هوة المفارقة والبعد مع دولة الجزائر التي وجدت في هذا العامل أسلوبا لا يخدم مصالحها المتمثلة في انفتاحها على أوربا بتصدير مواردها المعدنية ، خاصة منها الغاز الذي شكل فيها الاختيار النيجيري الأسلوب البديل بمباركة مغربية طبعا.
- من العراقيل الأخرى يمكننا أن نتكلم هنا عن كثرة الانقلابات العسكرية في بعض الدول الإفريقية ، وهو العامل الذي يقلل من جانب الاستقرار السياسي وأيضا الاجتماعي ، هذا العامل السلبي يؤثر على طبيعة التوازنات التي تشكل العامل الرئيسي الذي يعتمده كل مستثمر يرغب في الانفتاح على القارة بضمانات ممكنة ، وعلى رأسها العامل السياسي والاجتماعي والعسكري بشكل أكثر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...