بعد الاشتباك مع سؤال “تآكل الإغلاق” في الصراعات المعاصرة، لا يعود التحدي مقتصرًا على فهم لماذا لا تُنتج هذه الصراعات نهايات، بل يمتد إلى مستوى أعمق: هل تكمن المشكلة في بنية العالم فقط، أم في البنية المفاهيمية التي نحاول من خلالها فهمه؟
فربما لا يكون ما نواجهه مجرد تعقيد في الواقع، بل تعقيد في أدوات إدراكه.
لم يعد السؤال اليوم لماذا لا تنتهي الحروب، ولا حتى لماذا يعجز العالم عن إنتاج الحسم، بل أصبح—بصورة أكثر إرباكًا—سؤالًا عن الطريقة التي نفكر بها في هذه الحروب أصلًا. فربما لا تكمن المشكلة فقط في بنية العالم الذي يعيد إنتاج صراعاته، بل في البنية المعرفية التي نستخدمها لفهمه، والتي قد تكون—دون أن ندرك—جزءًا من المنطق نفسه الذي نحاول تفكيكه.
لقد سمح مفهوم “الفخّ المركّب”، كما طرحته الدكتورة غانية ملحيس، في تطوره الأخير، بتفسير عميق لتعذر الحسم في الصراعات المعاصرة، من خلال الكشف عن تداخل القيود البنيوية التي تُقيّد الفاعلين مهما امتلكوا من أدوات قوة. كما فتح الاشتباك معه أفقًا أوسع للتفكير، قاد إلى مساءلة أعمق: هل نحن أمام أنماط من الصراعات فقدت القدرة على إنتاج نهايات مستقرة بالمعنى التقليدي؟ غير أن هذا المسار نفسه يقودنا، عند حدوده القصوى، إلى مفارقة أكثر تعقيدًا: ماذا لو كان الفهم—حين يُستخدم بوصفه إطارًا مكتملًا—يبلغ حدوده ويعيد إنتاج قيوده؟
فالمفاهيم التي نستخدمها—الدولة، القوة، الصراع، الحسم—لم تنشأ في فراغ، بل تشكّلت داخل سياق تاريخي محدد، كان يفترض ضمنًا أن العالم قابل للضبط، وأن الصراعات، مهما تعقّدت، يمكن أن تُغلق عند نقطة ما. هذه المفاهيم لم تكن مجرد أدوات تحليل، بل كانت تعبيرًا عن عالم يمتلك مركزًا، وقواعد، ونهايات ممكنة. أما اليوم، فإننا نستخدم هذه الأدوات ذاتها لفهم واقع لم يعد يعمل وفق الشروط التي أنتجتها.
هنا تحديدًا، تظهر المفارقة: في بعض الحالات، لا نفشل في فهم العالم لأننا نفتقر إلى الأدوات، بل بسبب استخدام أدوات تنتمي إلى شروط تاريخية مختلفة. والأسوأ من ذلك، أننا كلما طوّرنا هذه الأدوات—وجعلناها أكثر تعقيدًا ودقة—قد نكون نعيد إنتاج المنطق نفسه الذي نحاول تجاوزه، ولكن بلغة أكثر تقدمًا. أي أن حدود الفهم لا تقتصر على البنية الاستراتيجية للصراع، بل قد تمتد—في بعض الحالات—إلى البنية المعرفية التي نستخدمها لتفسيره.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الفهم محكوم بأن يبلغ حدوده بالضرورة،
بل أنه يصل إلى ذلك حين يُستخدم بوصفه إطارًا مكتملًا يزعم الإحاطة بالعالم، لا أداة لفتح أسئلة جديدة حوله.
فالمعرفة، في هذا المستوى، لا تعمل فقط كوسيلة للتفسير، بل كشرط لتحديد حدود ما يمكن التفكير فيه أصلًا.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال: كيف نفهم العالم؟ بل: هل يمكننا التفكير فيه خارج المفاهيم التي صاغها؟ وهل نحن قادرون على تخيّل صراع لا يُقاس بالحسم، أو قوة لا تُقاس بالنتيجة، أو عالم لا تُشكّل “النهاية” أفقه الضمني؟
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس استمرار الحروب، بل استمرار التفكير فيها كما لو أنها يجب أن تنتهي.
إذا كانت الحروب المعاصرة قد كشفت حدود القوة، فإنها كشفت—بصورة أعمق—حدود المفاهيم التي نستخدمها لفهم هذه القوة. فالفشل المتكرر في تحقيق الحسم لا يعود فقط إلى تداخل الأدوات أو تعدد الفاعلين، بل إلى افتراض ضمني يسبق كل تحليل: أن هناك نهاية يمكن الوصول إليها، وأن الصراع، مهما طال، يحمل في داخله إمكانية الإغلاق.
غير أن هذا الافتراض نفسه لم يعد بريئًا. فهو ينتمي إلى لحظة تاريخية كان فيها العالم يُدار ضمن منطق مختلف، حيث كانت الإمبراطوريات تُعيد ترتيب المجال، وتفرض نتائجها بوصفها نهايات قابلة للاستقرار. في تلك اللحظة، لم تكن مفاهيم مثل “النصر” أو “الهزيمة” مجرد توصيفات، بل أدوات تنظيم للعالم نفسه. أما اليوم، فإن استخدام هذه المفاهيم لم يعد يفسّر الواقع بقدر ما يفرض عليه قالبًا لم يعد ينتمي إليه.
هنا، لا يقتصر الأمر على قصور في التحليل، بل يتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته “الاستمرار المفاهيمي”: أي استمرار استخدام مفاهيم فقدت شروط اشتغالها، فقط لأنها ما تزال متاحة داخل اللغة. في كثير من الحالات، نستمر في استخدام هذه المفاهيم ليس لأنها تفسّر الواقع بدقة، بل لغياب بدائل مفاهيمية ناضجة قادرة على تجاوزه.
وفي هذا السياق، يصبح حتى أكثر الأطر التفسيرية تقدمًا عرضة لهذا المأزق. فمفهوم “الفخّ المركّب”، على قدرته العالية في تفسير تداخل القيود البنيوية، قد يتحول—إذا لم يُساءل—إلى صيغة أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاج الفكرة نفسها: فكرة أن هناك نظامًا يمكن فهمه بالكامل، وأن فهمه يفتح الطريق لتجاوزه.
لكن هذا لا يلغي قيمة هذه الأطر، بل يحدّد شرطها:
أن تُستخدم بوصفها أدوات مؤقتة، لا كنماذج مكتملة،
وأن تبقى مفتوحة على مساءلة ذاتها، لا مغلقة داخل يقينها.
فالمشكلة لا تكمن في وجود إطار تفسيري،
بل في تحوّله إلى أفق نهائي يُنهي السؤال بدل أن يفتحه.
في هذه الحالة، لا يعود الفهم خطوة كافية نحو الخروج، بل قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج البنية. أي أن المعرفة لا تكشف حدودها فقط، بل قد تُسهم—في بعض استخداماتها—في إعادة إنتاج هذه الحدود، عبر تحويلها إلى نماذج قابلة للإدراك، وبالتالي قابلة للتكيّف معها.
غير أن ما يتكشف هنا لا يتوقف عند حدود نقد الأدوات، بل يمتد إلى الأفق الذي يمنحها معناها. فالعالم الذي يتشكل اليوم—بفعل التسارع التكنولوجي، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتنامي نفوذ الفواعل العابرة للسيادة—لم يعد يعمل ضمن نفس البنية التي صاغت مفاهيم “الحسم” و”النهاية” و”الانتصار”. لم تعد الدولة هي مركز الفعل الوحيد، ولم تعد القوة تُمارس فقط عبر أدواتها التقليدية، بل عبر شبكات متداخلة من الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والبيانات.
وفي مثل هذا العالم، لا تتآكل فقط قدرة الفاعلين على فرض النهايات، بل يتآكل أيضًا “أفق النهاية” ذاته—أي الإطار الذي يجعل من الممكن تخيّل نتيجة نهائية للصراع.
بهذا المعنى، قد نكون أمام ما يمكن تسميته: “تفكك أفق النهاية”—أي تراجع قدرة النهايات على أداء وظيفتها كإغلاقات مستقرة يمكن القياس عليها—ليس بوصفه غيابًا للنهايات، بل بوصفه تحوّلًا بنيويًا لم تعد فيه الأفعال، مهما بلغت كثافتها، تقود بالضرورة إلى نتائج قابلة للتثبيت.
وفي هذا السياق، لا يبدو ما نشهده مجرد تعثّر في قدرة القوة على فرض نهايات، بقدر ما يعكس تحوّلًا أعمق في طريقة اشتغالها نفسها. فالقوة لم تعد تعمل بوصفها أداة لإغلاق الصراع، بل كآلية لإدارته واستمراره. لم تعد الغاية إنتاج لحظة يُقال عندها “انتهى”، بل الحفاظ على مسار يمكن ضبطه، وإعادة تشكيله، والتدخل فيه دون أن يُحسم. بهذا المعنى، لا يصبح غياب النهاية خللًا طارئًا، بل جزءًا من منطق اشتغال جديد، تتحول فيه الصراعات من مسارات تقود إلى نتائج، إلى فضاءات مفتوحة تُدار داخلها القوة بدل أن تُنهيها.
ويمكن ملاحظة هذا النمط بشكل واضح في بعض الصراعات المعاصرة، مثل الحرب في أوكرانيا، حيث لم يؤدِّ تصاعد الفعل العسكري، رغم كثافته واستمراريته، إلى تقريب الصراع من نقطة إغلاق، بل إلى إعادة تشكيله ضمن شبكة أوسع من التفاعلات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فكل محاولة لتحقيق حسم ميداني كانت تقود، في المقابل، إلى توسيع نطاق الاشتباك، أو تعميق ارتباطه بساحات أخرى، أو إعادة تعريف أهدافه.
ويمكن ملاحظة نمط قريب—وإن بأشكال مختلفة—في التصعيد المستمر المرتبط بإيران، حيث لا يؤدي الضغط العسكري أو الأمني إلى إنتاج نتيجة نهائية مستقرة، بل إلى إعادة توزيع التوتر ضمن مساحات إقليمية متعددة، بما يعيد تشكيل الصراع بدل إنهائه.
كما يتجلى هذا النمط بصورة أكثر حدّة في الحرب الجارية في قطاع غزة، حيث لا يتحول التصعيد، رغم كثافته الإنسانية والعسكرية، إلى مسار يقود إلى إغلاق واضح، بل إلى إعادة إنتاج شروط الصراع ضمن دورات متكررة، تجعل من “النهاية” أفقًا مؤجلًا باستمرار.
في هذا السياق، لا يبدو غياب النهاية نتيجة عجز مؤقت في إدارة الصراع، بل تعبيرًا عن بنية لا تنتج إغلاقًا مستقرًا بسهولة، حيث تتحول النتائج إلى مراحل داخل مسار مفتوح، لا نقاط توقف نهائية.
ولا يقتصر هذا النمط على حالة واحدة، بل يتكرر بدرجات متفاوتة في بيئات صراع متعددة تتسم بالتشابك البنيوي وغياب المركز.
إننا ننتقل من عالم كانت فيه السببية—ولو بشكل متعثر—تقود إلى إغلاق، إلى عالم تتكثف فيه الأسباب دون أن تستقر في نتائج نهائية. عالم يُنتج تأثيرًا مستمرًا، لا نهاية مستقرة.
ورغم هذا كلّه، لا يتوقف العالم عن البحث عن نهايات. فالمفاوضات لا تنقطع، والمبادرات تتوالى، والخطاب السياسي يظل مشدودًا إلى فكرة “الحل” و”التسوية” و”نقطة الخروج”. غير أن ما يكشفه الواقع هو مفارقة أكثر تعقيدًا: أن هذا السعي المستمر نحو الإغلاق يجري داخل بنية لم تعد قادرة على إنتاجه بالمعنى الذي كان قائمًا. فالتسويات، بدل أن تكون لحظات حسم، تتحول إلى آليات لإدارة الصراع وتخفيف حدّته وإعادة توزيعه، لا لإنهائه. وهكذا، لا يعود التفاوض دليلًا على اقتراب النهاية، بل يصبح جزءًا من نمط اشتغال يُبقي الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، دون أن يُفضي إلى إغلاقه فعليًا .
وهنا، لا يعود السؤال: لماذا لا تنتهي الصراعات؟
بل: هل ما زال مفهوم “النهاية” كإغلاق مستقر ونهائي كافيًا للفهم؟
ومع ذلك، تبقى هذه المعرفة قادرة على أداء وظيفة مختلفة:
ليس كسر القيود دفعة واحدة،
بل كشف حدودها، وتعطيل اكتمالها، ومنع تحوّلها إلى حقائق نهائية غير قابلة للمساءلة.
وهنا، نصل إلى نقطة أكثر إرباكًا: هل يمكن التفكير خارج هذا الإطار أصلًا؟ أم أن كل محاولة لتجاوزه تظل محكومة بشروطه؟ فإذا كانت المفاهيم التي نستخدمها قد تشكّلت داخل عالم يمتلك مركزًا ونهايات، فإن التفكير خارجها يتطلب أكثر من تعديلها—يتطلب إعادة بناء شروط التفكير نفسها.
لكن هذا الطرح لا يخلو من مفارقة عميقة. فمحاولة التفكير خارج المفاهيم السائدة لا يمكن أن تتم إلا باستخدامها. أي أننا نحاول الخروج من البنية باستخدام أدوات تنتمي إليها، وهو ما يجعل هذا الخروج عملية تدريجية تقوم على تفكيك الاستخدام، لا إعلان القطيعة.
غير أن هذا لا يجعل الخروج مستحيلًا،
بل يجعله عملية تدريجية من زحزحة المفاهيم، لا القطيعة معها،
ومن اختبار حدودها، لا إعلان تجاوزها الكامل.
في ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في ما نسمّيه “اللا-حسم”. فبدلًا من اعتباره نتيجة لفشل استراتيجي أو تعقيد بنيوي فقط، يمكن فهمه بوصفه تعبيرًا عن حدّ معرفي: حدّ يكشف أن أدواتنا لم تعد قادرة على التقاط طبيعة الواقع الذي نحاول تفسيره. اللا-حسم، بهذا المعنى، ليس فقط سمة للصراعات، بل سمة للفهم ذاته.
وهذا ما يفسر لماذا تتكرر الأنماط نفسها، رغم تغيّر السياقات، ولماذا تبدو كل محاولة للفهم وكأنها تعيد إنتاج الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة. لسنا أمام عجز عن الإجابة، بل أمام عجز في صياغة السؤال بطريقة تنتمي إلى العالم الذي نعيش فيه.
بهذا المعنى، لا تعود المشكلة في الحروب وحدها، بل في الطريقة التي نفكر بها فيها. فطالما استمررنا في استخدام مفاهيم تفترض وجود نهاية، سنبقى نقرأ الاستمرار بوصفه خللًا، لا بوصفه نمطًا. وطالما بقينا نبحث عن الحسم، سنبقى نعتبر غيابه فشلًا، لا تعبيرًا عن تحوّل أعمق.
لذلك، قد لا يكون التحدي الحقيقي في فهم كيف تعمل الحروب، بل في القدرة على التفكير في عالم لا تُشكّل فيه النهاية أفقًا ضروريًا. عالم لا تُقاس فيه القوة بقدرتها على الإغلاق، ولا يُفهم فيه الصراع بوصفه مسارًا نحو نتيجة، بل كحالة اشتغال مستمرة داخل بنية لا تملك نقطة توقف واضحة.
في مثل هذا العالم، لا يكون الخروج من القيود مسألة استراتيجية فقط، بل مسألة معرفية بالدرجة الأولى:
ليس كيف نكسره، بل كيف نفكر فيه دون أن نعيد إنتاج حدوده.
وهنا، ربما يكمن السؤال الأكثر إزعاجًا:
لسنا فقط داخل عالم لا يُنهي صراعاته…
بل داخل طريقة تفكير تجد صعوبة متزايدة في تخيّل صراعات تُختتم ضمن نماذج الإغلاق التقليدية.
ومع ذلك، فإن إدراك هذا الحدّ قد لا يكون نهاية الفهم،بل بدايته الفعلية .
فربما لا يكون ما نواجهه مجرد تعقيد في الواقع، بل تعقيد في أدوات إدراكه.
لم يعد السؤال اليوم لماذا لا تنتهي الحروب، ولا حتى لماذا يعجز العالم عن إنتاج الحسم، بل أصبح—بصورة أكثر إرباكًا—سؤالًا عن الطريقة التي نفكر بها في هذه الحروب أصلًا. فربما لا تكمن المشكلة فقط في بنية العالم الذي يعيد إنتاج صراعاته، بل في البنية المعرفية التي نستخدمها لفهمه، والتي قد تكون—دون أن ندرك—جزءًا من المنطق نفسه الذي نحاول تفكيكه.
لقد سمح مفهوم “الفخّ المركّب”، كما طرحته الدكتورة غانية ملحيس، في تطوره الأخير، بتفسير عميق لتعذر الحسم في الصراعات المعاصرة، من خلال الكشف عن تداخل القيود البنيوية التي تُقيّد الفاعلين مهما امتلكوا من أدوات قوة. كما فتح الاشتباك معه أفقًا أوسع للتفكير، قاد إلى مساءلة أعمق: هل نحن أمام أنماط من الصراعات فقدت القدرة على إنتاج نهايات مستقرة بالمعنى التقليدي؟ غير أن هذا المسار نفسه يقودنا، عند حدوده القصوى، إلى مفارقة أكثر تعقيدًا: ماذا لو كان الفهم—حين يُستخدم بوصفه إطارًا مكتملًا—يبلغ حدوده ويعيد إنتاج قيوده؟
فالمفاهيم التي نستخدمها—الدولة، القوة، الصراع، الحسم—لم تنشأ في فراغ، بل تشكّلت داخل سياق تاريخي محدد، كان يفترض ضمنًا أن العالم قابل للضبط، وأن الصراعات، مهما تعقّدت، يمكن أن تُغلق عند نقطة ما. هذه المفاهيم لم تكن مجرد أدوات تحليل، بل كانت تعبيرًا عن عالم يمتلك مركزًا، وقواعد، ونهايات ممكنة. أما اليوم، فإننا نستخدم هذه الأدوات ذاتها لفهم واقع لم يعد يعمل وفق الشروط التي أنتجتها.
هنا تحديدًا، تظهر المفارقة: في بعض الحالات، لا نفشل في فهم العالم لأننا نفتقر إلى الأدوات، بل بسبب استخدام أدوات تنتمي إلى شروط تاريخية مختلفة. والأسوأ من ذلك، أننا كلما طوّرنا هذه الأدوات—وجعلناها أكثر تعقيدًا ودقة—قد نكون نعيد إنتاج المنطق نفسه الذي نحاول تجاوزه، ولكن بلغة أكثر تقدمًا. أي أن حدود الفهم لا تقتصر على البنية الاستراتيجية للصراع، بل قد تمتد—في بعض الحالات—إلى البنية المعرفية التي نستخدمها لتفسيره.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الفهم محكوم بأن يبلغ حدوده بالضرورة،
بل أنه يصل إلى ذلك حين يُستخدم بوصفه إطارًا مكتملًا يزعم الإحاطة بالعالم، لا أداة لفتح أسئلة جديدة حوله.
فالمعرفة، في هذا المستوى، لا تعمل فقط كوسيلة للتفسير، بل كشرط لتحديد حدود ما يمكن التفكير فيه أصلًا.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال: كيف نفهم العالم؟ بل: هل يمكننا التفكير فيه خارج المفاهيم التي صاغها؟ وهل نحن قادرون على تخيّل صراع لا يُقاس بالحسم، أو قوة لا تُقاس بالنتيجة، أو عالم لا تُشكّل “النهاية” أفقه الضمني؟
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس استمرار الحروب، بل استمرار التفكير فيها كما لو أنها يجب أن تنتهي.
إذا كانت الحروب المعاصرة قد كشفت حدود القوة، فإنها كشفت—بصورة أعمق—حدود المفاهيم التي نستخدمها لفهم هذه القوة. فالفشل المتكرر في تحقيق الحسم لا يعود فقط إلى تداخل الأدوات أو تعدد الفاعلين، بل إلى افتراض ضمني يسبق كل تحليل: أن هناك نهاية يمكن الوصول إليها، وأن الصراع، مهما طال، يحمل في داخله إمكانية الإغلاق.
غير أن هذا الافتراض نفسه لم يعد بريئًا. فهو ينتمي إلى لحظة تاريخية كان فيها العالم يُدار ضمن منطق مختلف، حيث كانت الإمبراطوريات تُعيد ترتيب المجال، وتفرض نتائجها بوصفها نهايات قابلة للاستقرار. في تلك اللحظة، لم تكن مفاهيم مثل “النصر” أو “الهزيمة” مجرد توصيفات، بل أدوات تنظيم للعالم نفسه. أما اليوم، فإن استخدام هذه المفاهيم لم يعد يفسّر الواقع بقدر ما يفرض عليه قالبًا لم يعد ينتمي إليه.
هنا، لا يقتصر الأمر على قصور في التحليل، بل يتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته “الاستمرار المفاهيمي”: أي استمرار استخدام مفاهيم فقدت شروط اشتغالها، فقط لأنها ما تزال متاحة داخل اللغة. في كثير من الحالات، نستمر في استخدام هذه المفاهيم ليس لأنها تفسّر الواقع بدقة، بل لغياب بدائل مفاهيمية ناضجة قادرة على تجاوزه.
وفي هذا السياق، يصبح حتى أكثر الأطر التفسيرية تقدمًا عرضة لهذا المأزق. فمفهوم “الفخّ المركّب”، على قدرته العالية في تفسير تداخل القيود البنيوية، قد يتحول—إذا لم يُساءل—إلى صيغة أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاج الفكرة نفسها: فكرة أن هناك نظامًا يمكن فهمه بالكامل، وأن فهمه يفتح الطريق لتجاوزه.
لكن هذا لا يلغي قيمة هذه الأطر، بل يحدّد شرطها:
أن تُستخدم بوصفها أدوات مؤقتة، لا كنماذج مكتملة،
وأن تبقى مفتوحة على مساءلة ذاتها، لا مغلقة داخل يقينها.
فالمشكلة لا تكمن في وجود إطار تفسيري،
بل في تحوّله إلى أفق نهائي يُنهي السؤال بدل أن يفتحه.
في هذه الحالة، لا يعود الفهم خطوة كافية نحو الخروج، بل قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج البنية. أي أن المعرفة لا تكشف حدودها فقط، بل قد تُسهم—في بعض استخداماتها—في إعادة إنتاج هذه الحدود، عبر تحويلها إلى نماذج قابلة للإدراك، وبالتالي قابلة للتكيّف معها.
غير أن ما يتكشف هنا لا يتوقف عند حدود نقد الأدوات، بل يمتد إلى الأفق الذي يمنحها معناها. فالعالم الذي يتشكل اليوم—بفعل التسارع التكنولوجي، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتنامي نفوذ الفواعل العابرة للسيادة—لم يعد يعمل ضمن نفس البنية التي صاغت مفاهيم “الحسم” و”النهاية” و”الانتصار”. لم تعد الدولة هي مركز الفعل الوحيد، ولم تعد القوة تُمارس فقط عبر أدواتها التقليدية، بل عبر شبكات متداخلة من الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والبيانات.
وفي مثل هذا العالم، لا تتآكل فقط قدرة الفاعلين على فرض النهايات، بل يتآكل أيضًا “أفق النهاية” ذاته—أي الإطار الذي يجعل من الممكن تخيّل نتيجة نهائية للصراع.
بهذا المعنى، قد نكون أمام ما يمكن تسميته: “تفكك أفق النهاية”—أي تراجع قدرة النهايات على أداء وظيفتها كإغلاقات مستقرة يمكن القياس عليها—ليس بوصفه غيابًا للنهايات، بل بوصفه تحوّلًا بنيويًا لم تعد فيه الأفعال، مهما بلغت كثافتها، تقود بالضرورة إلى نتائج قابلة للتثبيت.
وفي هذا السياق، لا يبدو ما نشهده مجرد تعثّر في قدرة القوة على فرض نهايات، بقدر ما يعكس تحوّلًا أعمق في طريقة اشتغالها نفسها. فالقوة لم تعد تعمل بوصفها أداة لإغلاق الصراع، بل كآلية لإدارته واستمراره. لم تعد الغاية إنتاج لحظة يُقال عندها “انتهى”، بل الحفاظ على مسار يمكن ضبطه، وإعادة تشكيله، والتدخل فيه دون أن يُحسم. بهذا المعنى، لا يصبح غياب النهاية خللًا طارئًا، بل جزءًا من منطق اشتغال جديد، تتحول فيه الصراعات من مسارات تقود إلى نتائج، إلى فضاءات مفتوحة تُدار داخلها القوة بدل أن تُنهيها.
ويمكن ملاحظة هذا النمط بشكل واضح في بعض الصراعات المعاصرة، مثل الحرب في أوكرانيا، حيث لم يؤدِّ تصاعد الفعل العسكري، رغم كثافته واستمراريته، إلى تقريب الصراع من نقطة إغلاق، بل إلى إعادة تشكيله ضمن شبكة أوسع من التفاعلات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فكل محاولة لتحقيق حسم ميداني كانت تقود، في المقابل، إلى توسيع نطاق الاشتباك، أو تعميق ارتباطه بساحات أخرى، أو إعادة تعريف أهدافه.
ويمكن ملاحظة نمط قريب—وإن بأشكال مختلفة—في التصعيد المستمر المرتبط بإيران، حيث لا يؤدي الضغط العسكري أو الأمني إلى إنتاج نتيجة نهائية مستقرة، بل إلى إعادة توزيع التوتر ضمن مساحات إقليمية متعددة، بما يعيد تشكيل الصراع بدل إنهائه.
كما يتجلى هذا النمط بصورة أكثر حدّة في الحرب الجارية في قطاع غزة، حيث لا يتحول التصعيد، رغم كثافته الإنسانية والعسكرية، إلى مسار يقود إلى إغلاق واضح، بل إلى إعادة إنتاج شروط الصراع ضمن دورات متكررة، تجعل من “النهاية” أفقًا مؤجلًا باستمرار.
في هذا السياق، لا يبدو غياب النهاية نتيجة عجز مؤقت في إدارة الصراع، بل تعبيرًا عن بنية لا تنتج إغلاقًا مستقرًا بسهولة، حيث تتحول النتائج إلى مراحل داخل مسار مفتوح، لا نقاط توقف نهائية.
ولا يقتصر هذا النمط على حالة واحدة، بل يتكرر بدرجات متفاوتة في بيئات صراع متعددة تتسم بالتشابك البنيوي وغياب المركز.
إننا ننتقل من عالم كانت فيه السببية—ولو بشكل متعثر—تقود إلى إغلاق، إلى عالم تتكثف فيه الأسباب دون أن تستقر في نتائج نهائية. عالم يُنتج تأثيرًا مستمرًا، لا نهاية مستقرة.
ورغم هذا كلّه، لا يتوقف العالم عن البحث عن نهايات. فالمفاوضات لا تنقطع، والمبادرات تتوالى، والخطاب السياسي يظل مشدودًا إلى فكرة “الحل” و”التسوية” و”نقطة الخروج”. غير أن ما يكشفه الواقع هو مفارقة أكثر تعقيدًا: أن هذا السعي المستمر نحو الإغلاق يجري داخل بنية لم تعد قادرة على إنتاجه بالمعنى الذي كان قائمًا. فالتسويات، بدل أن تكون لحظات حسم، تتحول إلى آليات لإدارة الصراع وتخفيف حدّته وإعادة توزيعه، لا لإنهائه. وهكذا، لا يعود التفاوض دليلًا على اقتراب النهاية، بل يصبح جزءًا من نمط اشتغال يُبقي الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، دون أن يُفضي إلى إغلاقه فعليًا .
وهنا، لا يعود السؤال: لماذا لا تنتهي الصراعات؟
بل: هل ما زال مفهوم “النهاية” كإغلاق مستقر ونهائي كافيًا للفهم؟
ومع ذلك، تبقى هذه المعرفة قادرة على أداء وظيفة مختلفة:
ليس كسر القيود دفعة واحدة،
بل كشف حدودها، وتعطيل اكتمالها، ومنع تحوّلها إلى حقائق نهائية غير قابلة للمساءلة.
وهنا، نصل إلى نقطة أكثر إرباكًا: هل يمكن التفكير خارج هذا الإطار أصلًا؟ أم أن كل محاولة لتجاوزه تظل محكومة بشروطه؟ فإذا كانت المفاهيم التي نستخدمها قد تشكّلت داخل عالم يمتلك مركزًا ونهايات، فإن التفكير خارجها يتطلب أكثر من تعديلها—يتطلب إعادة بناء شروط التفكير نفسها.
لكن هذا الطرح لا يخلو من مفارقة عميقة. فمحاولة التفكير خارج المفاهيم السائدة لا يمكن أن تتم إلا باستخدامها. أي أننا نحاول الخروج من البنية باستخدام أدوات تنتمي إليها، وهو ما يجعل هذا الخروج عملية تدريجية تقوم على تفكيك الاستخدام، لا إعلان القطيعة.
غير أن هذا لا يجعل الخروج مستحيلًا،
بل يجعله عملية تدريجية من زحزحة المفاهيم، لا القطيعة معها،
ومن اختبار حدودها، لا إعلان تجاوزها الكامل.
في ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في ما نسمّيه “اللا-حسم”. فبدلًا من اعتباره نتيجة لفشل استراتيجي أو تعقيد بنيوي فقط، يمكن فهمه بوصفه تعبيرًا عن حدّ معرفي: حدّ يكشف أن أدواتنا لم تعد قادرة على التقاط طبيعة الواقع الذي نحاول تفسيره. اللا-حسم، بهذا المعنى، ليس فقط سمة للصراعات، بل سمة للفهم ذاته.
وهذا ما يفسر لماذا تتكرر الأنماط نفسها، رغم تغيّر السياقات، ولماذا تبدو كل محاولة للفهم وكأنها تعيد إنتاج الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة. لسنا أمام عجز عن الإجابة، بل أمام عجز في صياغة السؤال بطريقة تنتمي إلى العالم الذي نعيش فيه.
بهذا المعنى، لا تعود المشكلة في الحروب وحدها، بل في الطريقة التي نفكر بها فيها. فطالما استمررنا في استخدام مفاهيم تفترض وجود نهاية، سنبقى نقرأ الاستمرار بوصفه خللًا، لا بوصفه نمطًا. وطالما بقينا نبحث عن الحسم، سنبقى نعتبر غيابه فشلًا، لا تعبيرًا عن تحوّل أعمق.
لذلك، قد لا يكون التحدي الحقيقي في فهم كيف تعمل الحروب، بل في القدرة على التفكير في عالم لا تُشكّل فيه النهاية أفقًا ضروريًا. عالم لا تُقاس فيه القوة بقدرتها على الإغلاق، ولا يُفهم فيه الصراع بوصفه مسارًا نحو نتيجة، بل كحالة اشتغال مستمرة داخل بنية لا تملك نقطة توقف واضحة.
في مثل هذا العالم، لا يكون الخروج من القيود مسألة استراتيجية فقط، بل مسألة معرفية بالدرجة الأولى:
ليس كيف نكسره، بل كيف نفكر فيه دون أن نعيد إنتاج حدوده.
وهنا، ربما يكمن السؤال الأكثر إزعاجًا:
لسنا فقط داخل عالم لا يُنهي صراعاته…
بل داخل طريقة تفكير تجد صعوبة متزايدة في تخيّل صراعات تُختتم ضمن نماذج الإغلاق التقليدية.
ومع ذلك، فإن إدراك هذا الحدّ قد لا يكون نهاية الفهم،بل بدايته الفعلية .