ما يجري هنا ليس خبرًا آخر.
بل مشهدٌ ثانٍ في الفيلم نفسه. إذا كان المخرج الإيراني جعفر بناهي قد عاد بجسده إلى الوطن، فإن المخرج الإيراني أصغر فرهادي يحاول أن يعيد العالم… إلى ضميره. هذه، في الحقيقة، ليست جملة للزينة. هذه هي البوابة التي يجب أن ندخل منها. لأن الفارق بين الرجلين، على أهميته، لا يفصل بينهما… بل يجمعهما. بناهي قال، أو هكذا لخص موقفه كله: سأعود… وأتحمّل ما يتحمّله الناس. وفرهادي يقول اليوم، من موقع آخر، لكن من الجهة نفسها: تكلّموا… لا تتركوا الناس وحدهم. بين الرجلين… لا توجد مسافة. بل زاويتان للكاميرا. الأول يدخل الكادر. الثاني يوسّعه. الأول يقول بجسده: أنا هنا. والثاني يقول بصوته: أنتم أيضًا… يجب أن تكونوا هنا.
هذه ليست حكاية مخرجين. هذه لحظة تخرج فيها السينما من الظل… وتقف في الضوء. حين يصبح الكلام كثيرًا… تفقد الكلمات وزنها. وحين تتراكم البيانات… تتحول إلى ضجيج. لكن الصورة… إذا كانت صادقة… لا تحتاج أن ترفع صوتها. يكفي أن تُرى. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لسنا أمام مخرجين يعلّقان على حدث سياسي. ولسنا أمام نجمين يستخدمان اسميهما في لحظة حرجة. نحن أمام لحظة نادرة يتقدّم فيها السينمائي خطوة إلى الأمام، ليس لأنه يريد دورًا أكبر، بل لأن الفراغ أمامه لم يعد يحتمل الصمت.
فرهادي، الذي صعد إلى منصة الأوسكار مرتين، لم يستخدم المجد كملجأ… استخدمه كمنبر. وهنا تتبدل وظيفة السينمائي مرة أخرى: من صانع صورة… إلى حارس معنى. حين يقول إن تدمير البنية التحتية ليس تدميرًا للحجر، بل اعتداء على الحياة نفسها، فهو لا يتحدث بلغة سياسية باردة، ولا بلغة قانونية جافة، بل بلغة سينمائية بامتياز. لأن السينما تعرف هذا جيدًا: أن المكان ليس خلفية. أن الشارع ليس ديكورًا. أن البيت ليس جدرانًا. بل حياة كاملة، ذاكرة كاملة، إيقاع يومي كامل، يمكن أن ينهار كله بلقطة واحدة. لهذا لا يبدو كلام فرهادي بيانًا عابرًا. يبدو كأنه دفاع عن جوهر السينما نفسها. فالسينمائي، قبل أن يصنع فيلمًا، هو ابن مكان. ابن شارع. ابن نافذة. ابن بيت يعرف كيف يدخل الضوء إليه، وكيف يخرج منه الخوف. ومن هنا يتقاطع فرهادي مع بناهي، من دون أن يلتقيا في المشهد نفسه. الأول يصوّر الداخل. الثاني يخاطب الخارج. الأول يحوّل القيد إلى فيلم. والثاني يحوّل الفيلم إلى موقف.
السينمائي الحقيقي لا ينافس السياسي. هو يعمل في مستوى آخر. السياسي يرتّب الواقع. السينمائي يكشفه. السياسي يفسّر ما يحدث. السينمائي يجعلك تعيشه. لهذا… حين يختار إنسان أن يعود إلى مكان قد يعاقبه، أو أن يرفع صوته في لحظة يفضّل فيها الجميع الصمت، فنحن لا نتحدث عن شجاعة فردية فقط. نحن أمام تعريف مختلف للانتماء. الانتماء ليس أن توافق. ولا أن تعارض فقط. الانتماء… أن تبقى داخل المشهد حتى حين يصبح المشهد قاسيًا عليك. وهنا… يتغير ترتيب الأشياء. لا يعود السؤال: من الأقوى؟ ولا: من الأعلى صوتًا؟ بل: من يرى… بصدق؟
ومن هنا بالضبط، من هذه الزاوية، أشعر أن الرجلين لا يدفعانني فقط إلى احترامهما، بل يدفعانني أيضًا إلى أن أزداد تقديرًا وإجلالًا للسينمائيين الفلسطينيين. لا بدافع المقارنة العاطفية، ولا من باب المجاملة الوطنية، بل لأن تاريخنا السينمائي نفسه كان مدرسة. كان بداية. كان من أوائل ما فهم أن الصورة ليست تابعًا للسياسة، بل شريكًا في تشكيل معناها، وربما سابقًا عليها أحيانًا. ومن هنا… أعود، دون أن أبحث، إلى فلسطين. ليس كقضية. بل كذاكرة. نحن، كفلسطينيين، لم نكتشف متأخرين أن السينما موقف. نحن بدأنا من هناك. نحن لم نصل إلى السينما متأخرين. نحن دخلناها من الباب الأصعب. من باب الحاجة. حين كانت الصورة في أماكن كثيرة… فنًا، كانت عندنا… ضرورة. حين كانت الكاميرا تلتقط الجمال، كانت عندنا… تلاحق الحقيقة قبل أن تضيع. قبل أن تتحول الكاميرا إلى أداة احتجاج عالمي، كانت عندنا أداة بقاء. قبل أن تصبح السينما “صوتًا مسموعًا”، كانت عندنا صوتًا وحيدًا. قبل أن تتحول الصورة إلى مادة يتداولها العالم في المهرجانات، كانت عندنا تُطارد، وتُصادر، ويُقتل حاملوها. السينما الفلسطينية لم تكن ترفًا ثقافيًا. كانت فعل نجاة. كانت تقول: نحن هنا. في وقت كان العالم كله تقريبًا يتواطأ على ألّا يرانا، أو على الأقل أن يرانا كما يريد هو، لا كما نحن.
ولهذا… لم تبدأ الحكاية بلقطة. بدأت بموقف. ولهذا، للإنصاف وللتاريخ كما يجب أن يُكتب، لم يكن غريبًا أن تكون البدايات… امرأة. المصوّرة السينمائية الفلسطينية الرائدة سلافة جاد الله لم تكن أول مصوّرة سينمائية فلسطينية فقط، بل كانت إعلانًا مبكرًا أن الصورة في فلسطين لن تكون حكرًا على أحد، وأن المرأة الفلسطينية، منذ البداية، لم تكن موضوعًا للصورة فقط… بل صانعتها أيضًا. ثم جاء من فهم أن الكاميرا ليست أداة توثيق فحسب، بل أداة نضال. المخرج السينمائي مصطفى أبو علي، المخرج غالب شعاث، المخرج سمير نمر، المخرج عدنان مدانات، المخرج يحيى بركات، المنتجة والباحثة السينمائية خديجة حباشنه، المخرجة نبيهى لطفي، المخرج محمد سوالمه، المخرج قاسم حول، المخرج والمونتير قيس الزبيدي، المخرج محمد توفيق، المخرج حكمت داود، المخرج فؤاد زنتوت لم يكونوا مجرد أسماء تعبر في شريط الذاكرة. كانوا يؤسسون لشيء أكبر من أفلام. كانوا يؤسسون لذاكرة تقاتل. وكانوا يشتغلون في حقل لا يفصل بين الجمالي والوطني، بين اللقطة والموقف، بين الفيلم والجرح. ولم تكن هذه التجربة محلية ضيقة، ولا منغلقة على نفسها، بل وجدت صداها في من فهمها وشاركها، ومن بين هؤلاء الراحل المخرج السينمائي اللبناني جان شمعون، الذي لم يكن متضامنًا من بعيد، بل جزءًا من هذا الوعي العربي الذي رأى في الكاميرا موقفًا، وفي الصورة موقعًا أخلاقيًا، وفي الفيلم مساحة مقاومة لا تقل شأنًا عن أي مساحة أخرى.
ثم جاء الثمن. المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية (أول شهيد للسينما الفلسطينية). المصور المقدسي. أول شهيد للسينما الفلسطينية. وهنا يجب أن نتوقف طويلًا. لأن الأمر لا يتعلق باسم في أرشيف. بل بلحظة مؤسسة. المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية لم يسقط وهو يحمل بندقية. سقط وهو يحمل كاميرا. وهذا وحده يكفي كي يعيد تعريف العلاقة بين السينما والوطنية، بين الصورة والخطر، بين الفن والتضحية. ثم لم تكن حادثة. كانت طريقًا يُكتب بالدم. المصور السينمائي مطيع إبراهيم والمصور السينمائي عبد الحافظ الأسمر لم يكونا مجرد مصورين. كانا امتدادًا لفكرة أن الكاميرا في فلسطين ليست أقل خطرًا من الرصاصة، وأن من يحمل الصورة قد يُستهدف كما يُستهدف المقاتل. هكذا يُكتب التاريخ الحقيقي للسينما الفلسطينية. لم يبدأ بلقطة جميلة. بدأ بموقف. وهكذا أيضًا نفهم لماذا كانت السينما الفلسطينية النضالية سباقة. ولماذا لا يجوز التعامل معها كفصل جانبي في الحكاية الوطنية. هي لم تكن هامشًا على الرواية. كانت من أوائل من كتبها بالصورة، ومن أوائل من دفع ثمنها بالدم. ولهذا أقولها بوضوح لا يحتمل المجاملة: نحن لم نكن تلاميذ في هذا الدرس. نحن كتبنا صفحته الأولى.
واليوم، وأنا أرى بناهي يعود، وفرهادي يصرخ في وجه العالم، لا أشعر أننا نتعلم منهما فقط. أشعر أننا نتذكر أنفسنا. نتذكر أن هذه الكاميرا التي نراها اليوم في أيدي شباب غزة… ليست جديدة. هي نفسها، في الجوهر، الكاميرا التي سقطت من يد المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية. لكن الفرق أنها اليوم أكثر انتشارًا، وأكثر عرضة للخطر، وأكثر قدرة على فضح العالم. في غزة… لا يصوّرون فقط. هم يعيشون داخل اللقطة. هم ليسوا مراقبين للحرب من خلف زجاج. هم من لحمها، من غبارها، من خوفها، من ليلها الطويل، ومن ضوئها الخاطف. ومن هنا لا يمكن أن نمر مرورًا عابرًا على ما فعله المخرج السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي. لأن الرجل لم يكتفِ بأن يكون مخرجًا له مكانته، بل فتح الكاميرا أمام جيل كامل، وجمع أصواتًا شابة من غزة في مشروع “المسافة صفر”، كأنما كان يقول للعالم كله: إذا حاصرتم الصورة… سنصنعها من الداخل. إذا أغلقتم المنافذ… سنفتح نافذة من تحت الركام. إذا حاولتم احتكار السردية… سنكسر القفل بلقطة.
ومن بين هذا الركام، خرجت أسماء يجب أن تُقال، لا كأرقام، بل كوجوه، لا كعناوين عابرة، بل كعلامات في سجل المجد: السينمائي أحمد حسونة، السينمائي محمد الشريف، السينمائي إسلام الزريعي، السينمائية نداء أبو حسنة، السينمائية اعتماد وشاح، السينمائية رَباب خميس، السينمائي تامر نجم، السينمائي مصطفى قلاب، السينمائي أحمد الدنف، السينمائي أوس البنّا، السينمائي كريم سطوم، السينمائي بشار البلبيسي، السينمائي مهدي كريرة، السينمائي خميس مشهراوي، السينمائي باسل المقوسي، السينمائي وسام موسى، السينمائي علاء أيوب. وهناك أسماء عديدة أخرى لسينمائيين وسينمائيات فلسطينيين لم يذكرها هذا المقال، لا لأنهم أقل حضورًا أو أثرًا، بل لأن النص يضيق بما لا يضيق به تاريخهم، وغياب أسمائهم هنا لا يلغي وجودهم، ولا حضورهم الوطني، ولا حقهم الكامل في هذه الذاكرة الفلسطينية المفتوحة. هؤلاء لا يصنعون أفلامًا فقط. هؤلاء يصنعون الذاكرة… وهي ساخنة. يصنعون الدليل قبل أن يبرد الدم. يصنعون الشهادة قبل أن يعيد العالم ترتيب الأكاذيب بما يناسبه. وغزة، بهذا المعنى، لم تنتج ضحايا أمام الكاميرا فقط، بل أنتجت أصحاب كاميرا أيضًا. وهؤلاء ليسوا مجرد “مواهب ناشئة” كما قد يحب البعض أن يسميهم بتعالٍ ناعم، بل ورثة خط تاريخي كامل بدأ مع السينما الفلسطينية النضالية الأولى، ثم عاد اليوم في الحرب بأشكال جديدة: وثائقي، روائي قصير، فيديو آرت، أنيميشن، اعتراف شخصي، لكن الجوهر واحد: الصورة ليست زينة للحدث… بل شكل من أشكال الاشتباك معه.
ولا يكتمل هذا المشهد من دون التوقف أمام الحضور الفلسطيني النسائي في السينما الدولية. لأن المخرجات الفلسطينيات لم يدخلن هذا الفضاء كرموز شكلية، ولا كديكور تنوعي جميل، بل كصاحبات رؤية، وصاحبات لغة، وصاحبات أثر. المخرجة آن ماري جاسر، المخرجة مي المصري، المخرجة مها حاج، المخرجة ليلى عباس، المخرجة فرح النابلسي. هذه الأسماء لا تُذكر لأننا نريد تعدادًا شرفيًا. تُذكر لأنها كتبت اسمها في قلب العالم. كتبت اسمها بالأفلام، بالمهرجانات، بالحضور الدولي، بالاعتراف الذي لم يأتِ من فراغ، بل من عمل حقيقي، من لغة، من حساسية، من قدرة على أن تقول المرأة الفلسطينية: أنا لا أُروى… أنا أروي. وهنا تتضح الصورة كلها.
من المصوّرة السينمائية الفلسطينية الرائدة سلافة جاد الله… إلى المخرج السينمائي مصطفى أبو علي والمخرج غالب شعاث والمخرج سمير نمر والمخرج عدنان مدانات والمخرج يحيى بركات والمنتجة والباحثة السينمائية خديجة حباشنه والمخرجة نبيهى لطفي والمخرج محمد سوالمه والمخرج قاسم حول والمخرج والمونتير قيس الزبيدي والمخرج محمد توفيق والمخرج حكمت داود والمخرج فؤاد زنتوت… إلى المخرج السينمائي اللبناني جان شمعون… إلى المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية… إلى المصور السينمائي مطيع إبراهيم والمصور السينمائي عبد الحافظ الأسمر… وإلى السينمائي أبو ظريف… والمخرج يحيى بركات… والمخرج السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي… إلى جيل غزة الجديد… إلى المخرجة آن ماري جاسر والمخرجة مي المصري والمخرجة مها حاج والمخرجة ليلى عباس والمخرجة فرح النابلسي… نحن لا نتحدث عن تجارب متفرقة. نحن أمام مدرسة. مدرسة وُلدت من الخطر، ونضجت تحت النار، ولم تنتظر إذنًا من أحد.
ولهذا… حين أرى بناهي، وأسمع فرهادي، لا أصفّق فقط. أنا أفهم. أفهم أن ما يفعلانه مهم. أفهم أن ما يقولانه نبيل. أفهم أن ما يقدمانه للسينما ولمعنى الانتماء يستحق الاحترام. لكنني أفهم أيضًا أن ما عشناه نحن، وما كتبه الفلسطينيون بالكاميرا قبل كثيرين، كان بداية مبكرة لهذا كله. ولهذا، فإن الرجلين لا يجعلاني أرفع مكانة السينمائي على السياسي من باب المبالغة، بل من باب الفهم. السياسي، في كثير من الأحيان، يبقى أسير لحظته، أسير حساباته، أسير لغته التي تذوب بسرعة مهما علت. أما السينمائي الحقيقي، فهو من يمنح اللحظة عمرًا أطول من أصحابها. هو من يترك فيها أثرًا لا يمكن محوه، ولا التفاوض عليه، ولا إعادته إلى الوراء. لأن ما يُقال… يذوب. وما يُرى… يترسّب في الوعي، ثم يتحول، ببطء لا يُلاحظ، إلى حقيقة. ومن هنا، من هذه النقطة بالذات، تتبدل المواقع دون إعلان، ودون بيان رسمي، ودون تصفيق مفتعل: يتراجع الخطاب، ويتقدّم السينمائي. ليس لأنه قال أكثر. بل لأنه رأى أعمق. ومن يرى… لا يعود إلى الخلف.
المخرج يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
12/4/2026
بل مشهدٌ ثانٍ في الفيلم نفسه. إذا كان المخرج الإيراني جعفر بناهي قد عاد بجسده إلى الوطن، فإن المخرج الإيراني أصغر فرهادي يحاول أن يعيد العالم… إلى ضميره. هذه، في الحقيقة، ليست جملة للزينة. هذه هي البوابة التي يجب أن ندخل منها. لأن الفارق بين الرجلين، على أهميته، لا يفصل بينهما… بل يجمعهما. بناهي قال، أو هكذا لخص موقفه كله: سأعود… وأتحمّل ما يتحمّله الناس. وفرهادي يقول اليوم، من موقع آخر، لكن من الجهة نفسها: تكلّموا… لا تتركوا الناس وحدهم. بين الرجلين… لا توجد مسافة. بل زاويتان للكاميرا. الأول يدخل الكادر. الثاني يوسّعه. الأول يقول بجسده: أنا هنا. والثاني يقول بصوته: أنتم أيضًا… يجب أن تكونوا هنا.
هذه ليست حكاية مخرجين. هذه لحظة تخرج فيها السينما من الظل… وتقف في الضوء. حين يصبح الكلام كثيرًا… تفقد الكلمات وزنها. وحين تتراكم البيانات… تتحول إلى ضجيج. لكن الصورة… إذا كانت صادقة… لا تحتاج أن ترفع صوتها. يكفي أن تُرى. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لسنا أمام مخرجين يعلّقان على حدث سياسي. ولسنا أمام نجمين يستخدمان اسميهما في لحظة حرجة. نحن أمام لحظة نادرة يتقدّم فيها السينمائي خطوة إلى الأمام، ليس لأنه يريد دورًا أكبر، بل لأن الفراغ أمامه لم يعد يحتمل الصمت.
فرهادي، الذي صعد إلى منصة الأوسكار مرتين، لم يستخدم المجد كملجأ… استخدمه كمنبر. وهنا تتبدل وظيفة السينمائي مرة أخرى: من صانع صورة… إلى حارس معنى. حين يقول إن تدمير البنية التحتية ليس تدميرًا للحجر، بل اعتداء على الحياة نفسها، فهو لا يتحدث بلغة سياسية باردة، ولا بلغة قانونية جافة، بل بلغة سينمائية بامتياز. لأن السينما تعرف هذا جيدًا: أن المكان ليس خلفية. أن الشارع ليس ديكورًا. أن البيت ليس جدرانًا. بل حياة كاملة، ذاكرة كاملة، إيقاع يومي كامل، يمكن أن ينهار كله بلقطة واحدة. لهذا لا يبدو كلام فرهادي بيانًا عابرًا. يبدو كأنه دفاع عن جوهر السينما نفسها. فالسينمائي، قبل أن يصنع فيلمًا، هو ابن مكان. ابن شارع. ابن نافذة. ابن بيت يعرف كيف يدخل الضوء إليه، وكيف يخرج منه الخوف. ومن هنا يتقاطع فرهادي مع بناهي، من دون أن يلتقيا في المشهد نفسه. الأول يصوّر الداخل. الثاني يخاطب الخارج. الأول يحوّل القيد إلى فيلم. والثاني يحوّل الفيلم إلى موقف.
السينمائي الحقيقي لا ينافس السياسي. هو يعمل في مستوى آخر. السياسي يرتّب الواقع. السينمائي يكشفه. السياسي يفسّر ما يحدث. السينمائي يجعلك تعيشه. لهذا… حين يختار إنسان أن يعود إلى مكان قد يعاقبه، أو أن يرفع صوته في لحظة يفضّل فيها الجميع الصمت، فنحن لا نتحدث عن شجاعة فردية فقط. نحن أمام تعريف مختلف للانتماء. الانتماء ليس أن توافق. ولا أن تعارض فقط. الانتماء… أن تبقى داخل المشهد حتى حين يصبح المشهد قاسيًا عليك. وهنا… يتغير ترتيب الأشياء. لا يعود السؤال: من الأقوى؟ ولا: من الأعلى صوتًا؟ بل: من يرى… بصدق؟
ومن هنا بالضبط، من هذه الزاوية، أشعر أن الرجلين لا يدفعانني فقط إلى احترامهما، بل يدفعانني أيضًا إلى أن أزداد تقديرًا وإجلالًا للسينمائيين الفلسطينيين. لا بدافع المقارنة العاطفية، ولا من باب المجاملة الوطنية، بل لأن تاريخنا السينمائي نفسه كان مدرسة. كان بداية. كان من أوائل ما فهم أن الصورة ليست تابعًا للسياسة، بل شريكًا في تشكيل معناها، وربما سابقًا عليها أحيانًا. ومن هنا… أعود، دون أن أبحث، إلى فلسطين. ليس كقضية. بل كذاكرة. نحن، كفلسطينيين، لم نكتشف متأخرين أن السينما موقف. نحن بدأنا من هناك. نحن لم نصل إلى السينما متأخرين. نحن دخلناها من الباب الأصعب. من باب الحاجة. حين كانت الصورة في أماكن كثيرة… فنًا، كانت عندنا… ضرورة. حين كانت الكاميرا تلتقط الجمال، كانت عندنا… تلاحق الحقيقة قبل أن تضيع. قبل أن تتحول الكاميرا إلى أداة احتجاج عالمي، كانت عندنا أداة بقاء. قبل أن تصبح السينما “صوتًا مسموعًا”، كانت عندنا صوتًا وحيدًا. قبل أن تتحول الصورة إلى مادة يتداولها العالم في المهرجانات، كانت عندنا تُطارد، وتُصادر، ويُقتل حاملوها. السينما الفلسطينية لم تكن ترفًا ثقافيًا. كانت فعل نجاة. كانت تقول: نحن هنا. في وقت كان العالم كله تقريبًا يتواطأ على ألّا يرانا، أو على الأقل أن يرانا كما يريد هو، لا كما نحن.
ولهذا… لم تبدأ الحكاية بلقطة. بدأت بموقف. ولهذا، للإنصاف وللتاريخ كما يجب أن يُكتب، لم يكن غريبًا أن تكون البدايات… امرأة. المصوّرة السينمائية الفلسطينية الرائدة سلافة جاد الله لم تكن أول مصوّرة سينمائية فلسطينية فقط، بل كانت إعلانًا مبكرًا أن الصورة في فلسطين لن تكون حكرًا على أحد، وأن المرأة الفلسطينية، منذ البداية، لم تكن موضوعًا للصورة فقط… بل صانعتها أيضًا. ثم جاء من فهم أن الكاميرا ليست أداة توثيق فحسب، بل أداة نضال. المخرج السينمائي مصطفى أبو علي، المخرج غالب شعاث، المخرج سمير نمر، المخرج عدنان مدانات، المخرج يحيى بركات، المنتجة والباحثة السينمائية خديجة حباشنه، المخرجة نبيهى لطفي، المخرج محمد سوالمه، المخرج قاسم حول، المخرج والمونتير قيس الزبيدي، المخرج محمد توفيق، المخرج حكمت داود، المخرج فؤاد زنتوت لم يكونوا مجرد أسماء تعبر في شريط الذاكرة. كانوا يؤسسون لشيء أكبر من أفلام. كانوا يؤسسون لذاكرة تقاتل. وكانوا يشتغلون في حقل لا يفصل بين الجمالي والوطني، بين اللقطة والموقف، بين الفيلم والجرح. ولم تكن هذه التجربة محلية ضيقة، ولا منغلقة على نفسها، بل وجدت صداها في من فهمها وشاركها، ومن بين هؤلاء الراحل المخرج السينمائي اللبناني جان شمعون، الذي لم يكن متضامنًا من بعيد، بل جزءًا من هذا الوعي العربي الذي رأى في الكاميرا موقفًا، وفي الصورة موقعًا أخلاقيًا، وفي الفيلم مساحة مقاومة لا تقل شأنًا عن أي مساحة أخرى.
ثم جاء الثمن. المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية (أول شهيد للسينما الفلسطينية). المصور المقدسي. أول شهيد للسينما الفلسطينية. وهنا يجب أن نتوقف طويلًا. لأن الأمر لا يتعلق باسم في أرشيف. بل بلحظة مؤسسة. المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية لم يسقط وهو يحمل بندقية. سقط وهو يحمل كاميرا. وهذا وحده يكفي كي يعيد تعريف العلاقة بين السينما والوطنية، بين الصورة والخطر، بين الفن والتضحية. ثم لم تكن حادثة. كانت طريقًا يُكتب بالدم. المصور السينمائي مطيع إبراهيم والمصور السينمائي عبد الحافظ الأسمر لم يكونا مجرد مصورين. كانا امتدادًا لفكرة أن الكاميرا في فلسطين ليست أقل خطرًا من الرصاصة، وأن من يحمل الصورة قد يُستهدف كما يُستهدف المقاتل. هكذا يُكتب التاريخ الحقيقي للسينما الفلسطينية. لم يبدأ بلقطة جميلة. بدأ بموقف. وهكذا أيضًا نفهم لماذا كانت السينما الفلسطينية النضالية سباقة. ولماذا لا يجوز التعامل معها كفصل جانبي في الحكاية الوطنية. هي لم تكن هامشًا على الرواية. كانت من أوائل من كتبها بالصورة، ومن أوائل من دفع ثمنها بالدم. ولهذا أقولها بوضوح لا يحتمل المجاملة: نحن لم نكن تلاميذ في هذا الدرس. نحن كتبنا صفحته الأولى.
واليوم، وأنا أرى بناهي يعود، وفرهادي يصرخ في وجه العالم، لا أشعر أننا نتعلم منهما فقط. أشعر أننا نتذكر أنفسنا. نتذكر أن هذه الكاميرا التي نراها اليوم في أيدي شباب غزة… ليست جديدة. هي نفسها، في الجوهر، الكاميرا التي سقطت من يد المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية. لكن الفرق أنها اليوم أكثر انتشارًا، وأكثر عرضة للخطر، وأكثر قدرة على فضح العالم. في غزة… لا يصوّرون فقط. هم يعيشون داخل اللقطة. هم ليسوا مراقبين للحرب من خلف زجاج. هم من لحمها، من غبارها، من خوفها، من ليلها الطويل، ومن ضوئها الخاطف. ومن هنا لا يمكن أن نمر مرورًا عابرًا على ما فعله المخرج السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي. لأن الرجل لم يكتفِ بأن يكون مخرجًا له مكانته، بل فتح الكاميرا أمام جيل كامل، وجمع أصواتًا شابة من غزة في مشروع “المسافة صفر”، كأنما كان يقول للعالم كله: إذا حاصرتم الصورة… سنصنعها من الداخل. إذا أغلقتم المنافذ… سنفتح نافذة من تحت الركام. إذا حاولتم احتكار السردية… سنكسر القفل بلقطة.
ومن بين هذا الركام، خرجت أسماء يجب أن تُقال، لا كأرقام، بل كوجوه، لا كعناوين عابرة، بل كعلامات في سجل المجد: السينمائي أحمد حسونة، السينمائي محمد الشريف، السينمائي إسلام الزريعي، السينمائية نداء أبو حسنة، السينمائية اعتماد وشاح، السينمائية رَباب خميس، السينمائي تامر نجم، السينمائي مصطفى قلاب، السينمائي أحمد الدنف، السينمائي أوس البنّا، السينمائي كريم سطوم، السينمائي بشار البلبيسي، السينمائي مهدي كريرة، السينمائي خميس مشهراوي، السينمائي باسل المقوسي، السينمائي وسام موسى، السينمائي علاء أيوب. وهناك أسماء عديدة أخرى لسينمائيين وسينمائيات فلسطينيين لم يذكرها هذا المقال، لا لأنهم أقل حضورًا أو أثرًا، بل لأن النص يضيق بما لا يضيق به تاريخهم، وغياب أسمائهم هنا لا يلغي وجودهم، ولا حضورهم الوطني، ولا حقهم الكامل في هذه الذاكرة الفلسطينية المفتوحة. هؤلاء لا يصنعون أفلامًا فقط. هؤلاء يصنعون الذاكرة… وهي ساخنة. يصنعون الدليل قبل أن يبرد الدم. يصنعون الشهادة قبل أن يعيد العالم ترتيب الأكاذيب بما يناسبه. وغزة، بهذا المعنى، لم تنتج ضحايا أمام الكاميرا فقط، بل أنتجت أصحاب كاميرا أيضًا. وهؤلاء ليسوا مجرد “مواهب ناشئة” كما قد يحب البعض أن يسميهم بتعالٍ ناعم، بل ورثة خط تاريخي كامل بدأ مع السينما الفلسطينية النضالية الأولى، ثم عاد اليوم في الحرب بأشكال جديدة: وثائقي، روائي قصير، فيديو آرت، أنيميشن، اعتراف شخصي، لكن الجوهر واحد: الصورة ليست زينة للحدث… بل شكل من أشكال الاشتباك معه.
ولا يكتمل هذا المشهد من دون التوقف أمام الحضور الفلسطيني النسائي في السينما الدولية. لأن المخرجات الفلسطينيات لم يدخلن هذا الفضاء كرموز شكلية، ولا كديكور تنوعي جميل، بل كصاحبات رؤية، وصاحبات لغة، وصاحبات أثر. المخرجة آن ماري جاسر، المخرجة مي المصري، المخرجة مها حاج، المخرجة ليلى عباس، المخرجة فرح النابلسي. هذه الأسماء لا تُذكر لأننا نريد تعدادًا شرفيًا. تُذكر لأنها كتبت اسمها في قلب العالم. كتبت اسمها بالأفلام، بالمهرجانات، بالحضور الدولي، بالاعتراف الذي لم يأتِ من فراغ، بل من عمل حقيقي، من لغة، من حساسية، من قدرة على أن تقول المرأة الفلسطينية: أنا لا أُروى… أنا أروي. وهنا تتضح الصورة كلها.
من المصوّرة السينمائية الفلسطينية الرائدة سلافة جاد الله… إلى المخرج السينمائي مصطفى أبو علي والمخرج غالب شعاث والمخرج سمير نمر والمخرج عدنان مدانات والمخرج يحيى بركات والمنتجة والباحثة السينمائية خديجة حباشنه والمخرجة نبيهى لطفي والمخرج محمد سوالمه والمخرج قاسم حول والمخرج والمونتير قيس الزبيدي والمخرج محمد توفيق والمخرج حكمت داود والمخرج فؤاد زنتوت… إلى المخرج السينمائي اللبناني جان شمعون… إلى المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية… إلى المصور السينمائي مطيع إبراهيم والمصور السينمائي عبد الحافظ الأسمر… وإلى السينمائي أبو ظريف… والمخرج يحيى بركات… والمخرج السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي… إلى جيل غزة الجديد… إلى المخرجة آن ماري جاسر والمخرجة مي المصري والمخرجة مها حاج والمخرجة ليلى عباس والمخرجة فرح النابلسي… نحن لا نتحدث عن تجارب متفرقة. نحن أمام مدرسة. مدرسة وُلدت من الخطر، ونضجت تحت النار، ولم تنتظر إذنًا من أحد.
ولهذا… حين أرى بناهي، وأسمع فرهادي، لا أصفّق فقط. أنا أفهم. أفهم أن ما يفعلانه مهم. أفهم أن ما يقولانه نبيل. أفهم أن ما يقدمانه للسينما ولمعنى الانتماء يستحق الاحترام. لكنني أفهم أيضًا أن ما عشناه نحن، وما كتبه الفلسطينيون بالكاميرا قبل كثيرين، كان بداية مبكرة لهذا كله. ولهذا، فإن الرجلين لا يجعلاني أرفع مكانة السينمائي على السياسي من باب المبالغة، بل من باب الفهم. السياسي، في كثير من الأحيان، يبقى أسير لحظته، أسير حساباته، أسير لغته التي تذوب بسرعة مهما علت. أما السينمائي الحقيقي، فهو من يمنح اللحظة عمرًا أطول من أصحابها. هو من يترك فيها أثرًا لا يمكن محوه، ولا التفاوض عليه، ولا إعادته إلى الوراء. لأن ما يُقال… يذوب. وما يُرى… يترسّب في الوعي، ثم يتحول، ببطء لا يُلاحظ، إلى حقيقة. ومن هنا، من هذه النقطة بالذات، تتبدل المواقع دون إعلان، ودون بيان رسمي، ودون تصفيق مفتعل: يتراجع الخطاب، ويتقدّم السينمائي. ليس لأنه قال أكثر. بل لأنه رأى أعمق. ومن يرى… لا يعود إلى الخلف.
المخرج يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
12/4/2026