عمر ومرسي - شوارد حول رواية (كائن رمادي) لنشأت المصري

فى إطار واقعي يأتي نص "كائن رمادي" مشبعا بالتأمل النفسي والفلسفي بدون إغراق، ويلاحظ المتلقي سرعة الأحداث ، كأن بطل الرواية شارك في كتابتها إذ أنها من طبيعة "وليد" الذي يستطيع أن ينسحب ويهرب ويطوي صفحات الأحداث بسرعة خاطفة ليبدأ صفحة جديدة، فأسئلته ليست مع ما يحدث فيما يحيط به من أماكن أو أشخاص بقدر ما هي أسئلة كونية كبري لا تتحمل أن تزاحمها أسئلة القدر وتصاريف الحياة فتلك عنده مواضيع وحالات مؤقتة لا يقف عندها كثيرا .

وليد ليس حالما، ولا يبحث عما هو أفضل.بل هو في حالة مواجهة مع أسئلة ينتجها عقله المتأمل وبالرغم من انها أسئلة كونية إلا أنها تعود إلى جذر واحد في تركيبته النفسية التي استغرقت في الرمادية، فطغي ذلك الوصف على حقيقته، وحقيقة من حوله حتى جعلت منه ذلك الكائن الرمادي. ولكن أساسها فيما أعتقد كمتلق هو فقدان "وليد" للانتماء.



تظل الرواية تسرد مسيرة "وليد" (غير المنتمي) في تأمل جدوى الوجود ومواجهة وطرح أسئلة كبرى بالرغم من أن كل من حول وليد لا تعطلهم هذه الأسئلة عن ممارسة الحياة والتفاعل معها ولتظهر الحكمة من الحياة فيما بعد او لا تظهر.. الا أن وليد ينتظر أن تظهر الحكمة من الوجود أولا لكي يعيش هذه الحياة ويتعاطى معها.

لكن وليد الرمادي ليس فقط شخصا أو رجلا بل إنه كائن يحتل مساحة كونية فيما يري تؤهله ليسائل الكون عما يريد... وليد ذلك الكائن الرمادي هو محظوظ أيضا فلم تختبره الحياة بقسوة العيش بل وهبته ما يمكنه من الانطلاق إلي أي مكان يريده حتى أنه قد راودته نفسه إلي ما وراء كوكب الأرض.

بالرغم ان الكاتب قد قفز بنا أيضا على تفاصيل كثيرة (فلم يصف لنا شكلا لوليد، ولا عن تعليمه ولا عن طبيعة عمله) كأنه يشاركه الرأي أن ذلك كله مؤقت مقارنة بأسئلته الكبري فلا يجب ان ينتظر المتلقي هذه التفاصيل.

*لكن دعنا نستشف من السرد كيف يري وليد نفسه بعبارات واضحة وصريحة:

-"قضيتي قضية كونية"

-مشكلتي أنى لم احدد مشاكلي على وجه الدقة

-تتملكني أفكار المؤقت والخلود

-يؤرقني السؤال الأخير وهو ماذا بعد؟

-زرع ابي وامي وكل من حولي في نفسي مبدأ التكيف وألا أعترض إلى حد التصادم، وان أكون جاهزا للتراجع إذا اقترب مني الضرر.

-صرت رماديا لا أنا ابيض ولا اسود في فكري وفعلي.

-لا أحب ان أكون اكتئابيا ... انا فقط في حالة استغراب متواصل

*ودعنا نستشف أيضا كيف يراه من حوله:

-تكاد عيناك تخترقان الجدران والسقف (من الاستغراق في التأمل والتساؤل المستمر)

-كأنك كائن رمادي خرج من جوف الأرض، أو هبط من ّالسماء

-انت لا تعرف ما تريد، فإذا وصلت اليه ستظل تتساءل حتى تفقده

-لأنك تفكر كثيرا ولا تفعل شيئا انت مثقف ممل

* وها هو ينتج لنفسه قضية مع معني "الطمأنينة" ومعني "الهدف" ومعنى "المشكلة"

-لا شيء مطمئن حقا في هذا الوجود ما دامت الأشياء موقوتة.

- الهدف صنم نعيد صياغته وانتاجه على الدوام

-لا توجد مشاكل، نحن الذين نصنعها لتملأ الوقت

-انا خارج كل المشاكل لأنني تخلصت من كل التفاصيل اليومية والفكرية

* وها هو يلمح من بعيد عن معني فقده للانتماء

-أمضي كريشة في مهب الريح، لا أضيق بشيء، فليس للريشة عنوان او مستقر تتمسك به، وتبكي على فقده.



فكأنه يبرر لنا في سرديته ان انسحابه الدائم خارج عن ارادته ويطلب منا ألا ندينه عليه ...

تعب كلها الحياة يا وليد، واعلم أن من المتلقين لسردك من يحسدونك على هذا التمكن من التخلي والانسحاب والهروب وأن لديك ما يمكنك من هذا. إلا أنهم يخفون ذلك في صدورهم وما تبدي عيونهم أكبر.

------

وليد ذلك الكائن الرمادي المحظوظ لم يناصب الكون العداء ولا لعن قدرا ولا ظروفا.. هو فقط طرح أسئلة ترعرعت حوله حتى زاحمت وجوده وهو يبحث لنفسه عن سبيل. وقد كان دائما منصفا غير ظالم فيما يظن حين قرر ان يغادر.

ففي كل مرة يترك من حوله وهم على دروب ناجحة، ويخرج إلي درب جديد تحلق به حريته إلى مشواره الدائم في البحث عن إجابات آمن بوجودها سلفا وإن أبطأت عليه. لقد ظل على حبه وتكريمه ل “غادة"، وكانت "إيمان" هي الحياة العملية بحلوها ومرها، وهروب "رمزي" كان رمزيا بالفعل، فمع طول الهروب لا تكفي النية في العودة أو حتى الإفصاح عن ذلك منجاة من سعيه الفاسد في الحياة فلم يستطع ان يصل به إلي أي مكان فصار غريبا في حياته ومماته وفي ذكراه. حتى ابنته "نانا" وهو اسم تدليل توارى خلفه اسمها الحقيقي انطلقت جامحة وراء الحياة بمفهومها حتى تخطت وليد وصارت كالذكري يزورها فقط لينعش الذاكرة.

لا يدين النص أحدا ... هو فقط يصف الحياة كما هي ... من منا أو منهم لا يستحق الإدانة ....

ولكن ألن يكون لهذا السعي الصادق من محطة للوصول ... لحظة تنوير تأتي بشاراتها وتتوالى حتى تتجسد حدثا وجسدا وروحا وإجابات وانتماء.

بلى،

إنها الرحمة التي أحاطت بحياته وتجربته منذ البداية، تجسدت له بشرا سويا لتجعل لحياته وحله وترحاله معنى حتى وقد طال انتظارها، "رحمة" التي ستهبك خيرا لم يكن يخطر ببالك، لكنه نصيبك الذي لن تغادر الحياة إلا وقد استوفيته.



برغم استغراق معظم الرواية في أحداث وليد الرمادي إلا أن وجود رحمة فيما تبقي من السرد يغفر ما سبق ويؤذن بشروق الحقيقة المنتظرة واستيلائها على المشهد.

ومع رحمة أصبح وليد الرمادي وليد الأبيض كما تناديه ... شيئا فشيئا أدرك أنه قد حان الوقت لإزالة المياه البيضاء من عينيه ليختفي الرمادي من ذاته ويحل محله ال "صفاء" لتصبح هي الهدف ليمنحها الطمأنينة في الغد الذي صار منتميا إليه حتى وإن لم يكن من شهوده.

وليد أدرك أن انتماءه يجب أن يكون للغد وإن كان لا يزال يتشكل وينمو، وأن انتماءه هذا سيمكنه من رعاية ذلك الغد سواء أدركه يوم حصاده أم كان فيه ذكرى. ذلك متروك لتصاريف الحياة.

------



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...