تمثل رواية " رحيق النساء" الصادرة عام ٢٠٢١ عن دار مكتبة جزيرة الورد للطبع والنشر، مشهدًا عامًا للمجتمع المصري المعاصر يمتد عبر عقود من الزمن من ثمانيات القرن العشرين وحتى اواخر العقد الثاني من الالفية الثالثة. فلا تقتصر الرواية على سرد قصص الحب بل تتخذ من العلاقات الانسانية منصة لإستكشاف قضايا إجتماعية و إقتصادية وسياسية عميقة متشابكة في نسيج روائي واحد.
اولًا: الحب في صور متعددة
تقدم الرواية الحب في صور متعددة تتراوح بين النموذج المثالي والنموذج المأساوي، وبين الحب الذي يستمر بعد الموت والحب الذي يولد من رماده.
يمثل حب رؤوف وزينب النموذج المثالي للعلاقة الزوجية في الرواية حيث يبدأ هذا الحب كقصة رمانسية في "مقهى النيل" و"ركن العشاق"
" حيث كنا نجلس في ركنٍ خاص يطلق عليه "ركن العشاق" بهاء الطبيعة يطرز الليل بالنسيم المنعش، كان عبق الحب شهيقًا يتدفق إلى أرواحنا"ص٩.
ثم يتطور إلى زواج ناجح قائم على التضحية المتبادلة فزينب تتنظر رؤؤف سنوات حتى يوافق والدها على الزواج ورؤوف يتخلى عن منصبه الوزاري ليرعى زوجته المريضة وبعد وفاتها يظل حبه لها حيًا ويتجلى في تعلقه بملابسها"احتضنت البلوزة وقبلتها، قربتها من أنفي أشم رائحتها، فما أطيب ريح زوجتي وبقايا ملابسها" ص٩٦. هذا الاستمرار للحب بعد الموت يشكل محور الصراع النفسي لرؤوف في نهاية الرواية.
في المقابل يمثل حب رؤوف الاول لعفت الخولي نموذج للحب غير المكتمل الذي بدأ كإعجاب بجمال امرأة اربعينية اثناء تدريسه لوليد ابنها حيث كان يشعر "أن أرنبة أذني تتوهج وتنبعث منها الحرارة" ص٢١ وتطور الى رغبة جامحة.
تظل عفت وفية لزوجها الغائب" القبطان البحري الذي غرقت سفينته" مثل الحمامة البيضاء التي " لم تسمح لأي ذكر بالاقتراب منها خلال فترة الحداد"ص١٨ لكنها بعد طول إلحاح تستجيب لرؤوف مثل الحمامة التي سمحت بدخول بيتها في البرج ص٢١. موت عفت بعد سنوات ينهي هذه العلاقة لكن يترك اثرًا عميقًا في نفس رؤوف.
أما حامد العربي فيمثل النقيض الكامل لرؤوف فعلاقاته المتعددة مع ناهد درويش وجوليا الاسبانية وليتا خوسية وتيري رامون وسيلفانا لوكا لا يصل إلى مرحلة النضج العاطفي لأنها علاقات جسدية يتحول فيها الحب كصراع كما عبر عنه الكاتب بحلبة الثيران حيث " يشبه الصراع الدائر بين الرجل والمراه صراع الثيران فإذا لعب أحدهما دور الثور يؤدي الآخر دور البشر ولا تنتهي المباراة إلا بسقوط أحدهما" ص١٤٣ هذه العلاقات تأتي كرد فعل لرفض هند له ومحاولة للهروب من صدمة الحب الحقيقي. وتمثل هند نفسها نموذج للمراه المستقلة في علاقاتها العاطفية فهي مترجمة ناجحة تمارس الرياضة وتدير حياتها بنفسها حبها لرؤوف لم يأتي من فراغ بل من إعجاب بموقفه الاخلاقي عندما استقال من منصبه الوزاري ليرعى زوجته المريضة. رفضها لحامد العربي رغم إلحاحه يعكس قدرتها على الأختيار وقبولها بالزواج من رجل في عمر ابيها يتحدى الاعراف الاجتماعية.
أما سعاد اخت زينب فتمثل النموذج التقليدي للحب المرتبط بالواجب. تعترف لرؤوف انها كانت تحبه منذ زمن طويل وانها كانت تكتم مشاعرها لانه زوج اختها ثم تأتي وصية زينب قبل موتها " وصيتي ليك انت وسعاد بعد مااموت تتجوزوا من بعض" ص٨٩ هذه الوصية تحول الحب إلى إلتزام أخلاقي وتجعل الزواج من سعاد الحل الاكثر قبولًا من الأسرة والابناء.
ثانيًا: الصراع الطبقي وتأثيره على العلاقات
يمثل الصراع بين رؤوف ووالد زينب " دكتور علوان" نموذجًا كلاسيكيًا للصراع الطبقي في المجتمع المصري. رؤوف من اصول ريفية بسيطة من قرية" كفر بيع" مركز تلا بمحافظة المنوفية "حيث الجذور تنحدر إلى اسرة فقيرة بالوراثة "ص١٤ بينما تنحدر زينب من اسرة أرستقراطية فجدها من الاسرة العلوية. لذا يرفض دكتور علوان زواج ابنته من رؤوف بسبب عدم التكافؤ الإجتماعي " فكيف لابن الفلاح ان يتزوج حفيدة الباشا؟" ص٩٧ يظهر هذا الصراع بوضوح في مشهد المطعم عندما يرى الاب ابنته مع رؤوف فيأخذها ويغادر دون ان ياكل تاركًا رؤوف "والعرق يتصبب منه بغزارة خوفًا عليها"ص٩٧ لكن نجاح رؤوف الاقتصادي وتفوقه التجاري هو ما يغير موقف الاب لاحقًا عندما يعرف أن البدلة التي يرتديها هي ماركة مجاهد نسبة إلى والد رؤوف يغير رأيه ويوافق على الزواج بعد ان تخبره ابنته زينب " لأن رؤوف اللي حضرتك طردته لما جه يخطبني وعايرته بان ابوه فلاح قرر يخلد اسم ابوه بالتسمية دي" ص١٠٤ هذا التحول يؤكد أن المال والنجاح الآقتصادي هما الوسيلة الاكثر فاعلية لتخطي الحواجز الطبقية في المجتمع المصري.
وتقدم الرواية نماذج متعددة لطبقة رجال الأعمال الجدد الذين صعدوا إلى القمة بسرعة مثل شاهين صقر رئيس جمعية المستثمرين ووالد زوجة رشدي ابنه وعماد البرنس صاحب مجموعة مدارس الفضائل الذى تزوج سكرتيرته واورثها ثروته وسلطان العطر كبير مشجعي نادي الامل الذي قدم شقة فاخرة لحامد العربي مقابل إحرازه الأهداف
وفي مقابل هذه الطبقات الثرية تقدم الرواية صورًا مؤثرة للفقراء فأسرة رؤوف في كفر ربيع تعاني من شظف العيش حيث الأب لا يستطيع توفير مصروفات تعليم ابنه والأم تقضي ليلتها بين الدموع والدعاء وصورة اخته نعمات بشكل خاص: " أما أختي نعمات التي تدخر أجرتها من العمل في مزارع الباشا حتى تجهز نفسها للزواج من شلبي ابو طاقية تعطيني الجنيهات التي ادخرت اياها بدلًا من شراء مستلزمات العرس الذي تأجل أكثر من مرة بسبب عدم قدرة أبي على تجهيزها" ص١٤ هذه الصورة تعكس نموذجية التضحية الأنثوية في الاسرة المصرية حيث تضع الاخت مستقبلها جانبًا لمساعدة أخيها وتؤجل زواجها اكثر من مرة في إنتظار ظروف أفضل.
أما حامد العربي فينحدر من اسرة فقيرة في حي شبرا الخيمة حيث اضطرت امه لبيع ذهبها وكتابة إيصالات امانة ليتمكن ابنها من الإنضمام الى نادي الأمل وظروفه القاسية التي تدفعه الى دفع رشوة للإلتحاق بالنادي مما يعكس فسادًا مؤسسيًا يطال حتى الرياضة.
ثالثًا: الفساد والمحسوبية في المؤسسات
تفرد الرواية مساحة واسعة لوصف الفساد في كرة القدم المصرية من خلال تجربة حامد العربي فالقبول في نادي الأمل يحتاج إلى دفع خمسين الف جنية لسمسار وكتابة إيصالات امانة وعندما يتألق حامد العربي يتفق أصحاب النفوذ مع المدرب وبعض اللاعبين على القضاء على مستقبله الرياضي عبر تمرير الكرة له او تمريرها بصعوبة وحتى بعد رحيله يستمر اصحاب النفوذ في منح عقود إحتراف بملايين لأهل الحظوة "ولو خسر النادي وضاع مستقبله وذهبت الرياضة إلى الجحيم: فمنطق هؤلاء : نحن ومن بعدنا الطوفان"ص٣٧. وظهر الفساد الآداري في مشهد عفت الخولي مع مهندس التراخيص الذي طلب منها خمسين الف جنيه لمنحها ت خيص بناء وفي الإشارات إلى طلبات الموظفين بالوساطة في نقلهم إلى إدارات اخرى. عند تولي رؤوف وزارة شئون المرأة. كما تظهر الأقلام المأجورة في حملات التشوية ضد رؤوف وحامد العربي والهجوم عليهما.
رابعًا: صراع العقل والعاطفة
يمثل رؤوف الدالى في الجزء الاخير من الرواية صراعًا معقدًا بين العقل والعاطفة. العاطفة تمثلها هند التي تجدد شبابه وتعطيه إحساسًا بالحياة بعد الموت بينما العقل يمثله عدة عوامل: وصية زينب بالزواج من سعاد التي تشبه زينب وموافقة الأبناء عليها والرفض الإجتماعي لزواج رجل كبير من فتاة صغيرة. رؤوف بحيرته:" قلبي مع هند وعقلي مع سعاد"ص١٤٢.
يظهر الطبيب النفسي الذي يتابع حالة رؤوف كصوت العقل العلمي فيفسر تعلقه بهند باعتبارات الشهوة والهرمونات وتعلقة بالراحلات بالموروثات السلوكية لكن رؤوف يرفض هذا التفسير" ورغم إحترامي للعلم لم يرق لي بعض ماقاله الكبيب لأن تفسير الجاذبية البدنية إذا كان ينطبق على الأحياء لايفسر استمرار تعلقي بالأموات"ص ١٣٨.
ويعاني حامد العربي من صراع آخر بين العقل والرغبة فعقله يريد أن يكون رجلًا محترمًا يستحق حب هند فيلتحق بدورات التنمية البشرية ويتعلم قولعد الاتيكيت لكن رغبته تظل مسيطرة عليه فيقع في علاقات متعددة ويضرب ناهد درويش عندما يغضب. هذا الصراع ينتهي بأنهياره النفسي ثم عودته إلى رشده بمساعدة تيري رامون.
تقدم رواية" رحيق النساء" رؤية متكاملة للمجتمع المصري المعاصر من خلال عدسة العلاقات الانسانية فالحب فيها ليس مجرد عاطفة فردية بل متشابك مع الطبقة والمال والسلطة والاعراف الاجتماعية. والطبقة والمال هما المحركان الاساسيان للعلاقات الإجتماعية، فالنجاح المالي يقلب المعادلات الطبقية لكن لا يلغي الصراعات الداخلية. والفساد ظاهرة شاملة تطال كل مؤسسات المجتمع : الرياضة، الحكومة، الإعلام وحتى الاسرة
وتتأرجح مكانة المراة في الرواية بين النموذج التقليدي: الام والزوجة المخلصة، والنموذج الحديث: المستقلة العاملة التي تختار، مع إشارة إلى أن التحول لم يكتمل فالمرأة الحديثة ماتزال اسيرة النظرة التقليدية والمرأه التقليدية حاضرة بقوة
حتى الشخصيات النسائية الحديثة تحمل تناقضات. ففريال العمدة رغم عملها الرفيع في جامعة الدول العربية تتصرف كأم تقليدية في قضية زواج ابنتها فترفض رؤوف وتصفه بـ"العجوز المتصابي" ص١٥٧ وتستعين بعمها شداد ليفرض الرأي بالقوة. هذه الازدواجية تعكس أن التحول من التقليدي إلى الحديث لم يكتمل في وعي المرأة نفسها.
فالرواية تقدم نقدًا للازدواجية على لسان هند "كيف لأمي التي تعمل في السلك الدبلوماسي أن تستدعي عمي شداد ليفرض الرأي في مسألة زواجي بقوة السلاح حتى وإن كنت على خطأ هذا ضد حقي في الاختيار للأسف لم تنجح الشهادات العليا والإقامة في المناطق الراقية في تغيير العادات البالية هنا عندما يفضل البشر في إعمال العقل يرتدون إلى همجية القطيع وتُقهر المرأة بمقدار ألف مرة عما كانت عليه من ذي قبل" ص١٥٣، ١٥٤ وتظل النهاية مفتوحة حيث أنه لم يحسم الصراع بين هند وسعاد مما يعكس رؤية واقعية للحياة وحيث لا توجد إجابات نهائية او سهلة بل استمرار للصراع.
اولًا: الحب في صور متعددة
تقدم الرواية الحب في صور متعددة تتراوح بين النموذج المثالي والنموذج المأساوي، وبين الحب الذي يستمر بعد الموت والحب الذي يولد من رماده.
يمثل حب رؤوف وزينب النموذج المثالي للعلاقة الزوجية في الرواية حيث يبدأ هذا الحب كقصة رمانسية في "مقهى النيل" و"ركن العشاق"
" حيث كنا نجلس في ركنٍ خاص يطلق عليه "ركن العشاق" بهاء الطبيعة يطرز الليل بالنسيم المنعش، كان عبق الحب شهيقًا يتدفق إلى أرواحنا"ص٩.
ثم يتطور إلى زواج ناجح قائم على التضحية المتبادلة فزينب تتنظر رؤؤف سنوات حتى يوافق والدها على الزواج ورؤوف يتخلى عن منصبه الوزاري ليرعى زوجته المريضة وبعد وفاتها يظل حبه لها حيًا ويتجلى في تعلقه بملابسها"احتضنت البلوزة وقبلتها، قربتها من أنفي أشم رائحتها، فما أطيب ريح زوجتي وبقايا ملابسها" ص٩٦. هذا الاستمرار للحب بعد الموت يشكل محور الصراع النفسي لرؤوف في نهاية الرواية.
في المقابل يمثل حب رؤوف الاول لعفت الخولي نموذج للحب غير المكتمل الذي بدأ كإعجاب بجمال امرأة اربعينية اثناء تدريسه لوليد ابنها حيث كان يشعر "أن أرنبة أذني تتوهج وتنبعث منها الحرارة" ص٢١ وتطور الى رغبة جامحة.
تظل عفت وفية لزوجها الغائب" القبطان البحري الذي غرقت سفينته" مثل الحمامة البيضاء التي " لم تسمح لأي ذكر بالاقتراب منها خلال فترة الحداد"ص١٨ لكنها بعد طول إلحاح تستجيب لرؤوف مثل الحمامة التي سمحت بدخول بيتها في البرج ص٢١. موت عفت بعد سنوات ينهي هذه العلاقة لكن يترك اثرًا عميقًا في نفس رؤوف.
أما حامد العربي فيمثل النقيض الكامل لرؤوف فعلاقاته المتعددة مع ناهد درويش وجوليا الاسبانية وليتا خوسية وتيري رامون وسيلفانا لوكا لا يصل إلى مرحلة النضج العاطفي لأنها علاقات جسدية يتحول فيها الحب كصراع كما عبر عنه الكاتب بحلبة الثيران حيث " يشبه الصراع الدائر بين الرجل والمراه صراع الثيران فإذا لعب أحدهما دور الثور يؤدي الآخر دور البشر ولا تنتهي المباراة إلا بسقوط أحدهما" ص١٤٣ هذه العلاقات تأتي كرد فعل لرفض هند له ومحاولة للهروب من صدمة الحب الحقيقي. وتمثل هند نفسها نموذج للمراه المستقلة في علاقاتها العاطفية فهي مترجمة ناجحة تمارس الرياضة وتدير حياتها بنفسها حبها لرؤوف لم يأتي من فراغ بل من إعجاب بموقفه الاخلاقي عندما استقال من منصبه الوزاري ليرعى زوجته المريضة. رفضها لحامد العربي رغم إلحاحه يعكس قدرتها على الأختيار وقبولها بالزواج من رجل في عمر ابيها يتحدى الاعراف الاجتماعية.
أما سعاد اخت زينب فتمثل النموذج التقليدي للحب المرتبط بالواجب. تعترف لرؤوف انها كانت تحبه منذ زمن طويل وانها كانت تكتم مشاعرها لانه زوج اختها ثم تأتي وصية زينب قبل موتها " وصيتي ليك انت وسعاد بعد مااموت تتجوزوا من بعض" ص٨٩ هذه الوصية تحول الحب إلى إلتزام أخلاقي وتجعل الزواج من سعاد الحل الاكثر قبولًا من الأسرة والابناء.
ثانيًا: الصراع الطبقي وتأثيره على العلاقات
يمثل الصراع بين رؤوف ووالد زينب " دكتور علوان" نموذجًا كلاسيكيًا للصراع الطبقي في المجتمع المصري. رؤوف من اصول ريفية بسيطة من قرية" كفر بيع" مركز تلا بمحافظة المنوفية "حيث الجذور تنحدر إلى اسرة فقيرة بالوراثة "ص١٤ بينما تنحدر زينب من اسرة أرستقراطية فجدها من الاسرة العلوية. لذا يرفض دكتور علوان زواج ابنته من رؤوف بسبب عدم التكافؤ الإجتماعي " فكيف لابن الفلاح ان يتزوج حفيدة الباشا؟" ص٩٧ يظهر هذا الصراع بوضوح في مشهد المطعم عندما يرى الاب ابنته مع رؤوف فيأخذها ويغادر دون ان ياكل تاركًا رؤوف "والعرق يتصبب منه بغزارة خوفًا عليها"ص٩٧ لكن نجاح رؤوف الاقتصادي وتفوقه التجاري هو ما يغير موقف الاب لاحقًا عندما يعرف أن البدلة التي يرتديها هي ماركة مجاهد نسبة إلى والد رؤوف يغير رأيه ويوافق على الزواج بعد ان تخبره ابنته زينب " لأن رؤوف اللي حضرتك طردته لما جه يخطبني وعايرته بان ابوه فلاح قرر يخلد اسم ابوه بالتسمية دي" ص١٠٤ هذا التحول يؤكد أن المال والنجاح الآقتصادي هما الوسيلة الاكثر فاعلية لتخطي الحواجز الطبقية في المجتمع المصري.
وتقدم الرواية نماذج متعددة لطبقة رجال الأعمال الجدد الذين صعدوا إلى القمة بسرعة مثل شاهين صقر رئيس جمعية المستثمرين ووالد زوجة رشدي ابنه وعماد البرنس صاحب مجموعة مدارس الفضائل الذى تزوج سكرتيرته واورثها ثروته وسلطان العطر كبير مشجعي نادي الامل الذي قدم شقة فاخرة لحامد العربي مقابل إحرازه الأهداف
وفي مقابل هذه الطبقات الثرية تقدم الرواية صورًا مؤثرة للفقراء فأسرة رؤوف في كفر ربيع تعاني من شظف العيش حيث الأب لا يستطيع توفير مصروفات تعليم ابنه والأم تقضي ليلتها بين الدموع والدعاء وصورة اخته نعمات بشكل خاص: " أما أختي نعمات التي تدخر أجرتها من العمل في مزارع الباشا حتى تجهز نفسها للزواج من شلبي ابو طاقية تعطيني الجنيهات التي ادخرت اياها بدلًا من شراء مستلزمات العرس الذي تأجل أكثر من مرة بسبب عدم قدرة أبي على تجهيزها" ص١٤ هذه الصورة تعكس نموذجية التضحية الأنثوية في الاسرة المصرية حيث تضع الاخت مستقبلها جانبًا لمساعدة أخيها وتؤجل زواجها اكثر من مرة في إنتظار ظروف أفضل.
أما حامد العربي فينحدر من اسرة فقيرة في حي شبرا الخيمة حيث اضطرت امه لبيع ذهبها وكتابة إيصالات امانة ليتمكن ابنها من الإنضمام الى نادي الأمل وظروفه القاسية التي تدفعه الى دفع رشوة للإلتحاق بالنادي مما يعكس فسادًا مؤسسيًا يطال حتى الرياضة.
ثالثًا: الفساد والمحسوبية في المؤسسات
تفرد الرواية مساحة واسعة لوصف الفساد في كرة القدم المصرية من خلال تجربة حامد العربي فالقبول في نادي الأمل يحتاج إلى دفع خمسين الف جنية لسمسار وكتابة إيصالات امانة وعندما يتألق حامد العربي يتفق أصحاب النفوذ مع المدرب وبعض اللاعبين على القضاء على مستقبله الرياضي عبر تمرير الكرة له او تمريرها بصعوبة وحتى بعد رحيله يستمر اصحاب النفوذ في منح عقود إحتراف بملايين لأهل الحظوة "ولو خسر النادي وضاع مستقبله وذهبت الرياضة إلى الجحيم: فمنطق هؤلاء : نحن ومن بعدنا الطوفان"ص٣٧. وظهر الفساد الآداري في مشهد عفت الخولي مع مهندس التراخيص الذي طلب منها خمسين الف جنيه لمنحها ت خيص بناء وفي الإشارات إلى طلبات الموظفين بالوساطة في نقلهم إلى إدارات اخرى. عند تولي رؤوف وزارة شئون المرأة. كما تظهر الأقلام المأجورة في حملات التشوية ضد رؤوف وحامد العربي والهجوم عليهما.
رابعًا: صراع العقل والعاطفة
يمثل رؤوف الدالى في الجزء الاخير من الرواية صراعًا معقدًا بين العقل والعاطفة. العاطفة تمثلها هند التي تجدد شبابه وتعطيه إحساسًا بالحياة بعد الموت بينما العقل يمثله عدة عوامل: وصية زينب بالزواج من سعاد التي تشبه زينب وموافقة الأبناء عليها والرفض الإجتماعي لزواج رجل كبير من فتاة صغيرة. رؤوف بحيرته:" قلبي مع هند وعقلي مع سعاد"ص١٤٢.
يظهر الطبيب النفسي الذي يتابع حالة رؤوف كصوت العقل العلمي فيفسر تعلقه بهند باعتبارات الشهوة والهرمونات وتعلقة بالراحلات بالموروثات السلوكية لكن رؤوف يرفض هذا التفسير" ورغم إحترامي للعلم لم يرق لي بعض ماقاله الكبيب لأن تفسير الجاذبية البدنية إذا كان ينطبق على الأحياء لايفسر استمرار تعلقي بالأموات"ص ١٣٨.
ويعاني حامد العربي من صراع آخر بين العقل والرغبة فعقله يريد أن يكون رجلًا محترمًا يستحق حب هند فيلتحق بدورات التنمية البشرية ويتعلم قولعد الاتيكيت لكن رغبته تظل مسيطرة عليه فيقع في علاقات متعددة ويضرب ناهد درويش عندما يغضب. هذا الصراع ينتهي بأنهياره النفسي ثم عودته إلى رشده بمساعدة تيري رامون.
تقدم رواية" رحيق النساء" رؤية متكاملة للمجتمع المصري المعاصر من خلال عدسة العلاقات الانسانية فالحب فيها ليس مجرد عاطفة فردية بل متشابك مع الطبقة والمال والسلطة والاعراف الاجتماعية. والطبقة والمال هما المحركان الاساسيان للعلاقات الإجتماعية، فالنجاح المالي يقلب المعادلات الطبقية لكن لا يلغي الصراعات الداخلية. والفساد ظاهرة شاملة تطال كل مؤسسات المجتمع : الرياضة، الحكومة، الإعلام وحتى الاسرة
وتتأرجح مكانة المراة في الرواية بين النموذج التقليدي: الام والزوجة المخلصة، والنموذج الحديث: المستقلة العاملة التي تختار، مع إشارة إلى أن التحول لم يكتمل فالمرأة الحديثة ماتزال اسيرة النظرة التقليدية والمرأه التقليدية حاضرة بقوة
حتى الشخصيات النسائية الحديثة تحمل تناقضات. ففريال العمدة رغم عملها الرفيع في جامعة الدول العربية تتصرف كأم تقليدية في قضية زواج ابنتها فترفض رؤوف وتصفه بـ"العجوز المتصابي" ص١٥٧ وتستعين بعمها شداد ليفرض الرأي بالقوة. هذه الازدواجية تعكس أن التحول من التقليدي إلى الحديث لم يكتمل في وعي المرأة نفسها.
فالرواية تقدم نقدًا للازدواجية على لسان هند "كيف لأمي التي تعمل في السلك الدبلوماسي أن تستدعي عمي شداد ليفرض الرأي في مسألة زواجي بقوة السلاح حتى وإن كنت على خطأ هذا ضد حقي في الاختيار للأسف لم تنجح الشهادات العليا والإقامة في المناطق الراقية في تغيير العادات البالية هنا عندما يفضل البشر في إعمال العقل يرتدون إلى همجية القطيع وتُقهر المرأة بمقدار ألف مرة عما كانت عليه من ذي قبل" ص١٥٣، ١٥٤ وتظل النهاية مفتوحة حيث أنه لم يحسم الصراع بين هند وسعاد مما يعكس رؤية واقعية للحياة وحيث لا توجد إجابات نهائية او سهلة بل استمرار للصراع.